رؤى

قاسم عبده قاسم.. حارس التاريخ المصري

في هدوء يماثل الهدوء الذي عُرف عنه في حياته المليئة بالإنتاج العلمي والتاريخي الغزير وبعيدا عن صخب الإعلام- رحل المؤرخ المصري المخضرم الدكتور قاسم عبده قاسم عن عمر ناهز الثمانين عاما.

وُلد الدكتور قاسم في عام شهد ذروة الحرب العالمية ووصول قوات المحور إلى الأراضي المصرية في معركة العلمين الشهيرة وهو عام ١٩٤٢ ناهيك عن تعمد المحتل الإنجليزي إهانة المصريين في فبراير من ذلك العام عبر محاصرة قصر الملك فاروق الأول وإجباره على تكليف وزارة اختاروها هم.

نشأ قاسم في رحاب قاهرة المُعز في مرحلة تاريخية حافلة بالأحداث.. شهدت خوض مصر معارك عدة داخليا وخارجيا لنيل استقلالها الوطني مثل معركة السويس عام ١٩٥٦ ومعركة الأحلاف الأجنبية وغيرها.

وشاءت مفارقات التاريخ الذي عشقه قاسم أن يحصل الشاب الطموح والمُولع بتاريخ بلاده وأمته على إجازته الجامعية من كلية الآداب في جامعة القاهرة في العام ذاته الذي تعرضت فيه مصر لعدوان صهيوني غادر في ١٩٦٧.

كان الانكباب على تاريخ الأمة وخاصة التاريخ الإسلامي عند قاسم والاعتبار من دروسه وعظاته وسيلة مقاومة تماما كما كالمقاومة التي كان يخوضها جنود مصر على جبهات القتال في ذلك الوقت.

لجأ قاسم الى تاريخ ما أسمته أوروبا العصور الوسطى أو “عصور الظلام” في تجاهل تام لحقيقة أن تلك العصور لم تكن مظلمة في دار الشرق أو في العالمين العربي والإسلامي ونال في هذه المرحلة التاريخية الهامه درجة الماجستير عام ١٩٧٢.

وينطلق قاسم مبحرا في بحور التاريخ الإسلامي ويقدم في أعقاب النصر وتحديدا في عام ١٩٧٧ دراسته القيمة عن “أهل الذمة في مصر الوسطى” موكداً من خلالها على تسامح الإسلام وأهله مع من عرفوا تاريخيا بأهل الذمة أو أهل الكتاب من أتباع الديانات الإبراهيمية السابقة على ظهور الإسلام.

ثم قدّم قاسم عدة كتب ودراسات عن عصر المماليك الذي خلب لبه من بينها “النيل والمجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك” كاشفا عن كيفية إدارة سلاطين المماليك للأزمات التي تعرض لها هذا النهر الذي يمثل مصدر الحياة لمصر.. مثل انخفاض منسوبه ومحاولة ملوك الأحباش المتكررة للسيطرة عليه أو منعه عن مصر والسودان.

وفي كتابه “عصر سلاطين المماليك -التاريخ السياسي والاجتماعي” قدّم قاسم رؤية “بانورامية” شاملة لهذا العصر الحافل بالأحداث والذي دام نحو ٢٧٥ عاما بشكل لا يقتصر على الجانب السياسي أو سير السلاطين فقط وإنما يمتد إلى أحوال العامة وعاداتهم وتأثير المتغيرات السياسية عليهم في ذلك العصر.

وظلت الحروب الصليبية موضوعا أثيرا عند قاسم فكتب عنها كتاب “ماهية الحروب الصليبية” عام ١٩٩٠ نافيا فيه الصورة التي حاول بعض المؤرخين العرب والأجانب على حد سواء تقديمها لتلك الحروب التي دامت قرنين من الزمان كحرب دينية بين الإسلام والمسيحية، وأكد قاسم مستعينا بكم هائل من الوثائق التاريخية طبيعة تلك الحروب كحروب استعمارية حاولت فيها أوربا السيطرة على الشرق ولم تفرق جيوشها بين مسلم ومسيحي عربي حين اجتاحت القدس.

وسعى قاسم لربط الماضي بالحاضر من خلال دراسة له بعنوان “رؤية إسرائيلية للحروب الصليبية” كاشفا عن أوجه التشابه بين الصليبيين والصهاينة من حيث كون الاثنين أداة استعمارية موجهة ضد العالم العربي.

ولم يتوقف عطاء وابداع قاسم الفكري عند التأليف فقط بل استخدم موهبته كمترجم أيضا ليضيف للمكتبة العربية ترجمات لكتب أجنبية قيمة تعترف بفضل الحضارة العربية الإسلامية على أوروبا مثل “حضارة أوروبا في  العصور الوسطى” و”تأثير العرب على أوروبا العصور الوسطى” وغيرها.

كما شغلت المؤرخ الراحل قضية “الآخر” الحضاري والتاريخي ونظرة كل من الشرق والغرب إلى بعضهما البعض والتي شابها منذ الحروب الصليبية -وربما قبلها- الكثير من التشويه.. فقدم كتابه “المسلمون وأوروبا: التطور التاريخي لصورة الآخر” الذي أوضح فيه أن تلك الصورة المشوهة ليست وليدة اليوم بل نتاج تراكمات تاريخية عدة ترسبت عند كلا الطرفين على مدار قرون عديدة.

رحل قاسم عن عالمنا وقد ترك وراءه تركة من الأعمال الفكرية التي سعى من خلالها إلى حفظ تاريخ الأمة وذاكرتها في عصر باتت فيه هذه الذاكرة مهددة بالمحو أو على الأقل بالتشويه والتغيير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock