رؤى

معركة الإسكندرية المنسية

تقول الأسطورة أن المصريين قد تعرضوا لحظر فيما يتعلق بحملهم للسلاح منذ اللحظة التي دخل فيها الإسلام إلى أرض مصر.

حيث أن حكام مصر المتعاقبين منذ تلك اللحظة قد منعوا المصريين من امتشاق السيوف وحصروا هذا الحق في جنودهم فقط.

هذه الأسطورة أصبحت شبه مسلم بها لدى عدد غير قليل من المؤرخين والكتاب في مصر حتى ذهب بعضهم الى حد القول أن المصري لم يعرف حمل السلاح إلا في العصر الحديث عقب تأسيس إبراهيم باشا نجل محمد علي والي مصر الجيش المصري في القرن التاسع عشر الميلادي.

إلا أن هناك وقائع وأحداث تاريخية تفند هذه الأسطورة وتروي رواية مغايره تمام لها، لم يحمل فيها المصريون السلاح فحسب بل استخدموه للذود عن وطنهم والدفاع عن أراضيهم وأعراضهم في وجه الغزاة.

من بين هذه الأحداث التاريخية، ما ذكره المؤرخ ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ” عن تصدي أهالي الاسكندرية لغزو ملك جزيرة صقلية لمدينتهم في أوج الحروب الصليبية وتحديدا عام ٥٧٠ للهجرة (١١٧٤ و١١٧٥ ميلادية).

الكامل في التاريخ

كان صلاح الدين الأيوبي في تلك الفترة، والذي عاصر ابن الأثير سنوات حكمه وجهاده، قد أحكم سيطرته على مصر وقضى على الخلافة الفاطمية بها وأعادها إلى حكم الدولة العباسية وضمها إلى الدولة النورية نسبة إلى أستاذه نور الدين محمود صاحب دمشق.

إلا أن بقايا الدولة الفاطمية من أنصارها وأعوانها ظلوا هما يورق صلاح الدين وقد تفتق ذهن هؤلاء عن الاستعانة بالصليبيين ضد حاكم مصر الجديد، فأرسلوا إلى كل من “ملك الفرنجة بساحل الشام وإلى صاحب صقلية ليقصدوا ديار مصر ليثوروا بصلاح الدين ويخرجوه من مصر” كما يذكر ابن الأثير.

وبالفعل لبى ملك صقلية دعوة هؤلاء، وجهز لغزو مصر أسطولا ضخما ضم عشرات السفن المختلفة الأنواع والأحجام وضم من الرجال خمسين ألفا ومن الفرسان ألف وخمسمائة وجعل ملك صقلية مقدم الحملة وقائدها ابن عمه.

وصلت الحملة إلى سواحل الاسكندرية في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة خمسمائة وتسع وستين للهجرة على حين غفلة من أهلها فما أن انتبهوا الى وصول الغزاة حتى هبوا للدفاع عن بلادهم.

إلا أن والي المدينة فضل أن يكتفي باستراتيجية دفاعية من خلف سور المدينة المحصن ومنع الأهالي من الخروج من أبواب المدينة لملاقاة الغزاة.

صلاح الدين الأيوبي
صلاح الدين الأيوبي

بدأ جيش صقلية الهجوم على الإسكندرية “مما يلي البحر والمنارة وتقدموا إلى المدينة ونصبوا عليها الدبابات والمنجنيقات وقاتلوا أشد قتال” إلا ان أهل الإسكندرية صمدوا ودافعوا عن مدينتهم دفاع الأبطال وأثار هذا الصمود الهلع لدى الغزاة.

لم يعتمد أهل الإسكندرية على جيش صلاح الدين الذي كان حينها  مشغولا بمطاردة بقايا الفاطميين؛ فأرسلوا له الرسل بوصول الصليبيين واستماتوا في الدفاع عن المدينة حتى تصل إمدادات جيشه اليهم.

واستمر القتال بين أخذ ورد ثلاثة أيام متتالية، فلما كان اليوم الثالث “فتح المسلمون باب البلد وخرجوا منه على الفرنج من كل جانب وهم غارون وكثر الصياح من كل الجهات فارتاع الفرنج واشتد القتال”.

وكان أول ما فعله أهل الإسكندرية هو تدمير آلات الحصار التي جلبها الغزاة معهم من دبابات وغيرها فأحرقوها عن بكرة أبيها وظلوا يقاتلون الصقليين حتى غابت شمس ذلك اليوم.

كان تراجع الغزاة في حد ذاته نصرا لأهل الإسكندرية الذين عادوا الى أسوار مدينتهم بعد قتال يوم عنيف وهم “فرحون مستبشرون بما رأوا من تباشير الظفر وقوتهم وفشل الفرنج وفتور حربهم وكثرة القتل والجراح في رجالاتهم”.

إلا أن أهل الإسكندرية المثخنين بالجراح من قتال ذلك اليوم ما لبثوا أن سمعوا بأن جيش صلاح الدين في الطريق إليهم فعادوا إلى القتال وقد “زال ما بهم من تعب وألم الجراح”.

ويشيد ابن الأثير ببسالة أهل الإسكندرية في القتال فيقول في وصفهم : “وكل منهم يظن أن صلاح الدين معه فهو يقاتل قتال من يريد أن يشاهد قتاله”.

ابن الأثير

وكان لخبر قرب وصول صلاح الدين وقع الصاعقة على الغزاة الذين “زادوا تعبا وفتورا” وتزامن هذا مع هجوم الأهالي عليهم حيث “وصلوا إلى خيامهم فغنموها بما فيها من الأسلحة الكثيرة والتحملات العظيمة وكثر القتل في رجال الفرنج فهرب كثير منهم إلى البحر”.

ولم يكتف أهل الإسكندرية بقتال الغزاة في البر بل غاص بعضهم في مياه البحر فخرق سفن الفرنجة “فغرقت فخاف الباقون من ذلك فولوا هاربين”.

واستمرت المعركة حتى صباح اليوم التالي وأسفرت عن النصر لأهل الإسكندرية حيث “… غلبهم أهل البلد وقهروهم فصاروا بين قتيل وأسير وكفى الله المسلمين شرهم وحاق بالكافرين مكرهم”.

أسفرت معركة الإسكندرية عن إخفاق وتراجع صليبي جديد وأثبتت قدرة أهل مصر على الدفاع عن ديارهم ضد أي محاولة صليبية لغزوها، وزادت من اللُحمة بين أهل مصر وصلاح الدين الذي سيتخذ من مصر بعد بضع سنوات من هذه المعركة نقطة انطلاق لسحق الجيش الصليبي في معركة حطين وتحرير بيت المقدس والساحل الشامي وتطهيرهما من دنس المحتلين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock