رؤى

القانون الدولي يجعل حقوق مصر في مياه النيل مقطوع بها ويسلب إثيوبيا أي ميزة تفضيلية

في صباح يوم الاثنين 31 مايو الماضي؛ غيَّب الموت المستشار الدكتور مساعد عبد العاطي شتيوي عن عمر ناهز الثانية والخمسين؛ إثر إصابته بفيروس كورونا.. وكان الدكتور مساعد قد وصل لمنصب نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، كما كان محاضرا للقانون الدولي بجامعتي حلوان والفيوم والمركز القومي للدراسات القضائية بوزارة العدل.. وكان الفقيد قد نال درجة الدكتوراه من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 2012، وكان عنوان رسالته “القواعد القانونية التي تحكم استخدامات الأنهار الدولية في غير الشئون الملاحية مع دراسة تطبيقية على نهر النيل.. وفي العام2016، طبعت هذا الدراسة الهامة  مع بعض التعديلات في كتاب بعنوان “مبادئ القانون الدولي الحاكمة لإنشاء السدود علي الأنهار الدولية دراسة تطبيقية علي سد النهضة الإثيوبي” سنحاول من خلال هذا العرض الموجز التعرف على أهم ما طرحه د. مساعد في هذا البحث القيم من رؤى قانونية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل.. وكذلك تجاوز الموقف الإثيوبي لكل الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية المستقرة بهذا الشأن.

الدكتور مساعد عبد العاطي شتيوي
الدكتور مساعد عبد العاطي شتيوي

مبدأ عدم إحداث الضرر

لقد كان لهذه الدراسة الأسبقية في تناول قضية السد الإثيوبي من الناحية القانونية وفق قواعد القانون الدولي وتطبيقات التحكيم والقضاء الدولي فيما يختص بشأن منازعات الأنهار الدولية.. ويتناول الكاتب في الفصل التمهيدي الذي ينقسم إلى مبحثين، المبادئ العامة للقانون من حيث المفهوم والعلاقة بينها وبين القاعدة القانونية ومبدأ المجاملات، ثم يتناول في المبحث الثاني من الفصل، موقف القانون الدولي من المبادئ العامة للقانون في إطار مطلبين هما: موقف الفقه الدولي من الطبيعة القانونية  لمبادئ القانون العامة، وموقف القضاء الدولي من مبادئ القانون العامة.

ثم يتناول الباحث في الباب الأول من كتابه المكون من بابين؛ المبادي القانونية العامة الحاكمة لإنشاء السدود المائية.. وقد قسّم د. مساعد هذا الباب إلى ستة فصول تناول في كل فصل منها عدة مباحث. إذ تناول في الفصل الأول من الباب الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النهر الدولي موضحا أن الأساس القانوني لذلك يرتكز إلى حُسن الجوار والنوايا الحسنة بالإضافة إلى مبادئ القانون الطبيعي؛ ثم يتطرق إلى مفهوم هذا الاستخدام في أعمال الهيئات العلمية الدولية، موضحا التطبيق العملي لهذا الاستخدام من خلال بعض الممارسات الدولية في ضوء أحكام القضاء والتحكيم الدوليين.

ومن أهم تلك الأحكام ما أورده  الباحث  عن المبدأ الذي أرسته محكمة العدل الدولية الدائمة عندما نظرت قضية نهر “الأودر” وجاء فيه “…إن تضافر المصالح والتعاون المشترك في نهر صالح للملاحة يصبح الأساس لحق قانوني مشترك، ومن أهم مظاهر هذا التضافر المساواة التامة بين كافة الدول المشاطئة في استخدام كل مجرى النهر واستبعاد أي ميزة تفضيلية لأي دولة مشاطئة بالنسبة للدول الأخرى».

نهر الأودر
نهر الأودر

وما ورد في حكم قضائي آخر لنفس المحكمة عام 1937، فيما عُرف بقضية اللجنة الخاصة بنظام نهر “الميوز” بشأن سحب المياه منه، بين هولندا بلجيكا، وهو نهر ينبع من شمال شرق فرنسا، ويتدفق عبر بلجيكا وهولندا إلى بحر الشمال، حيث يشكل دلتا مشتركة مع نهر الراين، وقد قضت المحكمة صراحة بأن مشروعات الدولة على أراضيها لا يجب أن تؤثر على حجم المياه في الدول المتشاطئة، ما أسس لمبدأ عدم جواز قيام الدولة بإجراء تغيير أو تعديل لمجرى مياه النهر إذا ترتبت على ذلك أضرار جسيمة بدولة أخرى مشاطئة.. وهو ما تناوله د. مساعد بالتفصيل في الفصل الثاني الذي عنونه بـ : مبدأ عدم إحداث الضرر وتناول فيه الأمر من كافة جوانبه التعريفية والقانونية في خمسة مباحث.

في الفصل الثالث من هذا الباب تناول الدكتور مساعد موضوع الإخطار المسبق بشأن الإجراءات المراد القيام بها من حيث المفهوم والأهمية وفي أعمال الهيئات العلمية الدولية والاتفاقيات الدولية وسياسات البنك الدولي، وهو ما لم تلتزم به إثيوبيا فيما قامت به من إجراءات بشأن سد النهضة، إذ من المعروف أن تشكيل لجنة الخبراء لا يعدو كونه من قبيل قواعد الإجراءات التمهيدية ولا ينطبق عليه وصف الإخطار المسبق بالمعنى الفني الدقيق الذي عناه المشرع الدولي وما استقر عليه الرأي القضائي لمحكمة العدل الدولية.

YouTube video

أما الفصل الرابع فقد اشتمل على تعريف مبدأ الحقوق المكتسبة وأساسه وأهميته باعتباره أهم المبادئ الستة التي تحكم توزيع المياه بين دول حوض النيل والتي اقرتها هيئة الأنهار الدولية بالأمم المتحدة.. هذه الحقوق التي أقرتها اتفاقيات نهر النيل “1902/1906/1929”  السارية بمبدأ التوارث الدولي للمعاهدات والاتفاقيات منذ عهود الاستعمار كونها لا تتأثر بتغير السيادة على تلك الدول.. وفي الفصل الخامس من الباب تناول الباحث مبدأ حُسن النية باستفاضة قبل أن يختتم الباب بفصل كامل عن مبدأ حل المنازعات الدولية بالطرق السلمية.

في الباب الثاني من الكتاب يتناول الدكتور عبد العاطي من خلال دراسته التطبيقية على سد النهضة؛ الخلفية التاريخية للسدود الإثيوبية بداية من مشاريع السدود على سد أومو وروافده  ومشاريع السدود على نهر النيل وروافده؛ وانتهاء بالوضع الجغرافي والجيولوجي لسد النهضة وأهم التطورات التي لحقت به بدءا من أبريل 2011.

وفي الفصل الثاني يستعرض الكاتب أهم الوسائل السلمية التي اتخذتها دول النيل الشرقي لتسوية أزمة سد النهضة من خلال اللجنة الدولية للخبراء، مع ذكر الالتزامات القانونية الملزمة للدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا فيما يتعلق بالسد الإثيوبي من خلال المبادئ القانونية العامة أو الاتفاقيات الخاصة الملزمة لها.

YouTube video

وفي عرض تفصيلي يطلعنا الباحث على أهم الآليات القانونية المتاحة أمام مصر والسودان لتسوية أزمة سد النهضة على المستويين الدولي والإقليمي, متمثلة في اللجوء الى الاحتجاج القانوني أمام إثيوبيا وأمام المنظمات الدولية المعنية, بشأن انتهاك إثيوبيا لقواعد القانون الدولي في مجال إقامة السدود على الأنهار الدولية.. وكذلك أهم ملامح الصراع في حال ذهاب مصر إلى التحكيم والقضاء الدوليين ردا على التعنت الإثيوبي.

وفي إطار طرح الحلول رأى  د. مساعد أستاذ القانون الدولي، ضرورة إطلاع الدول المؤثرة في منابع النيل الأبيض “الرافد الرئيسي الثاني لنهر النيل” ومنها: أوغندا وتنزانيا وكينيا على الوضع الراهن لمفاوضات سد النهضة، بعد اعتذار إثيوبيا عن اجتماع واشنطن الأخير، والذي كان مقررا أن يشهد توقيع الاتفاقية النهائية.

كما طالب بتنسيق المواقف مع دول وسط وغرب وجنوب إفريقيا من خلال عرض قانوني وفني على الأبعاد المترتبة  على تشغيل سد النهضة- دون اتفاق – على الأمن المائي لمصر.

YouTube video

في النهاية.. أكد الباحث أن مصر قد وضعت إثيوبيا أمام خيارات محددة، في ظل متانة وقوة الحجج القانونية والفنية والجغرافية، التي تؤكد حماية القانون الدولي لحقوق مصر المائية المكتسبة من نهر النيل.. كما أوصى بتوظيف عملية بناء مصر مؤخرا سد “ستيجلر” بتنزانيا في الرد على ما تروج له إثيوبيا داخل حوض النيل من تعسف مصر مع خطط التنمية التي تضعها هذه الدول.

وأشار إلى أهمية فتح مصر لحوار مباشر مع دول منابع الهضبة الاستوائية للتعاون البنَّاء  في محاولة لتعظيم القواسم المشتركة فيما بينها وفيما يخص العناصر المختلف عليها بين مصر والسودان من جانب؛ وباقي دول المنابع بشأن الاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول حوض النيل المعروفة باتفاقية “عنتيبي”.

رحم الله الدكتور مساعد عبد العاطي شتيوي ونفعنا بهذا العمل العظيم في مواجهة إثيوبيا في معركة المصير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock