رياضة

السيد نصير.. قصة أول ذهبية مصرية في الأولمبياد

أثار فوز الربّاع المصري “فارس حسونة” بميدالية ذهبية لحساب دولة أخرى في أولمبياد طوكيو المقامة حاليا-موجة غضب واسعة فتحت ملف الأخطاء الكارثية لاتحاد رفع الأثقال المصري، بعد ثبوت تعاطي خمسة ربّاعين مصريين للمنشطات في دورة الألعاب الإفريقية الأخيرة بالمغرب، ما ترتب عليه حرمان الفريق المصري من المشاركة في دورة طوكيو، والبطولات العالمية وربما تستمر العقوبة حتى2024، ما يعني عدم المشاركة في دورة باريس للألعاب الأوليمبية أيضا.. الطريف أن اللجنة الأوليمبية المصرية لم تحرك ساكنا حيال الأمر؛ لكنها اضطرت بعد ذلك لتجميد مجلس إدارة اتحاد رفع الأثقال وتكوين لجنة لدراسة الموقف.

وفيما يتعلق بالبطل المصري “حسّونة” الذي حصد الذهب الأوليمبي لصالح الغير، أوضح أكثر من مصدر أنَّ الخروج من مصر والتجنس بجنسية أخرى جاء كحل أخير لمشاكل عديدة أثارها معه رئيس الاتحاد ومعاونوه بسبب خلاف قديم بين والد اللاعب، وهو أحد أبطال مصر في اللعبة، والسيد رئيس الاتحاد!.

ورياضة رفع الأثقال بالنسبة لمصر ليست رياضة عادية؛ إنها درة الألعاب الأوليمبية المصرية؛  إذ حققت مصر على مدى تاريخها في الأولمبياد قبل انطلاق طوكيو 32  ميدالية متنوعة منها 14 ميدالية في رياضة رفع الأثقال، بخمس ذهبيات من أصل سبعة  ذهبيات فقط حصدها أبطال مصر.

وهروبا من تلك الأجواء المحبطة التي تعيشها الرياضة المصرية نسترجع سويا ذكرى غالية، وهي فوز مصر في  الخامس من أغسطس عام 1928، بأول ميدالية ذهبية أوليمبية في دورة أمستردام ، على يد البطل المصري العظيم “السيد نُصير”.

سيد نصير على غلاف جريدة الأبطال
سيد نصير على غلاف جريدة الأبطال

كيف وصل “نُصير” ابن قرية “شوبر” بالغربية إلى منصة الذهب الأوليمبي؟

إنها الليلة الكبيرة في مولد السيد البدوي، تلك الليلة التي تتألق بأصوات المنشدين، وألحان المترنمين بأنغام السماء؛ يتلمس فتانا الطريق بين تلك الجموع، قاصدا خيمة البطل الذي سمع عن قوته الخارقة الأعاجيب، قاهر الحديد ومحقق المعجزات عبد الحليم المصري، الأسطورة التي تمشي على قدمين.

يحبس الفتى أنفاسه، وهو يرى البطل الجبار يرتقي المنصة التي وضع فوقها الحديد الذي ربما جاوز وزنه مئة وخمسين كيلو جراما.. تساءل الفتى كيف لبطله أن يحرك تلك الكتلة الحديدية الهائلة، ناهيك عن محاولة رفعها؟ لكن قلب الحديد القاسي لان بين يدي البطل، وتوالت الرفعات المبهرة، وتعالى التصفيق، والفتى يحبس أنفاسه مع كل رفعة، يزيد فيها الثقل، وهو يحاول أن يقنع نفسه، أن ما يراه حقيقة لا خيالا.

كان طريق العودة إلى المنزل الكائن في قرية “شوبر” القريبة من مدينة طنطا- رحلة حلَّق الفتى “نُصير” فيها بخياله بعيدا، ليرى نفسه كعبد الحليم المصري، بطلا يتردد اسمه على الألسنة، وتملأ أمجاده وبطولاته الآفاق؛ لكنه يتحول سريعا إلى الواقع؛ ليتبصر عمليا ما يمكن اتخاذه من خطوات في سبيل تحقيق هذا الحلم؛ فيذهب في صباح الغد إلى مدرسته، ويلتقى معلم التربية الرياضية الذي يعرف “نُصير” جيدا لتميزه الرياضي في أكثر من لعبة، ويعرض الفتى عليه فكرة تكوين فريق لرفع الأثقال بالمدرسة؛ فيرحب المعلم الواعي بالفكرة ويبدآن سويا دراسة ما هو متاح من إمكانات، وكيف يمكن توفير بعض الموارد المالية؛ والاستعانة بخبرات بعض المدربين الأكفاء.

تقرير عن سيد نصير
تقرير عن سيد نصير

ويمضي “نصير” في طريقه محققا الفوز تلو الآخر إلى أن يأتي عام 1925؛ فيشارك في بطولة القُطر المصري؛ ويفوز بالبطولة في وزني الثقيل وخفيف الثقيل، بل ويحتفظ بهذا اللقب حتى عام 1928 وهو نفس العام الذي سيسافر فيه “السيد نُصير” لتمثيل مصر في دورة الألعاب الأوليمبية في أمستردام تحت إشراف مدربه القدير محمد بسيوني الذي تبنى موهبته، وضمه للنادي الأهلي صاحب الجماهيرية الواسعة؛ ليتيح له كل الإمكانيات التي ستساعده على بلوغ المجد الذي يرجو.

كانت مسابقة رفع الأثقال في تلك الدورة محط أنظار الجميع، إذ شارك فيها 17 ربَّاعا هم الأفضل في العالم، وكانت المنافسات شرسة، لكن البطل المصري حقق المعجزة واستطاع إحراز الميدالية الذهبية في وزن خفيف الثقيل بمجموع 355.5 كجم (ضغط 100 كجم – خطف 110 كجم – نطر 147.5 كجم) ليكون أول مصري وعربي وإفريقي يحصل على ميدالية ذهبية أوليمبية، ويرتفع العلم المصري في الاستاد الكبير وسط صيحات الإعجاب من الجماهير العريضة التي خصت البطل المصري بتقدير خاص، بسبب أنه فاجأ الجميع بطريقة جديدة في رفع الأثقال لم يعرفها العالم من قبل، وعرفت باسمه بعد ذلك، وأطلق عليها البعض طريقة “الجمل” وتعتمد على دفع القدم اليمنى للأمام ثم القفز وقوفا بسرعة على عكس ما كان متبعا، إذ كان الربَّاعون لا يحركون الأقدام مطلقا أثناء الرفع.

سيد نصير ورفقائه
سيد نصير ورفقائه

البيروقراطية المصرية العتيقة لم تستوعب إنجاز “نصير”

بعد عودته من أمستردام حظي “السيد نُصير” بشهرة واسعة في عموم القطر المصري، وتم تكريمه من الدولة، والطريف أن أمير الشعراء أحمد شوقي قد تأثّر بما حققه البطل؛ فكتب له قصيدة تعتبر فريدة من نوعها في ديوان شوقي يقول مطلعها: شرفا نصير‏,‏ ارفع جبينك عاليا وتلق من أوطانك الإكليلا.

الطريف أن البطل “نصير” كان موظفا بسيطا بأرشيف إحدى المصالح الحكومية، وفور عودته لمقر عمله استدعاه رئيسه المباشر مستفسرا عن سبب غيابه الطويل، فأخبره البطل أنه كان في أمستردام لتمثيل مصر في دورة الألعاب الأوليمبية، وأنه حصد الذهب، ورفع اسم مصر عاليا.. لكن الرجل لم يفهم شيئا مما قاله البطل، فسأله وهل يعتبر ذلك سببا كافيا للانقطاع عن العمل؟ فأجاب الربّاع العالمي بأنه كان في مهمة وطنية، فلا يعد ذلك انقطاعا عن العمل بل هو من صميم العمل.. لم يقتنع الرجل وقرر خصم نصف شهر من راتب “نصير” ما أثار غضب الأخير وجعله يرفع صوته قائلا: بالأمس تصافحني ملكة هولندا، وأنت اليوم تخصم نصف راتبي!. فوجم المدير ثم أردف: هل صافحت ممثلا لدولة أجنبية دون إذن المصلحة؟ هذا خطأ يستوجب خصم نصف شهر آخر.. فرد البطل بغضب: اعلم أيضا أنني التقيت دولة رئيس الوزراء وبعض الوزراء وبعض أمراء الأسرة العلوية.. فزاد ذهول المدير الذي رد قائلا: وكل ذلك مخالف للوائح أيضا.. فلما كاد “نصير” أن يفتك به؛ خرج المدير مندفعا إلى غرفة الموظفين؛ فوجد زملاء البطل يرددون قصيدة شوقي التي نظمها تخليدا لبطولة زميلهم؛ فسألهم المدير: ماذا ترددون؛ فأجابوا بأنهم يرددون قصيدة أمير الشعراء التي كتبها  في زميلهم.. فوقع في حيرة لا أول لها ولا آخر.. ثم هُرع إلى مكتبه ليكتب مذكرة بكل ما حدث؛ ليرفعها إلى رئيس المصلحة طالبا تكليفه بالتحقيق في الأمر واستقصاء الحقائق حتى لو تطلب الأمر سفره إلى هولندا!.

خبر عن سيد نصير في أحد الجرائد
خبر عن سيد نصير في أحد الجرائد

رفع الأثقال الرياضة الشعبية الأولى في مصر بسبب نصير

انتشرت رياضة رفع الأثقال انتشارا كبيرا في ربوع مصر بعد ذلك؛ حبا وتقديرا للبطل العظيم الذي توالت انتصاراته العظيمة غير المسبوقة.. إذ شهدت بطولة العالم في ميونخ عام 1930، إنجازا آخر لنصير بإحرازه المركز الأول، ولم يكتف بذلك بل كرر الإنجاز في لكسمبورج في بطولة العام التالي.

ومن ضمن ما حققه نصير من إنجازات؛ أنَّ الرقم المسجل باسمه في رفعة “النطر” وهو 167 كيلو جراما، لم يستطع أحد تحطيمه إلا بعد 15 عاما، والطريف أيضا أنَّ من حطم الرقم هو البطل المصري محمد جعيصة الذي كان يمت لبطلنا بصلة قرابة وكان ذلك في عام 1945.

ويشهد عقد الأربعينات تكريما آخر للبطل نصير إذ يتم منحه وسام النيل، كما منحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام الرياضة عام 1965م، وكان  نصير يشغل وقتها  منصب وكيل وزارة الشباب، وكان مسئولا بها قبل ذلك عن إدارة الكشافة والمرشدات، كما تولى الإشراف على المجموعات الكشفية التي ساهمت في تطهير مدينة بورسعيد من آثار العدوان الثلاثي عام1956.

وفي العام 1974، يرحل نصير عن عالمنا بعد أن كتب اسمه بحروف من نور في سجل الخالدين، وبعد وفاته بثلاثة أعوام أقيمت بالإسكندرية بطولة دولية في رفع الأثقال حملت اسمه الذهبي الذي سيظل حاضرا بقوة في ذاكرة الوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock