مدونة أصوات

مختارات من الشاعرة سناء مصطفى

قصائد من ديوان تماما كما أفعل الآن عن الهيئة العامة للكتاب 2019

1

نَحتالُ على الحياة بابتسامةٍ طيبة

لأننا لا نحِب الانكسارات…

ونُجَمِّد خسائرَنا

كَكُرةٍ مِن الثلج نُسقِطها مِن سفحِ جبلٍ

لتصغر في أعينِ الناظرين

وتكبر داخلَنا..

ونرتدي في أكفِّنا المتشققةِ

قفازاتٍ مَخمَلية

فيظننا الملوِّحُ بالسلام مُرفّهين…

وندَّعى بطولاتٍ زائفةً

حين نتحدث عن الموت كصديقٍ حميم

حتى يُمهِلنا وقتًا أطولَ نتجرعُ فيه فراقَ الأحِبة..

ونوهِم الآخَرين أننا مثاليون

نتحمّلُ صفعاتِهم بصدرٍ رحبٍ ونعفو…

ونغنّي للواقفين في الطوابير

حتى لا يملّوا الانتظار ..

نحن أيها الرب أبناؤك الطيبون

أبناؤك الذين يرتدون كل صباحٍ

وجوهًا مختلفةً

ويلقَوْنَك في المساء

بوجوهِهم التي تعرفها.

2

هل تَعرفون أن السبورةَ أنثىَ مِثالية؟

يَنتهِكُ الطبشورُ روحَها

بِلينٍ مرةً

وبعنفٍ مرات

حسْبَ ما يُسلِم أذنَيه للآخَرين.

رغم وجهِها الذي تلهو فوقَه الخدوشُ

وجبينِها الذي تبني التجاعيدُ عليه عرشَها

وعينيها المُعفّرتيْن بغبارٍ أبيضَ

تَبقَى شامخةً وقوية

يتساقطُ مِنها أولادٌ وبنات

وأوراقُ نعناعٍ طازجة…

وضحكةٌ

لا أعرف كيف وجدتْ لها سبيلا للخروج

بيْنَ كل هذا الركام

أنا وإياها صديقتانِ حميمتان

أستعيرُ ضحكتَها

وأداعِبُ أولادَها وبناتِها

وأضعُ نعناعَها الطازجَ في شاي الصباح

ونغنِّي معًا “باكتب اسمك يا حبيبي ع الحور العتيق”

يَدقُّ جرسُ الحصة فأودّعها للقاءٍ جديد

بينما لا يَتبقّى في يدي مِن الطبشور شيء!

من ديوان “لما اطمأن الماء لي”

لماذا كانت الأوراق تبكي حين أذبحها؟

على مهلٍ تمد بياضها كفًّا يواسيني

وتمسحُ دمعةً غلبتْ..

مرارا متُّ حين خصفْتَ من أحبارك السوداءِ

لمَّا أزهرتْ روحي…

مرارا متُّ عند الذبحِ

لا كفا مددتُ إليك

لم تُسقِطْ سماءُ الوهم

ذِبْحا ما ليفديني

فـ متُّ ولوثةُ الأحبار ملءُ دمي..

سألتُ الله أوراقا تجيد الرقصَ

بيضاءَ.. انبعاثُ الحرفِ من أركانها وطنٌ

بعيدا عن خرائطه ستبقى..

كلما تَبِعَتْ رياحَ الشوق أمطارٌ

سأذكرُ موتَها الأرض التي مالتْ

على ثغرِ الحنينِ ضحىً

وقالت: هئتُ

فانشقَّتْ…

سألتُ الله أن يبقيك خارج كل أوراقي

لكي تحيا وحيدا

عاريا مني ومن نزفي

***

ستعرف “شهرزاد” الصمتَ

منذ الليلة الأولى

لأن الحبرَ سوف يضيءُ في دمها…

فتُطْلقُ دفقةً

ترتدُّ للجلّادِ ضربتُه

سيكشفُ “شهريارُ” السرَّ حين يقلِّبُ التاريخَ

يفهمُ ضحكةَ الجلادِ بعد الموتِ

يعرفُ خيبةَ الفارِّين من سيفٍ بلا نصلٍ

لألسنةٍ نصالٌ تقطعُ الأرواحَ

إن تاقتْ إلى التحليقِ…

مَنْ مِنْ نزفهِ المحتومِ

يهربُ إن أراد البوحَ؟

مَنْ مِنْ موتِه القدسيِّ

إن عشقَتْ طيورُ الصبرِ-حسب روايةِ الحكماءِ- أيْكتَهُ

يقول: كفى؟…

أنا يا ربُّ لم أخترْ سوى الأوراقِ

أذبحها وتذبحني

فلا نبكي…

أراقصها..

وتعزفُ إنْ أردتُّ البوحَ…

أسكنُ في أزقَّتها..

أموتُ كميتةِ البسطاء

لمّا تصمتُ الأوراقُ

أو تبكي.

من ديوان “فقط كعناقك الأخير” عن دار النسيم 2021

عاديةٌ أنا…

وأريد أن أكتب نصًا عاديًا

عن امرأةٍ أحبّت رجلاً

رغم أنه لم يمنحها جِلدًا رقيقًا

ولم يُهدِها وردةً

لم يكن يحِب التواريخَ

ولا الموسيقى التي تَهشّ بها كل ليلةٍ

غيماتِه الإلكترونية

كان يَنظر في ساعتِه

كلما أغمضت عينيها

واشتهتْ قُبلةً..

يتمايل دخانُ سيجارتِه على جسدها

ويشكّل مدنًا مسكونةً بالرغبات

ورُسلاً يَنفخون في المزامير:

“يا جسدها حَيّ على الحب”

فتسجد امرأةٌ تَعشق الصلصال

رغم أن رَجلاً تحِبه

يأسِر عينيه الضوء.

***

عاديةٌ أنا..

وأريد أن أكتب نصًا عاديًا

عن رجلٍ أحَب امرأةً

رغم أنها كانت تَحشو وسادتَه بالمطر

وتَحبس الشمسَ بين ضفتَي دولابِها

وتُغرِقُ أمسياتِه بتفاصيلَ ممِلةٍ

عن واديها البِكرِ الذي تقطّرتْ أعنابُه

في كأسِ صيادٍ ماكرٍ

ثم تَركها عاريةً

كقمرٍ وحيدٍ في منتصفِ نيسان…

عن جارتها التي تجيد الرقصَ، مثلاً،

وهي معلّقةٌ في السقف كمصباح نيون

يوشِك على الانفجار…

عن العصفور الذي فَتحتْ له بابَ القفص

فاصطدم بقافيةٍ

هاربةٍ من بئرٍ قديمةٍ

ثم مات!

عن فستانها الشفّاف

الذي ضَبطته يدخّن التبغَ

عند الحائط الخلفي

حتى احترق.

لأجل تلك التفاصيل التي تَجعل الوقتَ

يتسرّب مِن عينيه

كما يَتسرّب الماء مِن عينَي النهر

كان يشاطِرها الحب

لا يَستر عريَهما

إلا قمرٌ وحيدٌ في منتصف نيسان.

***

عاديةٌ أنا..

كغيمةٍ لا تمرُّ في ميعادها..

كمِظلةٍ لا يَغسلها مطر

كحقلٍ تآمرتْ عليه الفصول

كانفراطِ العرَقِ على جبين الطريق

كانفلات الحنين مِن أقدام الراحلين

كصرير الروحِ مِن طول الانتظار

كبكاءِ الأبواب لهفةً لطَرَقاتِ الغائبين

كخيبةِ العائدين مِن مواعيدهم دون عناق..

كمِرآتنا التي تَضحك على خيبتنا

حين نصدِّقُ الكذبةَ

كرسالةٍ فَقدت ذاكرتَها قبل الوصول

كالبدايات التي تتأخر خطوتين

والنهاياتِ التي تَسبقنا بخطوة

كالمفاتيح التي ندرِك بعد فوات الأوان

أنها المفاتيح الخطأ!

أنا عاديةٌ كأنتَ..

كذاكرتِكَ التي تشبِه صحنَ دارنا

كقُبلتِكَ المؤجّلة

كعناقِك الأخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock