رؤى

سعد زغلول.. الأزهري الذي تزعم ثورة

ظل الأزهر مئات السنين بعيداً عن المشاركة في فعاليات المجتمع المصري ،طبعاً كان يخرج من الجامع شخصيات تنويرية كبيرة في كل عصر، بجانب الشخصيات المحافظة التي ترفض التجديد وكانت ثورة 19 نقطة تحول في تاريخ الجامع وللمفارقة فزعيم الثورة أزهري هو سعد زغلول تلميذ الإمام محمد عبده ومن حسن حظ سعد كوكبة المشايخ الثوار زملاء دفعة 1873 ومن حسن الحظ وجود المجدد الأزهري العظيم محمد عبده في ذلك الوقت فلولاه وتلاميذه لما سمع الأزهريون حتي عن الثورة

طبعاً كي ننحاز للحياد لاننكر دور بعض الأزهريين في الثورة العرابية فزعيمها المدني هو نفسه الإمام محمد عبده الذي كان يعلم الضباط كثيرا كما قال ذلك عرابي باشا نفسه في مذكراته ،بعد هزيمة الثورة العرابية ..إختفي الأزهر وظهر بعض الأزهريين الكبار رواد التنويرمثل رفاعة الطهطاوي ،ومع تفجر أحداث ثورة 19 كانت الروح تدب في جنبات المجاوريين مرة آخري ويخرج منهم زعيم للثورة (ومقرئ ومؤرخ وحكمدار وبرلماني عظيم ) لكن ذلك حدث في سنوات طويلة تشبه عمر المؤسسة الطويل ولعل سعد زغلول قد نجح بتطوير الأزهريين وهو ثائر وفشل في تطوير الأزهر وهو وزير المعارف العمومية.

طلاب الأزهر ثورة 19
طلاب الأزهر ثورة 19

مظاهرة الأزهريين بقيادة محمد فريد

كثيرون هم الشهداء والقادة الذين أنجبتهــم ثورة 19 سقطوا في رحاب الحسين والغورية والجمالية والأزهرولعل مشاركة الأزهريين بكثافة مدهشة تدل علي ندم الأزهريين الواضح من أحداث مارس 1908 وتمردهم ورفضهم تطوير الجامع وتحويله لجامعة متكاملة(( كان سعد زغلول وزيراً للمعارف العمومية وكان مع  مشروع تطوير الأزهر)) في بداية القرن العشرين 1908 وقتها إتجهت الأنظار لتأسيس الجامعة المصرية في عهد المشيخة الثانية للشيخ حسونة النواوي ،وفي 11 نوفمبر 1908 كانت أول مظاهرة أزهرية – وللمفارقة – يقودها الزعيم محمد فريد تخرج من الجامع بعد صلاة الظهركما وثق ذلك عبد الرحمن الرافعي (في كتابه ( محمد فريد رمز الاخلاص والوطنية) والمدهش حقاً أن فريد كان قد جمع معه أكثر من ستين ألف توقيع علي وثيقة الدستور، كان فريد يدرك أهمية نقل وعي الأزهريين للمشاركة في فعاليات المجتمع المصري فهو تلميذ نجيب لمولانا الطهطاوي حيث تخرج في مدرسة الألسن وتنبأ له رفاعةالطهطاوي بمستقبل مشرق حيث حيث أجاد الفرنسية والإنجليزية بطلاقة، وظل ارتباط فريد وزيارته اليومية للمجاوريين بالأزهر مستمرة خصوصاً بعد إنتخابه رئيساُ للحزب الوطني وقد اختار محمد فريد إنطلاق مظاهرة الدستور الكبري يوم إحتفال الجيش الإنجليزي 24 نوفمبر 1908.

مصطفى كامل ومحمد فريد
مصطفى كامل ومحمد فريد

7 مارس ميلاد زعامة سعد زغلول في الأزهر

تحول  يوم الجمعة 7مارس 1919 وحيث  كان سعد يصلي في  الأزهرلنقطة إنطلاق المظاهرات كل جمعة ومع كل جنازة تخرج منه وللطرافة فقد خرج سعد من الجامع في ذلك اليوم زعيماُ للثورة التي تنادي بحياة سعدوالاستقلال ،هنا فقط صار الجامع للمرة الأولي في تاريخ مصر مشاركاً في حوادث الوطن كونه يتوسط العاصمة وملتقي التجار وحي الحسينيةوالغورية والحلمية خصوصاً بعد إعتقال سعد ورفاقه يوم الأحد9مارس حيث تجمع طلاب الحقوق والطب والتجارة مع طلاب الأزهرفي مظاهرة بدأت من السيدة زينب ووصلت قسم الموسكي حيث بادر البوليس بضرب الرصاص الحي فسقط طالب الأزهر مصطفي ماهر أمين أبن مأمور جرجا  ومحمد عزت بيومي وعبد الفتاح محمود وطلبه حسن جاد وجاء يوم 19مارس ليقتل  المحتل الإنجليزي واحدا وعشرين شهيداً بجهةالأزهروبينهم طلاب وعمال وتجارمن حي الحسين ومدرسة القضاء الشرعي ,أصبح خروج جنازات الشهداء من الجامع الأزهر،أمرا معتادا خصوصاً بعد أن كان سعد قد شكل مع قادة الثورة فريق عمل لسير المظاهرات وطبع المنشورات,التي كانت تخرج من بيت الأمة في قفطان الشيخ القارئ العظيم محمود البربري قارئ الثورة، وكانت نقطة تحرك طلاب الأزهرمن عطفة الشيخ القاياتي ومقرإختباء الثوارمن القتل والرصاص الحي في الجانب الآخر من حي الحسين ولعل دور الشيخ القاياتي زميل سعد في الأزهر وعضو الوفد المصري كان من الأدوار المهة في تاريخ الثورة حتي بعد ذلك وقد اعتقل الشيخ القاياتي  بقسم بوليس قصر النيل في أول مايو سنة ١٩١٩، وتعرض للتعذيب شهرًاولم يعترف علي مقرغرفة عمليات الثورة في جامع المؤيد وخط سير المنشورات  ثم نقل إلى  سجن رفح ومكث به شهرًا ونصف، ثم أفرج عنه ثم اعتقل بقصر النيل يوم ٢٥ نوفمبر سنة ١٩١٩، ومكث به أربعة أيام ثم نقل إلى  سجن رفح  مرة أخرى ومكث به  ثلاثة شهور ونصف، وعاد إلى قصر النيل ومكث به ليلة واحدة ثم نقل إلى معسكر سيدي بشر، ومكث به عشرين يومًا ثم أفرج عنه على أن يقيم ببلدته ولا يبرحها، ومكث بها إلى أول أبريل سنة ١٩٢١ ثم أفرج عنه, وفي نفس الوقت كان الشيخ أبوالعيون والشيخ عبد الوهاب النجاروالقمس سرجيوس يشكلون مقر حكمدارية القاهرة في جامع المؤيد بعد نفي زعماء الثورة والقادة الكبار ، وساعتها قرر الثوارقراءة بيان سعد يوم 13 مارس 1919 الذي قال فيه سعد بالحرف  : لن يتراجع شعبنا حتي نيل الحرية كاملة والإستقلال غير منقوص و صباح الخميس الثالث عشر من مارس 1919،  قررت  سلطات الإحتلال نفي زغلول إلى مالطة ومعه إسماعيل صدقي باشا ومحمد محمود باشا وحمد الباسل .

طلاب الأزهر في ثورة 19
طلاب الأزهر في ثورة 19

طلاب القضاء الشرعي يحمون مظاهرات الفتيات

يروي الشيخ عد الوهاب النجار تحول مقرات المجاورين داخل أروقة الأزهر لخلإيا  تساهم في شئون الثورة  فتري طلاب مدرسة القضاء الشرعي في مشهد غريب يتقدمون صفوف مظاهرات النساء لحمايتهن من البوليس والإحتلال كل طالب أزهري مهمته حماية أربعة سيدات او فتيات وفي الوقت نفسه،إستمرت المظاهرات التي تحولت للتلقائية وهي تحمل صورسعد الذي تحول لأيقونة الثورة،في ذلك الوقت تم حصارالجامع الأزهر ومسجد الحسين  يوم الجمعة14مارس لتحدث مذبحة الجمعة الحزينة ويسقط خمسة وعشرون شهيداً علي باب المسجد (كما جاء في مذكرات فخري عبد النور) وسقط ثلاثة عشرقتيلاً في السيدة زينب منهم الشهداءمحمد المرعشلي من الباطنية ومحمد سيدعبد الرسول من الجمالية,هنا يحدث تطورمهم في مسيرة التنويرالأزهري  لأبناء الوطن فتصدر فتوي الأزهر بجواز التصدي للمحتل يخطب بها الشيخ محمودأبو العيون علي منبر الجامع ثم يصعد  القس سرجيوس ويعتلي المنبر ويعلن مصر للمصريين جميعاً بلا تفرقه وبحد وصف سرجيوس فسعد زغلول وحد المصريين في بوتقة واحدة,ولعل خلفية سعد الأزهرية ومشاركة زملاء الدراسة معه منحت الثورة زخماً مهماً فالأزهر له كلمة مسموعة عند بسطاء الناس منذ دعوة المصريين للإمام الأول الخراشي للفصل في القضايا والمشكلات بينهم ( قكانوا يقولون يا خراشي) .

يقول مصطفي صادق الرافعي يظل الأزهر منارة العلم والجهاد ضد المحتل منه تخرج سعدباشا زغلول، والسؤال هل كانت ثورة 19 تنجح دون حشد الأزهريين؟

الشيخ القاياتي خطيب ثورة 19
الشيخ القاياتي خطيب ثورة 19

سعد زغلول .. الأزهري

لكن ماذاعن سعد هذا الفقيه الأزهري علي حد وصف الإمام المراغي وفي تاريخ سعد يطل دور الأزهرمحركا في تكوين شخصية سعد فهو كان يحلم بتطويرالأزهر ،وكانت البداية في فبراير 1873 حين  جاء إلى القاهرة ودخل الأزهر الشريف،ومكث فيه سنوات يتلقى  جميع العلوم على أفاضل علمائه كالمرحوم الشيخ حسن الطويل، وجمال الدين الأفغاني وكانت أمنية زغلول التعلم علي يد  الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، الذي  تبناه علمياً فعلاً وحضر معه دروس «القطب على الشمسية» في المنطق، كما حضرعليه درسًا في التوحيد فلم يرفي حداثة عمره كما لم ير في كبر سنه بابًا للعلم إلا وقصده ولا سبيلًا للمعرفة إلا وطلبه.

ولما عُلم لذوي الشأن سبْقه كما عرف للناس من قبل علمه وفضله بما كان يكتبه باسمه يومئذ في الصحف، كجريدة مصر والمحروسة والبرهان والتجارة من المقالات البليغة عين محررًا بالوقائع المصرية سنة ١٨٨١م مع المرحوم الشيخ محمد عبده، الذي كان رئيس تحريرها سنة وبضعة أشهر ولقد كان ينشر الرسائل الواردة بنصها، ثم ينبه على الخطأ منها، وينتقد أحكام المحاكم الملغاة، ويلخصها حيث عهد إليه ذلك كما كان يكتب بتوقيعه مقالات عن  الاستعباد والشورى والأخلاق؛ لأنها كانت غير قاصرة على القسم الرسمي كما هو الحال الآن، ولم تقيد حريته من الصغر وظيفته كما لم يستهوه منصب ولا مال، ثم عين بعد ذلك سنة ١٨٨٣م معاونًا في الداخلية فناظرًا لقلم قضايا الجيزة، الذي لم يمكث فيه إلا أسابيع، وقامت الثورة العرابية فاتهم بأنه من أتباع المرحوم الشيخ محمد عبده ففصل من وظيفته، واتهم بالاشتراك في جمعية سرية باسم جمعية الانتقام، ولكن إدانته لم تثبت بعد التحقيق، وفي سنة ١٨٨٤م قيد اسمه في محكمة مصر محاميًا، فنهض بالمحاماة ورفع من قيمتها والناس إلى الجهل أقرب منهم إلى العلم بها، فكان فيها نصير الحق والمظلومين، ونبراس القضاء والمحامين، وحجتهم في القول ومرجعهم في المشكلات.

 وقد قــال سعد يوما  وهو يخطب في العمــال: «إنني أفرح كثيرا كلما شــعرت أن هذه الحركة (الثورة والنهضة) ليســت فيما يسمونه بالطبقة العالية فقط بل هي منبثة – أيضاوعلى الأخص – في الطبقة التي سماها حسادنا: «طبقةالرعاع»! وأفتخر بأني من الرعاع مثلكم» فانخــرط العمال في هتاف متكرر: «ليحيا سعد زعيم الرعاع»

ولعل ســعدا كان الزعيــم الوحيد بين زعمــاء مصر الحديثة الذي تعلقت به الجماهير التي لا علاقة لها بالسياسة أو الحزبية فتحالفت العواطف مع الوعي على جعل الفطرة الشــعبية تتعلق به، وكأنه أسطورة من الأساطير في حياة هذه الجماهير.

سعد زغلول وسط أنصاره
سعد زغلول وسط أنصاره

عندما تأزهر الفقيه سعد زغلول

فــي ســنة ١٨٧٣م انتقــل ســعد زغلول إلى الدراســة بالجامع الأزهر بالقاهرة، وكان قد بدأ تلقي دروس الفقه على مذهب الإمام الشــافعي  في «زاوية العــدوي» بالقرب من الجامع الأزهر، ثم انتقل إلى الدراسة في ذات الجامع الأزهر. وكان الطالــب  في ذلــك الوقت   هو الذي يختار شــيخه والحلقة التي يتلقى فيها دروســه ويختار أيضــا العلوم والكتب التي يريد مواصلة دراستها والتخصص فيها.

وفــي  تلك الاثناء  كان جمــال الدين الأفغانــي  قد اســتقر بــه المقام في مصر، وانتظمــت دروس علمــه وتجديده وثوريته في منزلــه – قرب الجامع الأزهر – وكان الشــيخ محمــد عبده الأزهري الذي يكبر ســعد زغلول بعشــر سنوات يعقد حلقةدرس بالجامع الأزهر لعلوم وفنون كانت غريبةعن المناهج الأزهريةفي ذلك الحين،فتتلمذعليه في هذه الحلقة الطالب سعد زغلول وكان  أنجب تلاميذ محمد عبده، بل لقد صارشيخا ورائدا ومربيا وكان  محمد عبده بالنسبة له أبا و أصبح «الشــيخ ســعد زغلول» طالــب الأزهر واحدا مــن دعاة الإصلاح وواحدا مــن الذين تعلموا فن الكتابةوصناعة الإنشــاءوتحرير المقالات، وبتشجيع من الأفغاني نشرت له صحيفة (التجارة) التي كانت إحدى الصحف التي أصدرها الأفغاني «بالإسكندرية ورأس تحريرها «أديب إسحاق» ونشرت للشيخ سعد مقالا عن «الحرية»  -فكانت الحريةهي الباب الذي ولج منه الشيخ سعد إلى عالم الإصلاح والإبداع ولأن هــذا الحــزب الإصلاحــي كان يعــول فــي الدعــوة الإصلاحيــةعلى تجديد مناهج المؤسســةالعلميــةالأم الأزهر الشــريف كطريــق لإصــلاح وتجديد دنيــا المســلمين، كتب يدعو فيــه إلى إصلاح الأزهر الشــريف،ونســخ من مقاله  سبع نســخ  وعلقها علي أعمدة الجامع الأزهر ليقرأها الطلاب في الصباح ، ومــع التحريــر فــي الصحــف والانخــراط في الدعــوة إلى الإصــلاح: التعليمــي والفكري والوطني توجه الطالب الشــيخ ســعد زغلول إلــى حقل التأليــف فكانت باكــورة تآليفــه كتاب في (فقــه الشــافعية)، ولقد طبع هــذا الكتاب ونفــدت طبعته الأولــى،و بعد رحيل سعد كان الإمــام الأكبر الشــيخ محمد مصطفــى المراغي يحتفــظ في مكتبته بنســخة منــه، وذات يــوم كان لطفــي الســيد باشــا  يزور الشــيخ المراغي بداره في «حلوان»،وجرى الحديث بينهما في العلم والفلسفةوالزعماء فقال لطفي السيد:

– إن بيــن الزعماء السياســيين نوابغ لو تفرغوا بعض الوقت

للتأليف والإنتاج لأفادوا فائدة عظيمة.

المراغي ومحمد عبده
المراغي ومحمد عبده

وهنا ابتسم الشيخ المراغي وقال له:

– هــل تعلــم أن المرحوم ســعد زغلول باشــا كتب كتاباً مهمافي الفقه الشافعي ؟ فشــغف لطفي الســيد للاطلاع على هذا الكتاب فقام الشيخ المراغي إلــى مكتبته وأحضر الكتاب فتناوله لطفي الســيد وهو يقول:  عجيبة! وأزاح لطفي السيد غلاف الكتاب وقرأ اسمه وقد كتب ناشر الكتاب تحت عنوانه ما يلي: ألفــه الفقيــر إلى الله تعالى الشــيخ ســعد زغلول الشــافعي.

وإذا شــئنا نمــاذج مــن الرســائل الجوابية التي كتبها ســعد إلى أســتاذه الشيخ محمد عبده  – وهو ببيروت – والتي تكشــف عن مســتوى هذه العلاقة، يبدأ الشيخ سعد واحدة منها مخاطبا شــيخه محمد عبــده بعبارة: «مولاي الأفضــل ووالدي الأكمل» ويصف نفســه فيها بأنه: «خريج من فضل علم وحكم الأستاذ الإمام والناشئ في نعمه، وصنيع آدابه،والمحفوف بعنايته، والمشــمول بعين رعايته».

إلى بيروت «من مصر ٢٤ ربيع الآخر سنة «١٣٠٠هـ»

مولاي الأفضل ووالدي الأكمل أحسن الله معاده. بعد تقبيل الأيدي الكريمة: قد وردالكتاب الكريم على طول تشــوقنا إليه فتلوناه ووعيناه في الفؤاد،وحمدنا االله تعالى على أن شــرفتم تلك الديار ســالمين، مبالغا في إكرامكم والاحتفال

بكم من كــرام أعيانها المســلمين وأماجد نبهائهــا المؤمنين، جزاهم االله عن كل مصري يعرف مقداركم خير الجزاء. ولهم منا معشــر أتباعكم ومريديكم بما تقبلوك به من  كريم الاحتفال وعظيم الإجلال ألســنةمرطبــةبالثناءعليهم وضمائر مطويةعلى مزيد احترامهم وفائق تعظيمهم. صحتــي البدنيةمعتدلة،أما فكري فقد تولاه الضعف من يوم أن صــدع الفــؤاد بالبعــاد،وتمثلت فيه بعد تلــك الحقائق التي يضيق بها الصدرولا كانت تجلو مطالعها معــان نعرفها أوهام ينطلق بردها اللســان مخافة فوات مرغوب أولحاق مكروه مما تعلمون.

الحــال العموميــة على مــا تركتها، غير أن النــاس أخذوا في نســيان ما فــات من الحــوادث وأهوالهــا، وقلت وخفت شــماتةالشامتين منهم،وأصبح المادحون للإنجليزهم الغالبون ،آســفاعلى ماوقع لجنابكم أكثر من أســفه على نفســه، …الشيخ محمد خليل والشــيخ عامر إســماعيل والشــيخ حمادة الخولي والسيد عثمان شــعيب والشيخ حســن الطويل ووالدي عبدالله وكثيــر غيرهم يقبلــون يديكم وأخــواي شــناوي وفتــح الله يســلمون عليكــم ويقدمون مزيد تشــكرهم لحضرات أولئك الكرام الأماجد الذين أحســنواوفادتكم وأكرموا مثواكم زادهم لماً وكمالا.

سعد زغلول
سعد زغلول

 وفــي هذه الرســالة يتكلم ســعد زغلول بأســلوب البلغاء من الفلاســفة والمتكلمين، كما أن فيها حديثاعن حال مصر والأمة،وواجبات المرحلة لمواجهــةهذا الذي حــدث لمصر بعد الاحتلال، وتشير المراســلات بيــن الأســتاذ الإمام وبين الشــيخ ســعد زغلول، مفصحةعن المكانة الممتازة والمتميزة لســعد في طليعة مدرسة الأستاذ الإمام وحزبه،وهي مراسلات جديرة بدراسة خاصة،تحلل مضامينها، وتستخلص دلالاتها،وتكتشف إضافاتها  خاصة وأن محمد عبده كان  صاحب اقتراح تعيين سعد  نائب قاض في محكمة الاستئناف سنة (١٨٩٢م)، وكانت مؤهلات ســعد زغلول حتــى ذلك الحين هي مؤهلات «الشــيخ ســعد»: دراسته الشرعية الأزهرية، وخبرته العملية في المحاماة، والتي تأسســت هي الأخرى على دراسته الشــرعية الأزهرية. ذلك أنه لم يكن قد درس بعد الحقوق ولا حصل على «الليسانس» فيها، فلقــد بدأ تعلم الفرنســية في صيف ســنة (١٨٩٢م) والتحق بجامعة باريس أوائل ســنة (١٨٩٦م)،وحصل على ليســانس الحقــوق منها فــي يوليو ســنة (١٨٩٧م) فالأزهــر- وثقافته الشرعية- هو الذي أهله للعمل بالقضاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock