رؤى

هذا الولع الغربي بالفراعنة ومصر القديمة.. لماذا؟؟

عرض وترجمة: أحمد بركات
في البداية، قام انجذابي إلى علم المصريات على أساس حب غامض لا يمكن تفسيره، أو ربما كان غير عقلاني بالأساس، للثقافة القديمة. لكنني الآن أنظر إلى هؤلاء الملوك المبهرين على أنهم متنمرون ونرجسيون.

إن تأليه الثقافات القديمة بوجه عام يجعل منا لقمة سائغة لأي حاكم سلطوي يمتلك شخصية كاريزمية قد يأتي لاحقا في أي دولة من دول العالم.

وما يلي مقتطف من كتاب The Good Kings: Absolute Power in Ancient Egypt and the Modern World (الملوك الطيبون: القوة المطلقة في مصر القديمة والعالم الحديث)، الذي سيصدر عن “ناشيونال جيوجرافيك بوكس” في 2 نوفمبر القادم:

the Good Kings: Absolute Power in Ancient Egypt and the Modern World
غلاف الكتاب

“مثل كثير من علماء المصريات، كنت في البداية منجذبة لهذا العلم بسبب حب مجهول الأسباب ولا يستند إلى أي أسس عقلانية للثقافات القديمة التي تعود إلى أكثر من ألف عام. وخلت أنني أعرف هؤلاء القدماء على نحو من الأنحاء، وأسلمت نفسي إلى رغبة لا توصف للقفز في آلة الزمن العلمية لأعرف كل ما يمكنني أن أعرفه عن هذه الثقافة في تلك الحقبة الزمنية.

والآن أنا أعمل في هذا المجال منذ أن التحقت بقسم الدراسات العليا في عام 1994، حيث استثمرت ساعات لا تحصى في تعلم وتعليم اللغة الهيروغليفية القديمة، وأودعت الكثير من صور الملوك في ذاكرتي، وطفت بها العالم، وتقصيت بدقة ما أفضت إليه بحوثي العلمية.

كان أكثر الأسئلة التي وُجهت إلي حين كنت أقف على منصة إلقاء المحاضرات، أو أثناء تناولي مشروب في إحدى الحفلات، هو: “لماذا اخترتي أن تكوني عالمة مصريات؟”.

كان الناس يريدون أن يعرفوا ماذا يفعل أناس مثلي في مجال كهذا. لكن علماء المصريات الآخرين لم يطلبوا قط معرفة قصتي الأصلية، فجميعنا يعرف أن رغبتنا في دراسة هذا التخصص القديم تبقى غير قابلة للتفسير، تماما كعشقك لشخص ما. فالقلب دائما يريد ما يريده وفقط.

وربما لا أريد الاعتراف بأنني جذبني إلى هذا العلم الذهب البراق، والتماثيل الضخمة، والأهرامات التي لم يتمكن العالم بعد من فك طلاسمها، والاستعراض الصارخ للقوة. أو ربما عشقت فكرة الملكية الإلهية التي يمكن أن تجسد المعجزات في الحجارة، وتنحت الحكايات الفلسفية عن هذا التدين المعقد.

نهر النيل
الأهرامات

لكن تلك القوة التي لا تضاهى في الحكم القديم، والتي مثلت لي نقطة جذب لا تقاوم في أول الأمر نحو هذه الثقافة، أصبحت هي نفسها مصدر ألم لا أطيقه. جاء هذا التحول وكأنني فهمت فجأة أنني طرف في علاقة تقوم على الاستغلال.

رغم ذلك، لم يكن هذا الفهم المفاجئ صارخا مثلما يحدث للمدمن الذي يجد نفسه فجأة في الحضيض. ولكنه كان أكثر خفاء ودهاء. فشريكك يعاملك بلطف حقيقي، ويشتري لك ما لذ وطاب عندما يكون في حالة مزاجية جيدة. لكن كل شيء يبدو مكدسا لمصلحته وحده دونك، وتبدأ أنت تتساءل عن حقيقة ذاتك في هذه العلاقة. هل يخبرك الحقيقة؟ وهل يجب عليك أن تستسلم باستمرار لما يسمى بحكمه المقدس، أو العادل على أقل تقدير؟

في هذا الوقت يتحول ما اعتقدت أنه حقائق أخلاقية إلى أكاذيب، ويحين الوقت لتعترف بأنك تواجه مشكلة ما، وتبحث لنفسك عن مخرج.

رغم ذلك قد يمثل الهروب من مثل هذه المواقف صعوبة بالغة. فالتحول المعرفي ليس هروبا مذعورا من مستغِل مادي في جنح الليل. لكنه يتطلب عدم تعلم ما كنت تتعلمه، أو تذكر ما نسيته. فكل ضحية لأشكال التحكم النفسي يعرف أن إعادة التدريب المعرفي مطلوبة لتدرك ما لم تدركه من قبل، ولتفهم أن قائدك العقدي لا يعبأ كثيرا بمصالحك الأكثر أهمية، ولتثق أن بإمكانك أن توجد بمفردك.

ربما تبدو القياسات التناظرية مع الشركاء المستغلين أو القادة العقديين مبالغا فيها. لكنني فجأة لم يسعني إلا أن أرى الملوك المصريين، الذين عشقتهم يوما ما، في ضوء سياسات القوة المتجذرة في الأنظمة السلطوية التي توجد في بقاع مختلفة من العالم اليوم.

وسرعان ما تحولت إلى معادية لجميع الأنظمة السلطوية، ولأي شكل من أشكال الحكم المطلق، قديمه وحديثه. والآن أسكن عالما غريبا وسطا حيث انقلب النص وتبين أن هؤلاء الملوك الخلابين والعظماء في الثقافات القديمة ليسوا في حقيقة الأمر سوى مجموعة من المتنمرين والنرجسيين.

قد تقول إنني ساذجة؛ وبالطبع قد تكون على حق. لكن، كم منا لديه وساوس عميقة تتعلق بالعالم القديم، ولو كانت مجرد شغف أو حب للمعابد المصرية، أو وله بالأساطير الإغريقية، والتي تمثل في التحليل الأخير أعراضا حقيقية لا يمكن دفعها للإدمان مستمر للقوة الذكورية.

هذا الكتاب ـ إذن ـ يمثل تحليلا للطريقة التي نجعل بها أنفسنا هدفا مستساغا للسلطوية الكاريزمية القادمة في أي مكان في العالم. لقد حان الوقت لنرى كيف يتم استخدام التقديس المتجذر في الثقافات القديمة ـ سواء كانت الفرعونية، أو الإغريقية، أو غيرهما ـ لدعم الاستيلاء على السلطة في العصر الحديث.

 ـــــــــــــــــــــــــــــ

كاثلين (كارا) كوني: أستاذ الفن والعمارة المصرية، ورئيسة قسم لغات وثقافات الشرق الأدنى في جامعة كاليفورنيا ـ لوس أنجلوس.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock