رؤى

لمواجهة العداء الأميركي.. الصين تتجه إلى السياسات المتمركزة على الشعب

في ديسمبر 2001، أصبحت الصين عضوا في منظمة التجارة العالمية، ما فتح أسواقا جديدة أمام الصناعات الصينية وجذب الكثير من الاستثمارات الأجنبية.

وكان النمو في الناتج المحلي الإجمالي الذي حققته الصين منذ ذلك الحين مذهلا، كما سمح هذا التطور للصين بإنجاز استثمارات هائلة في البنية التحتية، وأوجد أيضا الموارد اللازمة للقضاء على الفقر.

لم يكن من قبيل المصادفة أن تحقق بكين هذا التطور في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تبدد فيه أموالها في حروب في منطقة الشرق الأوسط، وبينما تنسحب واشنطن الآن تدريجيا من هذه الحروب للتفرغ لمواجهة الصين؛ تحتاج بكين إلى أن تهيئ نفسها للبيئة الجديدة.

لقد أدى إدخال المزيد من السمات الرأسمالية إلى الاقتصاد الصيني على مدى العشرين عاما الماضية إلى حدوث الكثير من الاختلالات؛ فحاولت المشروعات التجارية تجاهل أو التأثير على البنى واللوائح الحكومية، وعمدت الشركات إلى استغلال عمالها، وخلقت مضاربات الأغنياء فقاعات في أسواق العقارات، وهددت المبالغات الثقافية التي شددت على النزعة الفردية والوحدة الوطنية.

وجعلت هذه الاختلالات وصف الاقتصاد الصيني باعتباره “اشتراكية بخصائص صينية” يبدو فارغا من مضمونه. أما على المدى الطويل؛ فقد أدت هذه الاختلالات إلى حالة من عدم الرضا في أوساط طيف واسع من الجماهير عن المؤسسة السياسية الحاكمة. وقد حان وقت التخلص من هذه التجاوزات التي أدى إليها هذا التطور فائق السرعة.

ومن ثم.. كان لزاما على الحكومة الصينية التحرك على نطاق واسع لتجنب الصراعات الداخلية المستقبلية، وبالفعل قامت الحكومة الصينية باتخاذ الإجراءات اللازمة منذ نهاية العام الماضي بنفس القدر من الفعالية التي سمحت لها بوقف تفشي جائحة كورونا، والقضاء عليها. لقد فعلت الحكومة ذلك بلا هوادة، ودون اعتبار لقيم الأسهم ومصالح المستثمرين.

واستمرت الحملة التنظيمية بسرعة مذهلة. وفيما يلي مجموعة من العناوين التي تفصل هذه التطورات، وسيل اللوائح والقوانين التي تم وضعها لوضع الأمور في نصابها الصحيح مجددا مع المحافظة على استمرار النمو الاقتصادي.

لقد أصبح الشعار الجديد لهذه الحقبة هو “الرخاء العام” وهو سياسة ستعمد إلى تقليص الفجوات الكبيرة في الثروة مع المحافظة على الحوافز النقدية المعقولة واستمرار اقتصاد السوق من أجل السماح بتحقيق مزيد من التنمية.

ونشر أعضاء في الحزب الشيوعي كتيب، كتبته شخصية ماوية غير بارزة، يبرر هذه الإجراءات ويضعها في سياق سياسي أكبر.. وجاء في الكتيب:

وصف تحليل نشر على نطاق واسع في وسائل الإعلام التي تديرها الدولة في الصين الحملة التنظيمية التي دشنها الرئيس “شي جين بينغ” بأنها “ثورة جذرية” تجتاح البلاد، وحذر من أن أي شخص يقاوم هذه الثورة سيعرض نفسه للعقاب.

ووفقا للتحليل.. يمثل هذا عودة من جماعة رأس المال إلى الجماهير، فيما يعد تحولا من السياسات القائمة على رأس المال إلى السياسات القائمة على الشعب؛ وأضاف “أن هذا يمثل عودة إلى الهدف الأساس للحزب الشيوعي”. وبناء على ذلك فإن هذا “يمثل تغيرا سياسيا، وأن الناس سيصبحون البنية الأساسية لهذا التغيير مجددا، وسيتم استبعاد كل من يعرقل هذا التغيير القائم على الناس”.

ثم انتقل المؤلف ليضع “التحول الجذري” في سياق جيوسياسي أكبر:

“تواجه الصين حاليا بيئة دولية قاسية ومعقدة، حيث نفذت الولايات المتحدة العديد من التهديدات العسكرية، والحصار الاقتصادي والتكنولوجي، والضربات المالية، والحصار السياسي والدبلوماسي ضد الصين”، كما كتب “لي”:

“وشنت الولايات المتحدة أيضا حروبا بيولوجية وسيبرانية، فضلا عن تأليب الرأي العام ضد الصين”.

“وإذا كان لا يزال يتعين علينا الاعتماد على الرأسماليين الكبار كقوة رئيسة لمناهضة الإمبريالية ومكافحة الهيمنة، أو التعاون مع استراتيجية “الترفيه” الأميركية، فإن شبابنا سيفقدون مشاعرهم القوية والذكورية، وسوف ننهار.. على غرار ما حدث للاتحاد السوفيتي، قبل الهجوم علينا”.

وأكد الكاتب أن “التحول الجذري” الذي تشهده الصين الآن يهدف إلى الرد على الهجمات الأميركية الوحشية والشرسة، والموقف الدولي الحالي المعقد.

وأشار إلى أن القيود المفروضة الآن على قطاع الترفيه لا تفي بالحاجة، إذ يجب أن يصبح العمال والأشخاص العاديون هم الشخصيات الرئيسية على الشاشة، وسيستفيد الناس من هدف “الرفاهية العامة” بعد إصلاح القطاعات التعليمية والطبية وغيرها.

وفي حين يبدو هذا مثل “الثورة الثقافية 2.0” فمن المؤكد أنه لن يكون هناك أي احتجاجات من جانب الطلاب الماويين في المكتبات أو معسكرات إعادة التأهيل الخاصة بأعضاء الحزب.

وعلى صفحات صحيفة Financial Times، زعم الرأسمالي المتوحش “جورج سوروس” أن هذه الإجراءات ستقضي على الاقتصاد الصيني. لكن الأشخاص الذين يجادلون ضد اللوائح القوية مثل سوروس، يتناسون أنه لن يكون هناك أسواق من دونهم. كما أن الشركات التي تنظر فقط إلى قيم المساهمين ليست سليمة، ولا تسمح بقيام مجتمع صحي. فقط دعونا ننظر إلى شركة “بوينج” وخيم المشردين في المدن الأميركية.

وبغض النظر عن الركيزة الأيديولوجية، تتسم الإجراءات التنظيمية الجديدة بالشعبوية. ومن ثم، فإنها ستلاقي رواجا وإعجابا كبيرين من قبل الشعب، وستضمن إعادة انتخاب الرئيس شي جين بينغ في المؤتمر الوطني للحزب في العام المقبل. كما أنها ستعزز وحدة الصين في تنافسها مع الولايات المتحدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock