فن

“ريش” كوميديا عفوية سوداء تكشف عن واقع أليم

في العام 2014، قدّم المخرج الشاب عمر الزهيري فيلمه القصير “ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام العام بالكيلو 375” مشروع تخرج عن قصة “موت موظف” لأنطون تشيخوف.. من خلال الفيلم نكتشف عالم “الزهيري” الذي تختلط فيه الدموع بالضحكات في كوميديا عدمية تصدم المشاهد بعبثية الواقع اليومي من خلال تفاصيل لا يتوقف عندها كثيرا.

وقد وقع الاختيار على الفيلم للمشاركة في مهرجان “كان” ضمن منافسة “سينيفونداسيو 2014” لأفلام من صنع طلبة المعاهد الفنية المتخصصة في جميع أنحاء العالم.

يعود “الزهيري” إلى “كان” بعد سبع سنوات بفيلمه الروائي الطويل “ريش” ليشارك به في أسبوع النقاد؛ ليحصد الجائزة الكبرى (ثاني أهم جائزة في المهرجان) في مفاجأة من العيار الثقيل. كما حصل الفيلم على جائزة الاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسى) التي تنافس عليها نحو خمسين فيلما في قسمي أسبوع النقاد، ونصف شهر المخرجين.

في “ريش” يستمتع المخرج بأداء عفوي لممثليه غير المحترفين، الذين يصنعون معه صورة شحيحة التفاصيل ذات جمال خاص تشوبها الغرائبية مع حضور محدود للغاية للحوار، ومحافظة شديدة على مسافة معقولة بين المشاهد وأبطال العمل تنتقص بشدة من مساحات التعاطف لكنها لا تلغيها بالكلية.. هذه الوضعية التي صنعها المخرج بإحكام محير؛ تصير محفزة جدا ودافعة على التساؤل المستمر في معظم مشاهد الفيلم.

ما الذي تنطوي عليه حياة أسرة فقيرة تعيش ظروفا بالغة القسوة لها أسباب مختلفة، يمارس فيها رب الأسرة دوره في تسويق الوهم عن توقع الثراء وامتلاك “فيلا” بها حمّام سباحة، ومنضدة “بلياردو”.. لا يتوقف الأب عن الحديث عن نفسه بما يوحي بتضخم الذات، في ظل صمت تام من الزوجة التي تقوم بما عليها تجاه أسرتها دون تضجر؛ لكن في حال من الرتابة هي أقرب إلى الموات.. في منزل مستأجر يحكي تفاصيل الفقر والفاقة.. لكننا نجد الأب الموهوم يشتري “نافورة” لتجميل المنزل ومنحه مسحة من الترف والفخامة؛ بدلا من دفع الإيجار المتأخر.. في مشهد لا تخفى دلاته عن الأولويات التي تختلف بين تقدير الأب “السلطوي” والأسرة التي تعاني الحرمان من الأساسيات.

وفيما يشبه المَن يلقي الأب إلى زوجته بجنيهات قليلة في حالة مزرية؛ كل صباح لتدبير أمور المنزل.. ويبدو لنا صبر السيدة بلا حدود إزاء هذا الصلف والاستعلاء غير المبرر من جانب الزوج الذي لا يكف عن سرد حكايات وهمية عن بطولاته على أسماع أطفاله؛ ليبدو صمت الزوجة الدائم شكلا من أشكال الاحتجاج اليائس على ذلك الوضع المأساوي.

فيلم ريش

في واقعه الموازي يمرح الأب في أوهامه على نحو يبعث على الراحة مع إطلاق الأحكام النهائية بشأن تلك الحياة البائسة التي يراها رائعة في إطار التكيف التام مع ظروف العمل في المصنع، والتزلف لرؤسائه ومع الأصدقاء في صالة البلياردو القذرة، ومع أبنائه وزوجته.. كل شيء يمكن تجميله أو تشويهه وفق الحالة المزاجية  للأب الذي يتيح لنفسه الفرصة لاحتقار الآخرين الذين تحركهم جنيهات زهيدة كما هو الحال مع سائقي توصيل الطلبات للمنازل.. يدعم تلك النظرة صوت أغنية في الخلفية تقول كلماتها “جامدين ومفيش إلا احنا.. حلوين ومفيش الأحلى”.

تتغير الأمور كليا بعد هذا الحدث الغرائبي الذي يقع أثناء الاحتفال بعيد ميلاد الابن؛ إذ يتحول الأب إلى دجاجة في إحدى الفقرات التي يقدمها ساحر متجول في الحفل؛ لتفشل كل المحاولات في إعادته إنسانا من جديد.. لتواجه الأم التي كانت تعيش في شبه عزلة عن العالم مسئولية إعالة الأسرة، وتوفير أدنى مقومات الحياة لها، مع التعامل الحذر مع العضو الجديد/ القديم في الأسرة (الدجاجة/ الزوج) حفاظا على حياتها على أمل العودة إلى الصورة الإنسانية؛ لتكتشف بعد ذلك أن الصورة الداجنة أقل خطرا وإزعاجا.

فيلم ريش

تصطدم الزوجة بالمجتمع الذي تسيطر عليه النزعة الذكورية من خلال نماذج مختلفة تتراوح مواقفها بين الرفض والاستغلال والتعاطف المحدود.. يبدو الحضور الثقيل للرجل في حياة تلك المرأة ضاغطا ومثيرا للحزن.. لا سبيل إلى الهروب منه.. دائرة مغلقة من الازدراء والتحكم والاستغلال.. لكن ذلك لا يعني الاستسلام كما لا يعني الصمود.. ربما تشبه حال الزوجة المُعيلة حال كثير من البشر الذي لا يملكون أسباب الحياة ولا يستطيعون التخفف من وجودهم البائس بالانتحار.. ومع تعاقب المشاهد التي تسرد بعين بالغة الحذر معاناة المرأة نصل إلى مشهد النهاية الذي لا يحمل صدمة للمشاهد بقدر ما يحمل تبريرا منطقيا؛ لأمر صار تأجيله لا يحتمل.

من خلال سُبل مطروقة لمرات عديدة استطاع المخرج/ المؤلف “عمر الزهيري” صنع فيلم شديد التميز سيصبح علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية.. ربما لم يكن “الزهيري” معنيا بصورة مباشرة بإثارة تلك القضايا المجتمعية الهامة عن وضع المرأة أو العمال الذي يعملون في ظروف بالغة القسوة، أو الفئات الأكثر بؤسا التي يتم استغلالها بأبشع الصور كما في حال المواطنين الأفارقة-  لكن “الزهيري” استطاع بموهبته الفطرية توظيف أدواته وفق رؤية سينمائية غير مسبوقة؛ تعبر عن الرغبة في التحرر الكامل من القوالب المعروفة والانطلاق في طريق يحتكم إلى صدق العاطفة دون التخلي عن إلهام العقل.

فيلم ريش

يبرز هذا التميز جليا في تخفف المخرج من كثير من التفاصيل التي تكبل العمل الفني ولا تضيف شيئا يذكر.. مع تجميد الزمن أو إسقاطه في إيقاع بالغ الرتابة، ورسم الشخصيات بشكل مسطح تعبيرا عن التطابق شبه التام بين البشر في لحظات التيه الكبرى التي تعيشها البشرية.. بدا الفيلم إنسانيا جدا يمكن نسبته إلى أي بلد في العالم، لا تظهر مصريته إلا من خلال اللغة واللهجة والحوار الذي كان -كما ذكرنا- محدودا للغاية، في حضرة موسيقى وأغاني الثمانينات كتعبير واضح عن الحنين الجارف للماضي “نوستولجيا” الذي يعاني منه أغلبنا في هذا العصر الذي نعيش فيه كالغرباء.

ويأتي المكان بحدوده الضيقة التي تشي بصعوبة الصراع الذي تخوضه الشخصية الرئيسة في الفيلم موحيا.. مع التركيز على تفاصيل عميقة الدلالة كتهرُّؤ الأوراق النقدية، وأدخنة السجائر المتصاعدة باستمرار في حجرات الموظفين، لتشي بحالة الركود التام التي تكسو وجه الحياة لدى هذا القطاع من الناس..  كما أظهرت بعض الكادرات حالة الضعف والضآلة التي بدت عليها المرأة في مواجهة أجسام الرجال الضخمة، أو بظهورها بمفردها في أماكن واسعة جدا ما يوحي بالضياع، أو إلى جوار التمثال الرخامي الذي يوحي بالترف متجاورا مع بؤسها المعتاد.فيلم ريش

في المشهد الأخير يكتمل ذلك التحرر بكسر هذا القيد الذي قام على الوهم والخرافة، لتبرز قيمة الاختيار برغم كل الصعوبات التي واجهتها الزوجة إلا أنها في النهاية ترى في تلك المعاناة خروجا إلى الحياة بعد موات طويل.

خلطة “الزهيري” السحرية التي تجاور فيها الإنسان والحيوان مع تبادل الأدوار، وتشابه المعاناة التي صارت معتادة كالطعام الواحد المتكرر الذي انحصر وجوده في أداء وظيفته الدنيا، وهي سد الرمق وإبقاء الحياة دون التطرق لمتعة الطعم وحاسة التذوق.. كما تطرح تلك الخلطة العديد من الأسئلة على المستوى الإنساني والاجتماعي، وتفجر ينابيع جديدة للمتعة البصرية السينمائية التي تفتح المجال واسعا أمام سينما غير تقليدية تعيد النظر في الواقع بعين جديدة شديدة الحساسية بالغة التفرد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock