رؤى

آل عثمان في مصر.. فتح مبين أم احتلال غاشم؟

يتبنى عدد من الأكاديميين المصريين المعنيين بدراسة التاريخ، وجهة نظر إيجابية نحو الوجود العثماني في مصر الذي استمر لما يقارب ثلاثمئة وخمسين سنة.. من هؤلاء الدكتورة “نللي حنا” التي تدعم وجهة نظرها تلك بذكر معلومة تتعلق بتزايدٍ مطردٍ لاحظته في أعداد الكتب التي نسخت، وكذلك النصوص الشفاهية التي دونت في هذا العصر، رابطة بين الاهتمام بالكتاب، وإثراء الثقافة و”خيرية” الحكم العثماني!

وفيما يتعلق بالشأن الثقافي أيضا يذهب الدكتور “محمد حرب” إلى أن المكاتبات الرسمية فقط هي التي كانت تكتب باللغة التركية، بينما بقيت اللغة العربية في مكانتها، ولم يصبها الضعف والتراجع كما يدعي البعض.

ولا يبتعد الدكتور “رءوف عباس” عن هذا المذهب في مؤلفاته الخاصة بتلك الحقبة مستندا إلى مؤرخين معتبرين كالجبرتي وغيره.

ولا شك أن الخلاف حول هذا الأمر سيستمر طويلا، ما دامت الأمور تخضع للأهواء، لكننا سنحاول إثارة النقاش حول بعض الأسئلة الهامة في هذا الصدد، منها مثلا: إذا كانت الدولة العثمانية في هذا الوقت هي دولة الخلافة الإسلامية، فهل كان غزو مصر والشام عملا شرعيا ومشروعا أم كان خروجا واضحا ومروقا عن شريعة الإسلام وعن قانون الدولة العثمانية ذاتها؟

كان السلطان “بايزيد” الثاني والد “سليم الأول” قد وضع قوانين الحرب الخاصة بالدولة، وعرضها على شيخ الإسلام؛ فأقرها الأخير لخلوها من أية مخالفة للشريعة.. ووفق هذه القوانين قسمت البلاد الأخرى إلى ديار “كفر” يحق للدولة العلية إعلان الحرب عليها، وغزوها متى اقتضت الضرورة ذلك، وديار “إسلام” وهي البلاد التي يحكمها المسلمون، وغالبية أهلها من المسلمين، فلا يجوز بحال حربها أو الاعتداء عليها أو ترويع أهلها بأي صورة كانت..  لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، فعندما تولى  “سليم الأول” وجَّه جيوشه نحو ديار الإسلام لا ديار الكفر مخالفا بذلك قوانين الدولة، فبدأ عهده بالحرب على إيران، واستطاع حسم  موقعة “تشالديران” فركبه الغرور واعتزم التوجه بجيشه إلى عاصمة الدولة الصفوية، لكن الظروف المناخية، ونقص المؤن حالا دون ذلك، فارتد مسرعا نحو إسطنبول.

 السلطان بايزيد الثاني
السلطان بايزيد الثاني

وكانت حربه التالية على ديار الإسلام في مصر والشام والتي استطاع خلالها إسقاط دولة المماليك التي كانت تخوض حربا ضد الأطماع الأوربية في المنطقة، وكانت تحظى بدعم وتأييد أبيه، ولم يلتفت مجددا إلى مخالفة ذلك لقانون الحرب العثماني، فتقدم بجنوده لملاقاة جيش المماليك واستطاع أن يقهره بالاستعانة بالولاة الخونة كـ “جان بردي الغزالي” و”خاير بك” وغيرهم، كما استعان بالحرب النفسية وإرهاب المدنيين بنشر أخبار المذابح التي كان جنوده يرتكبونها في البلاد المنكوبة.

عُرف “يوزو سليم” الذي سيلقب بغد ذلك بـ “سليم الأول” بسوء مسلكه، منذ كان واليا على “طرابزون” فلم يتوقف عن كسر هيبة السلطان والدولة، حتى أن شن الغارات، وضم الأراضي، وعدم تسليم المغانم لبيت المال.. كانت من الأمور التي دأب الأمير اليافع على ارتكابها دون اكتراث.. كما نازع والده “بايزيد” الثاني السلطان.. ويذكر أنه أثناء التنازع على العرش؛  تم التوصل إلى اتفاق بين الابن وأبيه، بعدم تسمية الأمير “أحمد” وليا للعهد، على أن يدخل” يووز سليم” في طاعة السلطان مجددا، وعلى إثر الاتفاق أمره السلطان بسرعة التوجه بجيشه لإخضاع الصرب والمجر؛ لكن “يووز سليم” ماطل في تنفيذ الأمر، ثم ما لبث أن عصاه، قبل أن يدخل مجددا في صراع على العرش، لم يحسمه إلا بقتله أخويه الأمير “أحمد” والأمير “كوركود”.

بعد دخول السلطان سليم الأول القاهرة، أرغم الخليفة العباسي المتواجد بها على مبايعته بالخلافة؛ ليتخذ السلطان لقب أمير المؤمنين وخادم الحرمين الشريفين كأول سلطان عثماني يلقب بهذين اللقبين.. وعند عودته إلى إسطنبول كان الحديث عن السلطان الذي لا يغزو سوى ديار الإسلام؛ ينتشر انتشار النار في الهشيم؛ وذرا للرماد في العيون أعلن السلطان تجهيز الجيوش لغزو أوروبا؛ لكن هذا التجهيز استمر لثلاث سنوات ما بين عامي 1517، و1520، وهو العام الذي وافت السلطان “سليم” الأول فيه المنية بعد حياة حافلة بقتل المسلمين واحتلال ديارهم.

 السلطان سليم الأول
السلطان سليم الأول

في السادس والعشرين من يناير (كانون الثاني) عام 1517م، بدأت مصر رسميا رحلتها في كنف الدولة العثمانية بإعدام السلطان “طومان باي” ووفق رواية المؤرخين ممن عاصروا تلك الفترة، فقد كان ذلك اليوم “نكبة وحسرة” وبحسب رواية المؤرخ “محمد بن إياس” في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور” فقد “وقعت في القاهرة المصيبة العظمى التي لم يُسمع بمثلها فيما تقدم، ولم يقاس أهل مصر شدة مثل هذه”. واصفا ما شهدته البلاد في الأيام التي تلت “الاحتلال العثماني” بالقول “انتهك ابن عثمان حرمة مصر، وما خرج منها حتى غنم أموالها وقتل أبطالها ويتّم أطفالها وأسر رجالها وبدّد أحوالها”، ثم يضيف في الجزء الخامس من كتابه “كان سليم رجلا سيئ الخلق، سفاكا للدماء شديد الغضب، ورُوي عنه أنه قال (إذا دخلت مصر أحرق بيوتها قاطبة)”.

وأوضح “ابن إياس” في كتابه، الكثير من الوقائع التي أظهرت المآسي التي مر بها المصريون في أثناء دخول الحكم العثماني، من قتلِ الشيوخ والأطفال، وسبي النساء، واسترقاق المسلمين منهم قبل غيرهم، ومجاهرة الجنود العثمانيين بشرب الخمر في نهار رمضان، ناهيك بسعي السلطان العثماني “سليم” الأول، ومن بعده ابنه “سليمان” القانوني، إلى تدمير البنية الاقتصادية المصرية، حين بدأ عمليات نقل أصحاب الصناعة والحرفيين إلى إسطنبول.

وهو ما سبب الخراب وتوقف الصناعات التي اشتهرت بها مصر، حتى انقرضت الحِرف.

وقد “عمد العثمانيون مع بداية ولايتهم إلى نزع ما في بيوت مصر وأثمن ما فيها من منقول وثابت، حتى الأخشاب والبلاط والرخام والأسقف المنقوشة ومجموعة المصاحف والمخطوطات والمشاكي والكراسي النحاسية والمنابر”.

وكما يقول “ابن إياس”: “مع استمرار مقاومة المماليك والمصريين للعثمانيين، وزيادة بطش الأخيرين، هرب المصريون للاختباء والحماية داخل المساجد، ولم يتردد العثمانيون في اقتحامها، بل قتلوهم بداخلها”، وتابع “إذا هرب مصري منهم إلى المئذنة صعدوا إليها وألقوه منها إلى الأرض، إذ كانت المساجد مستباحة”.

السلطان طومان باي
السلطان طومان باي

من جهته، يرجع الدكتور “عصام الدسوقي”  تلك الوحشية إلى “إحساس العثمانيين بالدونية الحضارية أمام الشعب المصري، فهم ليسوا أهل حضارة ولا يملكون موروثا ثقافيا”

و “استولى العثمانيون على فرش المساجد والأضرحة، ومنها فرش مسجد السيدة نفيسة ومقامها، ومسجد السيدة زينب، والجامع الأزهر، ومسجد ابن طولون، ولم يترددوا في دخول واقتحام المساجد، وسرقة أي شيء منها”.

يذكر “عمر الإسكندري” أن “سليم” عيَّن أكبر وزرائه “يونس باشا” واليا على مصر طوال فترة إقامته فيها، والتي امتدت لعدة أشهر، ثم اصطحبه عند عودته، وخلَّف “خاير” بك مكانه.

ظلَّ “خاير” بك في الولاية خمس سنوات، أبغضه فيها الشعب كل البغض وعزفوا عن معاونته، فقرَّب إليه اليهود والقبط وأخذ يناصرهم؛ فكانوا أداته في القهر والبطش وجمع الضرائب، ويذكر المؤرخون أنه عندما مرض وأحس بدنو الأجل أفرغ سجون القاهرة ممن كان قد اعتقلهم، وأنفق المال على أصحاب الحاجات والمدارس الدينية؛ لكن الأجل المحتوم كان أسرع إليه فمات ودفن بمسجده قرب باب الوزير.

ويُذكر أن اللصوص والسرَّاق قد كثر عددهم واستفحل خطرهم حتى صارت القاهرة مرتعا لجرائمهم، وكان ذلك في فترة ولاية “حسين باشا” الذي عرف بالفساد والرشوة، وكان مسلكه هذا من أهم عوامل انتشار التشكيلات العصابية في البلاد، إذ كان يتلقى المال في مقابل الإفراج عن اللصوص، فلما كان العام1574، عزله السلطان وأرسل إلى القاهرة واليا يدعى “مسيح محمد” باشا الخادم، وكان دمويا لا يقبل شفاعة أحد فيمن اتهم، فدامت ولايته خمس سنوات وخمسة أشهر أعاد فيها الأمن للبلاد؛ لكنه قتل من اللصوص والأشقياء وغيرهم ما يربو على العشرة آلاف، ومما يذكر له أنه كان مريدا للشيخ “نور الدين القرافي” الذي بنى له مسجدا، وجعله وقفا عليه ولأبنائه من بعده كما خصص له راتبا سنويا، وما يزال مسجده قائما إلى يومنا هذا بشارع صالح بحي السيدة عائشة بشرق القاهرة، ويطلق عليه العامة مسجد “المسيحية”!

بدائع الزهور في وقائع الدهور

أعقب “مسيح باشا” في الولاية رجل من أفسد الولاة وأكثرهم قبولا للرشوة والهدايا هو “حسن باشا الخادم” خازندار السلطان مراد الثالث، فكانت ولايته ثلاث سنوات إلا شهرين دأب فيها على اختلاس الأموال والغلال وكل ما طالته يداه، فلما عُزل هرب من القاهرة ليلا خوفا من انتقام الناس؛ لكن خلفه “إبراهيم باشا” شكّل لجان جرد وتحقيق في المظالم والشكايات المقدمة ضده، واستطاع أن يثبت عليه جريمة اختلاس 1004أردب قمح بيعت في الأسواق لحسابه، واستولى على ثمنها، فأرسل تقريرا مفصلا مدعوما بالأدلة يحوي المخالفات إلى السلطان الذي أمر بإلقاء القبض على “حسن باشا” وإعدامه شنقا.

في العام 1622، ولي مصر رجل يدعى “قُرَّة مصطفى” باشا فسار أول ولايته سيرة حسنة وأظهر البأس للخارجين عن النظام كما تولّى أمر القضاء في الجنايات بنفسه، لكن السلطان مراد الرابع عزله بعد عام، وأرسل آخر يدعى “علي باشا الجِشْنَجِي” الذي أخَّر أعطيات الجند؛ فوثبوا عليه وعزلوه، وأعادوه إلى إسطنبول، وطالبوا بتولية “قُرَّة مصطفى” باشا مجددا؛ فأجابهم السلطان إلى طلبهم وأعاده؛ لكنه لم يعد سيرته الأولى، فلقد استغل ظهور الوباء في البلاد ليستولي على كل ما يتركه المتوفون من أموال ومتاع يغتصبه اغتصابا؛ حتى كثرت بحقه الشكايات؛ فعزله السلطان واستدعي إلى القسطنطينية وضربت عنقه.

وفي عام 1564، تولي أيالة مصر “علي باشا الصوفي” الذي كان حاكما على بغداد، وعُرف بمجانبة الحق وزيغ الحكم والخيانة، وفي عهده توغلت العصابات  الإجرامية في المدينة، حتى منطقة الجامع الأبيض، فاضطرت الحكومة لبناء سور من قنطرة الحاجب حتى الجامع منعا لتقدمهم.

وتبع هذا الخائن والٍ يدعى “محمود باشا” وهو آخر ولاة مصر في عهد السلطان “سليمان” الملقب بالقانوني، ويروى أنه حضر من الأستانه بموكب عظيم إلى ميناء الإسكندرية، وقد جمع هدايا عظيمة وهو في طريقه إلى القاهرة، فلما وصلها وجد الأمير “محمد الدفتردار” متولي الصعيد في انتظاره، وقد حمل معه في قارب نفائس من صنوف شتى قدَّمها إلى الوالي الجديد مع خمسين ألف دينار، فما كان من الوالي “محمود باشا” إلا أن أمر بقتله خنقا عند خروجه من مجلسه، كما أمر بقتل القاضي “يوسف العبادي” خنقا لأنه لم يخرج للقائه وتقديم الهدايا له، وفي العام التالي لولايته توفي أمير الحج الأمير “إبراهيم الدفتردار” فاستولى الوالي على تركته من مماليك وجوارٍ ومبلغ من المال تجاوز المئة ألف دينار، وروي أنه كان يخرج إلى شوارع القاهرة رفقة رئيس الجلادين فإذا أشار إلى شخص سارع الجلاد بإزهاق روحه فورا؛ حتى قيل أنه قتل غالبية أعيان القاهرة.. وكان هذا الوالي يرسل بالهدايا الثمينة إلى رجال الدولة في الأستانه استرضاء لهم؛ حتى يبقى في مصر لأطول فترة إلا أن القدر لم يمهله إذ استطاع أحد الناقمين عليه؛ اغتياله أثناء مرور موكبه الاعتيادي بمنطقة البساتين، ولم يحقق في الأمر بشكل جدي فلم تعرف هوية قاتله.. وتبعه “سنان باشا” قادما من باشوية حلب، وهو صاحب المسجد الشهير ببولاق.

السلطان سليمان القانوني
السلطان سليمان القانوني

ثم كانت ولاية “موسى باشا” في نحو عام1634، فسار في الناس أول أيامه بالسويَّة، ثم انقلب لصا جشعا لا يشبع من النهب والسلب والاختلاس، وقاتلا سفاكا للدماء فقتل عددا كبيرا من أكبر رجال مصر، وترصَّد الأغنياء تحينا لفرصة سلبهم؛ وبلغ به التهور أنه اختلس أموال حملة أمره السلطان بتجهيزها من جند مصر لمحاربة الفرس؛ فلما جمعت الأموال عن طريق فرض ضرائب فاحشة تحت مسمى إعانة حربية، وكان “قيطاس بك” قائد الحملة هو من تولَّى أمر جمع المال- دفعت الأموال إلى “موسى باشا” فاختلسها وأرسل إلى السلطان رسالة يبلغه فيها أن مصر لن تستطيع تجريد تلك الحملة لضعف ماليتها، ونصحه “قيطاس” بالعدول عن الأمر وتجريد الحملة؛ لكنه لم ينتصح بل تآمر عليه وقتله.

فاجتمع السناجق والأمراء والقضاة وكبار الموظفين وكبار علماء الأزهر الشريف- في مسجد السلطان حسن، وأقروا عزل “موسى باشا” وأرسلوا برسالتين إلى السلطان الأولى بالتركية وقع عليها السناجق والأغوات وكبار الضباط، والأخرى بالعربية وقع عليها القضاة وكبار العلماء؛ فأجابهم السلطان إلى ما طلبوا وأرسل لهم واليا جديدا يدعى “خليل باشا” استقال بعد عامين فقط، وكانت الأمور قد تحسنت خلالهما إلى حدٍ ما.

لا ندري بعد ذكر كل هذه الوقائع والأحداث، كيف يتسنى للبعض وصف هذه الجريمة المكتملة الأركان – بالفتح، في حين أن الأمر كان قد بدأ بالمخالفة للقانون وبالخيانة للشرع، كما انتهى على شر ما تكون النهايات.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock