رؤى

النفق…الرمز والدلالة

“في شهر أذار ،

 في سنة الانتفاضة ،

 قالت لنا الارض

أسرارها الدمويّة” .

من قصيدة الأرض للشاعر العربي الراحل محمود درويش.

حين عز السلاح على شعب فلسطين وتفرقت قياداتهم في منافي الأرض شرقاً وغرباً بعد خروجهم من بيروت عام ١٩٨٢ بدا وكأن أرض فلسطين ذاتها تمد اولادها بالسلاح.

فكان المشهد الملحمي الذي بدأ منذ شهر ديسمبر من عام ١٩٨٧ حين بدت الارض وكانها أنبتت حجارة تناولتها اكف الأطفال الصغيرة وانهالت بها على رؤوس الصهاينة لتنطلق الانتفاضه الاولى وترغم الحجارة وزجاجات المولوتوف الحكومه الصهيونيه على الاعتراف بمن ظلت تسميهم على مدار عشرين عاماً واكثر ب”المخربين” وتضطرهم الى التفاوض معهم لأول مرة.

وبداية من عام ٢٠٠٧ وبعد أن أحكم الصهاينة الحصار جواً وبراً وبحراً على قطاع غزة حيث يقطن أكثر من مليون ونصف المليون انسان اغلبهم من نسل لاجئين وفدوا على القطاع من شمال فلسطين في اعقاب نكبه عام ١٩٤٨ كان المخرج من الحصار ايضاً هو الأرض٫ فتفتقت عقلية أهل غزة عن حفر أنفاق تمدهم بأسباب الحياة ولوازمها التي منعها عنهم المحتل٫ بل وتمدهم بما يحتاجونه لمقارعة المحتل ورد الصاع له٫ حيث اتخذ المقاومون في غزة من النفق ملجأ ومقراً لهم وعكفوا على تطوير ترسانتهم التي بدأت بالحجر وانتهت بالصاروخ الذي دك حصون العدو.

الهم النفق المبدعين ووصفه الشاعر العربي تميم البرغوثي في قصيدة له بقوله:

“نفسي فداء للشموس

 تسير في الأنفاق

 تحت الأرض

 من دار لدار

حيث الصباح غداً

 هنا يُهرب من يد ليد

بديلاً عن صباح

خربته طائرات الظالمين”.

وفي شهر سبتمبر من عام ٢٠٢١ تعود الأرض لتحنو على أولادها البررة فتمنحهم السبيل والطريق إلى الحرية٫ يعود النفق ليصبح طريقاً لستة من الاسرى الفلسطينيين في احد اشد السجون الصهيونية حراسه إلى الخروج من قيد العدو وسجنه.

كانت الأرض في هذه الحالة كنار النبي إبراهيم برداً وسلاماً على المقاومين وكانت انفاقها ستراً لهم كقطع الليل تغشاهم وتعمي أبصار عدوهم عنهم حتى وصلوا إلى مبتغاهم مع ساعات الفجر الاولى٫ فكان فجر حريتهم بعد سنوات من الاسر.

لم يكن غريباً أن يلجأ اولاد الأرض إليها مرة تلو الآخر فهم اصحابها وان جثم الغريب فوقها سبعين عاماً وأعاد تسمية أحجارها ومبانيها٫ لكنه لم ينجح قط في فض الصلة الوثيقة بين الارض وسكانها الاصليين٫ لذا فان الارض تفاجئه في كل مرة بما لا يتوقع٫ وتذكره بأنها للارض اهلاً وشعباً يتوق إلى استردادها.

لم يفهم الغريب يوماً سر الأرض٫ لم يفهم طيلة سنوات من احتلاله لجنوب لبنان كيف استحالت أشجار الجنوب رجالاً يبرزون من بين الأغصان ليذيقوا جنوده الموت والمذلة والهوان.

لم يفهم كيف ابتلع النفق في غزة جنوده كلما حاولوا التقدم لإعادة احتلال بضع امتار من القطاع٫ فتظفر بهم أيدي المقاومين المنتظرين تحت الأرض لتاسرهم كما حدث في عامي ٢٠٠٦ و٢٠١٤.

واليوم يجد نفسه يقف حائرًا يحاول ان يصل الى تفسير لتلك الصورة التي باتت بمثابة ايقونة جديدة لفتحه في أرض بيسان تدفق منها الاسرى الى آفاق الحرية الشديدة الرحابة وكأن الأرض كانت هناك تنتظرهم لتستقبلهم بمجرد خروجهم.

لا يستطيع الغريب أن يقرأ تفاصيل هذه الصورة الجمالية التي تبدو فيها الارض وكأنها تحرر ذاتها بذاتها٫ فهي وان كانت مغتصبه محتله الا انها في الوقت ذاته تبتكر السلاح والأداة ولا تعدم الوسيلة ايضاً لتذكر الغاصب القابع فوقها أنها ترفضه وتلفظه وتأبى وجوده فيها وإن طال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock