رؤى

فن مُصادرة الأحلام

في أحد مشاهد الفيلم الرومانسي المصري “من غير ميعاد” يذهب الموسيقي الشاب (مُحرم فواد) لكي يلتقي بمحبوبته الرقيقة (نادية لطفي) في مقر عملها في إحدى شركات السفر والسياحة ويقدم لها هدية.

إلا أن وجود الفتاة في مقر عملها يشعرها بالحرج٫ خاصة وأن مديرها يرقبها من بعيد،  ولكي تبقى بعيداً عن الحرج تُسر لمحبوبها بأن يتظاهر بأنه زبون وأنه يسألها عن رحلة يود القيام بها خارج البلاد.

وهو ما يثير ضحك الشاب ويؤكد لمحبوبته انه مٌعسر وانه لا يملك ثمن أي رحلة إلى الخارج٫ تبادله الفتاة الضحك وتطلب منه أن يطلق لخياله العنان٫ أن يحلم٫ ان يتصور انه ثري ويستطيع السفر إلى أي مكان يريده في هذا العالم.

وبالفعل يستجيب الشاب لدعوة الحُلم هذه ويتعمد أن يتحدث إلى الفتاة أمام مديرها ذي الملامح الصارمة وكأنه زبون بالغ الأهمية ويود ان يسافر الى اقصى بقاع الارض والتمتع بمشاهدة المناظر الطبيعية في جزر هاواي وغيرها.

فيلم من غير ميعاد
مشهد من فيلم من غير ميعاد

عصر الأحلام

توقفت طويلاً أمام هذا المشهد الذي يبدو طريفا لفرط بساطته وبراءته لكن دلالته بالنسبة لي تتمثل في هذه الدعوة تحديداً التي أطلقتها الفتاة: أن نحلم بما يتجاوز واقعنا٫ أن نملك القدرة على تخيل ما نشاء.

لا اتصور ان هذه الفكرة يمكن فصلها عن زمن إنتاج الفيلم٫ حيث عُرض هذا العمل لأول مرة في أواخر عام ١٩٦٢ في فترة كانت  فيها الأبواب مفتوحة على مصاريعها  للشعوب لأن تحلم٫ ففي ذلك العام وتحديداً في شهر يوليو تجسد حلم راود شعب الجزائر العظيم لسنوات طوال وهو حلم الاستقلال والحرية والذي صار واقعاً بعد حرب دامية استمرت ثماني سنوات وقدمت فيها الجزائر مليون ونصف المليون من  أبنائها  شهداء.

وفي العام ذاته٫ تحقق ما حسبه عمال مصر حلماً٫ فصاروا شركاء في الإنتاج وأعضاء في مجالس إدارة شركاتهم ومصانعهم.

كان عنوان الفترة هي القدرة على الحلم٫ أن يحلم الأفراد والشعوب على حد سواء ويرى ما يتمنونه رأي العين٫ كان ثمة شعور ان كل ما يتمناه الفرد – وعلى عكس ما قال المتنبي- يمكن أن يدركه.

كان بناء السد العالي وإقامة قاعدة صناعية وتحقيق الاستقلال الوطني أحلاماً تحولت الى واقع في فترة زمنية قصيرة نسبياً٫ مما جعل الكثيرين يؤمنون أن فضاء الحلم لا حدود له.

السد العالي أثناء بناءه
السد العالي أثناء بناءه

وعكَسَ الفن إلى حد كبير هذه الروح٫ فحفلت أغنيات المرحلة بالحديث عن الحلم الذي صار واقعاً أو قارب أن يكون٫ بل إن شاعراً غنائياً مثل الراحل صلاح جاهين ذهب الى حد الحلم٫ كما كتب في إحدى أغنياته٫ بأن توضع تماثيل رخام على الترع في القرى وأن تضم هذه القرى بين جنباتها دورا  للأوبرا.

واقع جديد

لكن الواقع المرير  فرض نفسه على الحالمين بعد ذلك  فتراجعت الاحلام في أعقاب عدوان ١٩٦٧ ورغم أن شعبنا حول حلم النصر وإزالة آثار هذا العدوان الى واقع في اكتوبر من عام ١٩٧٣ الا ان الحالمين الذين حققوا النصر ودفعوا ضريبته من دمائهم  عادوا من جبهات القتال ليجدوا واقعاً جديداً بدا مغايراً بل ومناقضاً تماماً لكل ما حلموا به.

في الأعوام التالية٫ تقزم الحلم ولم يعد حلماً عاماً او جماعياً بل تقلص الى حلم الخلاص الفردي٫ سواء الخلاص الدنيوي عن طريق السفر الى الخارج وتكوين ثروة تعين على العيش- مجرد العيش-على أرض الوطن او الخلاص الأخروي من خلال الانعزال عن المجتمع ومعاداته والتقوقع على الذات وهو الاتجاه الذي شجعته تيارات فكرية معينة لأنه يعينها على تحقيق أجندتها السياسية.

حرب أكتوبر
حرب أكتوبر

ان سلب شعوبنا الحق في الحلم٫ كان في رأيي توجهاً مقصوداً ومدروساً٫ لأن الشعوب حين تحلم فإنها تتمسك بحلمها وتدافع عنه وكأنه واقع معاش٫ وحينها تطمح الى ما هو اكثر بكثير مما يُقدم لها على أنه غاية المُنى ومنتهى الأمل.

إن طموح الشعوب يزعج كل من يسعون لاستغلالها أيا كانوا ولذا فإنهم حريصون كل الحرص على سحق أحلامها٫ وفي المقابل فإن تمسك هذه الشعوب بأحلام  الحرية والتقدم والعدالة وغيرها هو في حد ذاته أداة نضالية تعين على مواصلة مسيرة الحياة بقوة وجسارة وأمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock