رؤى

هل غير 11 سبتمبر الأمريكيين (1 – 2)

مجلة “فورين بوليسي” سألت سبعة من كُتابها عما تغير في الولايات المتحدة بعد 20 عاما من وقوع أحداث 11 سبتمبر..

عرض وترجمة: أحمد بركات

في 12 سبتمبر 2001، استيقظ الأميركيون على عالم بدا متغيرا على نحو غير مسبوق. ففي الصباح السابق، تعرضت بلادهم لهجوم على أرضها كان الأول من نوعه منذ هجوم “بيرل هاربر” الذي شنته قوات البحرية اليابانية، وأجبر واشنطن على دخول الحرب العالمية الثانية.  وفي غضون أيام قلائل، أعلن الرئيس الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، “الحرب على الإرهاب”.

وسارع محللون في التعبير عن توقعاتهم الدراماتيكية بشأن كيف ستتغير الولايات المتحدة بالتبعية بعد هذا الهجوم من دول أمنية مترامية الأطراف، إلى دولة تعاني من التطرف في الداخل… إلى نهاية المفارقة. وتبين أن بعض الخبراء والمحللين كانوا على حق، فيما غرد آخرون ـ بكل أسف ـ خارج السرب.

رغم ذلك، تبقى حقبة 11 سبتمبر حاضرة كالمشاهد التي نراها في مرايا الرؤية الخلفية في السيارات. ففي العشرين سنة الأخيرة، ترعرع جيل على ذاكرة جمعية تشكلت حول هذه الهجمات ليشهد في نهاية النفق انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان.

في هذا السياق، طلبت مجلة “فورين بوليسي” من سبعة من محلليها وخبرائها تقييم ما إذا كان 11 سبتمبر أعاد تشكيل السياسة الأميركية، على المستويين الداخلي والخارجي، وتداعيات ذلك على  المستقبل.

اقرأ أيضًا:

عقدان على أحداث 11 سبتمبر.. أربع محطات وعشر ملامح لمشهد الإرهاب العالمي الراهن

11 سبتمبر.. والفشل الاستخباراتي الأميركي

استطلاع للرأي: هجمات 9/11 وما ترتب عليها غير أمريكا للأسوأ

11 سبتمبر كان تحذيرا مما سيأتي بعده

النصب التذكاري لأحداث 11 سبتمبر
النصب التذكاري لأحداث 11 سبتمبر

علاقة الولايات المتحدة بالعالم العربي والإسلامي لن تعود أبدا كما كانت

(مينا العريبي، كاتبة عمود في “فورين بوليسي”، ورئيسة تحرير صحيفة “ذي ناشيونال”)

غيرت أحداث 11 سبتمبر علاقة الولايات المتحدة بالعالم العربي والإسلامي إلى الأبد، بعد أن كانت المحدد الأساس لهذه العلاقة على مدى عقدين كاملين. فقد حولت الأحداث المروعة التي وقعت في ذلك اليوم العلاقات القائمة على أمن الطاقة والمصالح الثنائية والمحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي لتجعلها تتمحور حول مواجهة الإرهاب الإسلاموي القادم من هذه المنطقة.

ففي النصف الثاني من القرن العشرين، استندت التحالفات الأميركية مع الدول العربية والدول ذات الأغلبية المسلمة إلى ما إذا كانت هذه الدول تقع تحت التأثير الأميركي أو السوفيتي. أما بعد ذلك اليوم فقد ارتكزت سياسة واشنطن تجاه العالم العربي والإسلامي إلى مبدأ “الجميع مذنبون إلى أن تثبت براءتهم”، حتى برغم أن كثيرا من هذه الدول كانت تعاني من الأعمال الإرهابية أكثر بكثير مما كانت تعانيه الولايات المتحدة ذاتها.

ومن كيفية إشعال أوار الحروب إلى كيفية إصدار التأشيرات، أدت الشكوك غيرالمبررة وغير المنصفة من قبل الولايات المتحدة إلى تصعيد التوتر مع العرب والمسلمين في جميع أنحاء العالم.

وفي ولاية الرئيس جورج دبليو بوش، تصاعدت الدعوات إلى إعادة بناء الدول الضعيفة، وارتكزت هذه الدعوات إلى الاعتقاد بأن الأجزاء غير الخاضعة لسيطرة الحكومات المركزية والقطاعات السكانية التي تعاني من الفقر ونقص الخدمات الإنسانية تمثل جميعها المورد الأساس الذي تتغذى عليه التنظيمات الإرهابية.

لكن الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق فشل في بناء دول قوية أكثر فعالية. وجاءت إدارة أوباما لتحول فقط بوصلة الاهتمام الأميركي، مؤكدة على ضرورة الانسحاب من العراق مع تكثيف التركيز على أفغانستان. لكن ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) سرعان ما دفع بالولايات المتحدة لتعود أدراجها. وأضافت الإداراتان ـ الديمقراطية بزعامة بوش الابن، والديمقراطية بزعامة أوباما ـ إلى الخلل الوظيفي لعدد من دول المنطقة.

وبينما تخلى الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، عن شعار “الحرب على الإرهاب”، إلا أنه، إلى جانب الرئيس الحالي، جو بايدن، من بعده، لم يقدما بديلا للتعامل مع الإرهاب بخلاف الغارات الجوية محددة الأهداف بالطائرات المسيرة.

غيرت أحداث 11 سبتمبر أيضا حياة هؤلاء الذين فقدوا ذويهم وأحباءهم في هذه الهجمات، وكذلك أولئك الذين خسروا حيواتهم في الحروب التي نجمت عنها في العراق وأفغانستان.

ومع الخروج المخزي للولايات المتحدة من أفغانستان، وعدم وضوح رؤيتها وأولوياتها المستقبلية، لا يبدو أن واشنطن قد تعلمت أي شيء من أخطاء الماضي على مدى عقدين من الزمان. وبدلا من ذلك، يبدو عجز القوة العسكرية الأميركية عن تنفيذ سياسة خارجية قائمة على استراتيجية وكأنه أحد الثوابت الأميركية.

وأخيرا، لا يزال خطر الجماعات المتطرفة يحدق بالأميركيين، وبينما تغيرت وجوه قيادات هذه الجماعات، إلا أن عقائدها وأيديولوجياتها لا تزال تحتفظ بثوابتها دون تغيير.

قوات من الجيش الأمريكي تُغادر أفغانستان
قوات من الجيش الأمريكي تُغادر أفغانستان

التضليل المعلوماتي أعاد تشكيل الخطاب السياسي

(ستيفن كوك، كاتب عمود في “فورين بوليسي”، وكبير زملاء إيني إنريكو ماتي لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية)

يبدو جليا أن هجمات 11 سبتمبر أدت بقوة إلى إحداث تغير جذري في السياسات الأميركية، على المستويين الداخلي والخارجي، حيث عانى الخطاب السياسي الأميركي من أضرار خطيرة وربما غير مسبوقة قبل هذه الأحداث. ففي الأيام والأسابيع والأشهر التي أعقبت سقوط البرجين وإخماد حرائق البنتاجون، بات الأميركيون مرتعا للعديد من التحليلات حول منطقة الشرق الأوسط. كان بعض هذه التحليلات مفيدا، لكن كثيرا من الخبراء والمعلقين ومن نصبوا أنفسهم محللين في قضايا الإرهاب أضروا كثيرا بالبلاد.

ونجمت عن المعلومات الكاذبة والمضلِلة عن الإسلام والعرب، وكذلك عن السياسات والتاريخ والثقافة في منطقة الشرق الأوسط، أضرار جمة. وبدت كلمات مثل “المدرسة”، بمعناها البسيط كمؤسسة تعليمية، و”الشريعة”، وكأنها شر مطبق. وأمدت نوعية الحوار الوطني المتعصبين المهنيين بفرصة من ذهب للدفع قدما بأجندة تقوم على العنصرية المتسترة، والإسلاموفوبيا المبطنة.

وفي هذه الحقبة بدأ الأميركيون يسمعون عن الشريعة الزاحفة، واختراق جماعة الإخوان المسلمين المفترض للحكومة الأميركية، ضمن مؤامرات أخرى يحيكها دائما شرق أوسطيون ضد الولايات المتحدة.

ونتيجة لذلك، تم استهداف المسلمين والعرب، ومن احتُسب خطًأ على أي من الفريقين، في المطارات وغيرها من الأماكن العامة. ربما كان هذا النوع من الحوادث ليقع بعد الهجمات حتى لو كانت التحليلات أكثر استنارة ووعيا، ولكن من الصعب، في واقع الأمر، تجاهل تأثير خطاب ما بعد 11 سبتمبر على الفكر القومي والعنصري الأبيض كما يتراءى للجميع اليوم.

ويمكننا أن نرسم خطا مستقيما يبدأ من سيل التضليل المعلوماتي الذي وقع بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وينتهي بالخطاب السياسي الذي يفرض نفسه على الساحة اليوم، بما في ذلك خطاب القوميين البيض والرئيس السابق دونالد ترمب.

كما يمكن تجذير إشارات الرئيس السابق إلى الحرب التي تخوضها واشنطن ضد المسلمين، وضرورة حظر المسلمين من دخول الولايات المتحدة، ووضع المسلمين المقيمين هناك تحت الرقابة في الصورة التي قدمتها تحليلات ما بعد 11 سبتمبر عن المسلمين.

(يُتبع)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock