رؤى

إشكالية التحيز والثقافة الغربية وحصان طِرْوَادَة

كثيرا ما نتهم أحدهم بأنه ليس محايدا، أو أنه يغض الطرف عن الحقائق تحيزا لفكرة أو شخص ما.. هذا يحدث كثيرا لكننا لا نتوقف للبحث عن الأسباب الموضوعية وراء هذا الأمر الذي يجعلنا نصدر حكمنا على بعض الآراء بأنها ليست مبرأة عن الهوى.

يبدو الأمر عاديا فكل منا له تحيزاته التي ينطلق من خلالها فيما يصدره من أحكام، هذه التحيزات تشكل عند البعض رؤى مسبقة حاكمة لا يستطيع أن يتحرر منها وإن حاول ذلك.. وهذا أيضا يمكن تفهمه والتعامل معه.. لكن الخطورة تكمن في أن تكون المناهج الدراسية التي يفترض فيها الحيدة العلمية- حاملة في طياتها لتحيزات مضادة لهويتنا الثقافية العربية.. هذا الحديث لا ينطوي على مبالغة فقد لا حظ عدد لا بأس به من العلماء العرب بأن مناهج العلوم العربية الإنسانية المعاصرة ليست محايدة تماما؛ إذ أنها تعبر عن مجموعة من القيم التي تفرض مجالا واحدا للرؤية ومسار البحث العلمي.. مما يؤدي إلى نتائج تم تحديدها مسبقا.

يوضح د. عبد الوهاب. المسيري ذلك بقوله أن التحيز كمصطلح يعني” وجود مجموعة من القيم الكامنة المستترة في النماذج المعرفية والوسائل والمناهج البحثية التي توجه الطالب دون أن يشعر بها، وإن شعر بها وجدها لصيقة بالمنهج لدرجة يصعب معها التخلص منها.. وهي تأخذ شكل نماذج أو استعارات معرفية كامنة”.

عبد الوهاب المسيري
عبد الوهاب المسيري

الهزيمة الصامتة

يتعامل البعض مع مصطلح الغزو الثقافي بشيء من الاستخفاف.. من منطلق أن ثورة المعلومات قد أزالت كل الحواجز مما يصعب معه النأي بالخصوصية الثقافية عن المتغيرات المتلاحقة فيما يشبه الطوفان.. بالطبع لا يبدو الأمر هينا حتى لو كان ظاهريا متعلقا بالنمط المعيشي أو طريقة الحياة الغربية أو الانبهار بالمنجز الحضاري الغربي.. تكمن الخطورة في تلقي المصطلحات الغربية ببراءة دون الوضع في الاعتبار أنها تأسست على خصوصية ثقافية معادية للآخر، ومهيمنة عليه.. ومن مظاهر تلك السذاجة في التلقي أن تعتمد القيم الغربية لدينا كقيم عالمية صالحة ومناسبة ولا مجال للتشكك فيها.

المصطلح الغربي هو حصان “طروادة” الذي يزيح كل قيمة مناوئة، ويفرض قيمه الخاصة؛ فتقع الهزيمة الصامتة التي تتجلى آثارها في الشعور بالدونية والاستسلام وتقبل الفشل واستحالة التغيير، والتعامل مع الموروث الثقافي بوصفه سببا لكل ما نحن فيه من تأخر.

في دراسة له بعنوان إشكالية التحيز في الفكر العربي المعاصر يرى الباحث الجزائري غزلان هاشمي أنَّ مفهوم التحيز يتأسس وفق اعتبارين أساسيين، الاعتبار الأول: تضخيم الذات والتمركز حولها إذ يتم التلاعب باللغة من أجل خلق تنميطات جاهزة تسم الذات بكل سمات التعالي والفوقية.. وتجعلها رمزا للتحضر والكمال والعلم. وهذا التمركز يعرّفه عبد الله إبراهيم بأنَّه ” نمط من التفكير المترفع الذي ينغلق على الذات ويحصر نفسه في منهج معين ينحبس فيه ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته ويوظِّف كل المعطيات من أجل تأكيد صحة تلك المقولات، أما الاعتبار الثاني فيقوم على تغييب الآخر أو انتقاصه وتهميشه في محاولة لإقصائه وذلك بوسمه بكل سمات الانتقاص والدونية، من هنا فاللغة تتحول إلى حقيقة ثانية لا تدل على أصلية الشيء أو الظاهرة وإنَّما على متخيلاتنا أو متصوراتنا حولها واعتبارا من ذلك فالتحيز لا يستقيم إلا بعناصره أو مكوناته الثلاثة وهي: ذات مركزية. آخرية متخيلة. لغة تخيلية تعد وسيلة لبناء هذا التحيز”.

اشكالية التحيز في الفكر العربي المعاصر

ويرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أنَّ” النموذج المعرفي الغربي نموذج معرفي معاد للإنسان يتعامل معه باعتباره شيئا ماديا ليس له أي خصوصية تميِّزه عن باقي الأشياء، هذا بالإضافة إلى ذلك التصور المغلوط عن قدرة الإنسان على التحكم بالواقع، وتناقص رقعة المجهول مقابل اتساع رقعة المعلوم. ومحاولة الوصول إلى مستويات عالية من التعميم لا تبررها المعرفة عند من قاموا بهذا التعميم، وهذا ناتج أساسا عن نظرتهم المادية للإنسان”.

لقد قُيّد النموذج المعرفــي الغربــي بالأبعاد الماديــة ‫والطبيعيـة والآفاق المحدودة للعقـل البشري، دون الاعتراف بمـا هـو ميتافيزيقـي أو مـا يخرج عـن ‫نطاق الحقيقـة الماديـة، وما كان لهذا النموذج المعرفي الغربي أن يتسلل إلى العقل العربي ويستلبه، إلا بفضل المصطلح الغربي الذي له هذه القدرة الهائلة على النفي والإقصاء، على ما يشوبه من عنصرية فاضحة ونظرة ضيقة، لكن سبقه -ربما هو ما أتاح له هذه الحالة من الاستعلاء التي تشبه العربدة.

إنَّ كثيرا من الظواهر السلبية التي أنتجتها الحضارة الغربية، صُنِّفت من قِبَل البعض على أنَّها مجرد انحراف طارئ عن مسار هذه الحضارة، وحقيقة الأمر أنَّ هذه الظواهر السلبية كالفاشية والنازية والإمبريالية، هي نواتج أساسية بل إلزامية للفكر الغربي والثقافة الغربية، ولا يمكن نعتها بأنَّها استثناء.

إنَّ إدراك التحيزات الكامنة في الثقافة الغربية سيحررنا من كثير من الحقائق المطلقة التي حجب عنا إيماننا بها الانتباه لغيرها، وسيجعلنا نملك القدرة على النقد والفعالية وعدم تلقي المعارف بسلبية بل بوعي وتعقّل؛ فالعقل الإنساني – على قصوره- ذو فاعلية يستطيع بها مواجهة الواقع المركب والتفاعل معه؛ فيبقي ويستبعد ويجرِّد وينفي ويصحح ويركِّب ويصوغ نماذجه المعرفية الخاصة التي يدرك العالم من خلالها، كما أنَّ إدراك هذه التحيزات سيخلصنا من الإحساس بمركزية الغرب، وسينزع صفة العالمية عنه، كما أنَّ إدراك خصوصية الحضارة الغربية والظروف التاريخية والثقافية التي أفرزتها، والتعرف على مصادرها والمؤثرات التي ساهمت في تشكيلها؛ سيتيح لنا مزيدا من الوعي بعمق الفجوة بين تلك الثقافة، وخصوصيتنا الثقافية العربية، فالمجتمعات الذكيـة- إذا جاز التعبير- هـي التـي تتحيـز لذاتهـا ‫فتنحاز لتحيزاتهــا هــي وتتخلص مــن تحيزات غيرهــا. فتلتصــق بتراثهــا, تتفاعــل معــه, تهضمــه, ‫تستوعبه, تنفذه, تقيمه, وتطوره مع الإفادة من التراث الإنساني بشكل لا يخرجها عن إنسانيتها وحريتها في رد ما تشاء وقبول ما تشاء في أجواء تتيح لها ممارسة الإبداع وفق ثقافتها هي.

فليس ما بين ثقافتنا العربية والثقافة الغربية فعل (مثاقفة) يقوم على تلاقح الأفكار والرؤى، مما يمكن أن يُنْتِج بالاحتكاك المستمر والمباشر تغييرات في الأنماط الثقافية الأولية لكلا الفريقين على حد سواء- بل هي حالة استلاب كاملة تخضع فيها ثقافتنا العربية إلى هيمنة الثقافة الغربية على نحو شائن، مما يعرض هويتنا الثقافية للتلاشي من الذاكرة، وإنَّنا عندما نستدعي مفهوم الهوية الثقافية، لا نستدعيه إلا حال أن تكون هذه الهوية مهددة وقيد الضياع، إنَّها كامنةٌ ما دامت في مأمن؛ لأنَّها في حقيقتها وعي بالذات وفق اعتباراتها وخصائصها النوعية التي تتحدد وفقًا للحظة زمنية سابقة وأخرى متحققة أو في طور التحقق ترتسم حدودها ضمن إطار المصلحة المشتركة، أو هي السمات والخصائص التي تميز جماعة إنسانية محددة عن باقي الجماعات، حيث تظهر في صورة مفاهيم عقائدية ونفسية وفكرية وتاريخية تُمَوضِع الفكر في إطار ينغلق على اعتباراته ويمنع كل التمايزات الداخلة والتي تهدف إلى التشويش أو التشتيت، أو يمكن اعتبارها تفاعل جملة اعتبارات كاللغة والتاريخ والأيدلوجيا والدين.. من هنا فهي مركب من المعايير الذي يسمح بتعريف موضوع أو شعور داخلي ما وينطوي الشعور بالهوية على مجموعة من المشاعر المختلفة كالشعور بالوحدة والتكامل والانتماء والقيمة والاستقلال والشعور بالثقة المبني على أساس من إرادة الوجود.

إنَّ نقد الحضارة الغربية ليس الهدف منه أن نصمها بالنقائص؛ بل أن نستوعبها ونعيد فرز منتجها الثقافي من الجانب الإنساني، وليس من زاوية غربية ضيقة؛ مجنبين ما يحمل طابع الخصوصية، إذ أن الخصوصية ميزة ذاتية يجب الاحتفاظ بها لا فرضها على العالم الذي تتأسس ثقافاته على التجاور والتعدد؛ مما يسهم بشكل فاعل في بناء كافة الحضارات الأخرى.

***********

هوامش

-لاحظ د. المسيري أثناء عمله على موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية؛ أن المفاهيم والمفردات المستخدمة لوصف العقيدة اليهودية والظاهرة الصهيونية متحيزة، ولا تعبِّر عن التجربة العربية من قريب أو بعيد.

– وجَّه المسيري الدعوة لمجموعةً من الكُتَّاب العرب وغير العرب؛ ليكتب كلٌّ منهم دراسة في حقل تخصصه عن التحيزات التي وجدها أثناء بحثه، وإمكانيات تجاوز هذا التحيز.

– وكانت ثمرة ذلك  أن عُقد مؤتمر موسع في القاهرة عام 1992، تبعه صدور كتاب مكون من مجلدين ضخمين يضم ما قدمه الباحثون المشاركون في المؤتمر من دراسات وأبحاث.. صدر الكتاب في القاهرة عام 1993 في طبعة محدودة ثم في واشنطن -طبعة العالمية- عام 1996. ثم صدرت طبعة ثالثة “شعبية” في القاهرة عام 1998 في سبعة مجلدات، كل مجلد مخصَّص لفرع مستقل من فروع المعرفة. يضم المجلد الأول “فقه التحيز” وهو المقدمة الطويلة التي كتبها الدكتور المسيري لهذا العمل، وبيَّن فيها أسباب التحيز وأشكاله وكيفية تجاوزه، دون إلغائه. كما ضمت بقية المجلدات دراساتٍ أخرى للدكتور المسيري، فالمجلد الثاني المعنون بـ “مشكلة المصطلح” فيه دراسة بعنوان “هاتان تفاحتان حمراوان” عن تركيبية اللغة الإنسانية وعن علاقة الدال بالمدلول. وفي المجلد السادس المعنون “علم النفس والتعليم والاتصال الجماهيري” دراسة عن الحقائق الصلبة والنموذج المُعْوَجّ. وقد تناول المجلد السابع والأخير فكر الدكتور المسيري والنموذج المعرفي الكامن في دراساته في مقالين، الأول للدكتور إبراهيم البيومي غانم بعنوان “إدراك التحيز في الفكر العربي الحديث”. أما الثاني فكتبه الأستاذ حسام الدين السيد بعنوان “التحيز والتفسيرات المادية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock