رؤى

تحديات طويلة الأمد مع قيام داعش بتنظيم صفوفه

توسعت الجماعات التابعة لداعش في إفريقيا بعد المكاسب الإقليمية في نيجيريا وموزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية والساحل.

ترجمة: تامر الهلالي
كتب: موقع يو اس هوم لاند سيكيوريتي

أدى زوال ما يسمى بخلافة داعش إلى انتشار العديد من أعضائها في ساحات قتال جديدة في جميع أنحاء سوريا والعراق وأفريقيا وجنوب شرق آسيا وما وراءها، وإنشاء ملاذات آمنة جديدة لأنشطتهم المستقبلية.. والحقيقة أن داعش ليست منظمة إرهابية مركزية؛ ولكنها منظمة إرهابية عالمية لها فروع في جميع أنحاء العالم وتدعم تعزز احتمالية استمرار التنظيم. اختارت داعش التي غيرت مشهد الإرهاب الإسلاموي في السنوات العشرين منذ أن هاجمت القاعدة نيويورك وواشنطن -السرعة في التجنيد والتخطيط على الانتقائية المركزية والموحدة لمجنديها. إن الهجمات الإرهابية الأخيرة في الولايات المتحدة وأوروبا وأماكن أخرى التي نُفِّذت استجابة لدعوتها لمهاجمة وقتل المدنيين بشكل عشوائي؛ تعمل على إثبات صحة هذه النقطة.

إعادة تنظيم

من المرجح أن تستمر الاستراتيجية منخفضة التكلفة وعالية التأثير التي نشرتها المجموعة، في فرض تحديات كبيرة طويلة الأجل على خدمات إنفاذ القانون والأمن في جميع أنحاء العالم.

لم تقر داعش بعدُ بالهزيمة في أماكن مثل العراق وسوريا، حيث تواصل الحفاظ على قدراتها العملياتية لإعادة الهيكلة والتكيف وفقًا للظروف على الأرض. من المرجح أن تستمر داعش في تقاسم الهيمنة والتأثير، على الجماعات الجهادية المحلية والإقليمية  مع القاعدة ويرجع ذلك أساسا إلى إطارها العملياتي “الشعبي”.. فلا تزال مجموعاتها تعمل في محافظات الرقة ودير الزور وحماة وحمص؛ بشكل سري  بالأساس وتحوّل القوى العاملة والموارد وتستفيد من الانسحاب الأمريكي والانسحاب الروسي.

هزيمة حركة داعش
هزيمة حركة داعش

سيتطلب الحد من خطر داعش على المدى الطويل في أماكن مثل سوريا والعراق جهودا متضافرةً من قبل المجتمع الدولي، وبالتحديد من قبل الولايات المتحدة وروسيا و”البشمركة” الكردية وقوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن العراقية -بما في ذلك الميليشيات الشيعية- وتركيا التي ساهمت بشكل جماعي في الزوال المادي المزعوم للخلافة.. ومن المرجح أن تمنح التوترات الحالية بين الجهات الفاعلة المحلية والدولية المذكورة أعلاه لداعش ذريعة قوية لإعادة تنظيم صفوفها وزيادة التجنيد في صفوفها.

في سوريا والعراق كان تنظيم داعش بارعا في استغلال الفكر الجهادي العالمي والمظالم السنية والمشاعر الطائفية تجاه النفوذ الشيعي  والإيراني لبناء نسيج سلطته التنظيمية. وقد حققت المجموعة نجاحات مماثلة في أماكن مثل أفغانستان وباكستان وأوروبا وأفريقيا من خلال استغلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية، فضلا عن فشل سياسات الحكومة المحلية.. في حين أن نموذج الدولة الأولي للحكم لداعش ورسالته السياسية؛ قد عانى من ضربات كبيرة عبر مجتمع مؤيديه والمتعاطفين معه؛ إلا أن الركائز الأساسية لخطابه تتجذر في مناصرة السكان السنة في العراق وسوريا، والبشتون في أفغانستان ضد التهميش، و هكذا تبقى سليمة وجذابة للكثيرين. بالإضافة إلى ذلك تواصل المجموعة العمل في شبكة حماية للطوائف السنية وغيرها في العراق وسوريا وباكستان وأفغانستان وأماكن أخرى. هناك حاجة لاستثمارات طويلة الأجل بشكل خاص لمعالجة الإخفاقات الشديدة في الحوكمة ولتعزيز الحوكمة الشاملة في العالم العربي وخارجه والتي غذت صعود داعش وأنتجت مجندين لداعش.

مع وجود أكثر من اثني عشر فرعا في أماكن مثل سوريا والعراق واليمن وخراسان (باكستان وأفغانستان) ووسط إفريقيا وشرق إفريقيا، تظل الجماعات التابعة لداعش موالية وملتزمة لداعش، وإن بدرجات متفاوتة.

القاعدة في اليمن

خطر طويل الأمد

توسعت الجماعات التابعة لداعش في إفريقيا بعد المكاسب الإقليمية في نيجيريا وموزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية والساحل.. بينما في الصومال لم يقم التنظيم بعد بترسيخ ولاء حركة الشباب، ويمنح الاندماج مع حركة الشباب -إذا تم-  لداعش القدرة على إنشاء ملاذ آمن في الصومال، واستغلال القرصنة لتحسين وضعها الاقتصادي، وإنشاء ممر آمن لمقاتليها المتذبذبين في الشرق الأوسط.

 وسيواصل تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان (ISK) البحث عن طرق لتحقيق المزيد من الخطوات من خلال استغلال المشاعر الطائفية والسعي إلى تحالفات محتملة مع الجماعات الجهادية الأخرى في أفغانستان وباكستان..وسيستمر تنظيم داعش في خراسان على وجه الخصوص في العمل كخطر وشيك طويل الأمد؛ نظرا لقدرته الواضحة على الانخراط في الإرهاب الحضري، وتشكيل تحالفات مع شبكة حقاني التابعة لطالبان، بما في ذلك التآمر لشن هجمات إرهابية في أوروبا وخارجها.

من المرجح أن تؤثر التطورات الأخيرة في أفغانستان على السياسات طويلة المدى للولايات المتحدة والشركاء الدوليين في إفريقيا وأماكن أخرى حيث يوجد تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات التابعة لداعش والجماعات الإرهابية الأخرى. ربما يسعى المجتمع الدولي إلى تبني  الحلول السياسية مع المتمردين، بما في ذلك استغلال عدم الترابط -على عكس حالة طالبان- بين الجماعات المقاتلة في إفريقيا وزيادة التنافس بين داعش والقاعدة.

داعش خراسان
داعش خراسان

النساء والاطفال

كانت النساء والأطفال والعائلات بشكل عام عناصر أساسية في مشروع تنظيم الدولة الإسلامية للحوكمة وبناء الدولة.. ويمكن القول إنها كانت تمثل استثمارا أيديولوجيا وعمليا طويل الأجل من جانب المجموعة في أوجه عديدة.  وقد نجح التنظيم في موازنة نوع الاستراتيجية المزدوجة المتناقضة المتمثلة في تجنيد الأطفال والنساء لتنفيذ عمليات انتحارية وتقديم الدعم اللوجستي من جهة، وتقديم نفس الشكل من الدعم كجزء من “استراتيجيتها للسيطرة المدنية” من جهة أخرى.

على الرغم من كونه معروفًا كواحد من أكثر مرتكبي العنف القائم على النوع الاجتماعي؛ فقد نجح التنظيم في جذب عدد كبير من النساء المهمشات إلى الخلافة من خلال إضفاء الطابع الرومانسي على حياة النساء وأطفالهن أو بوسائل أخرى.

كما أن استراتيجية التنظيم للسيطرة المدنية وضعت تقوى المرأة وأخلاقها في طليعة ركائزها، بينما قدمت الأدوار المهنية التي تلعبها النساء داخل هياكل الدولة الإسلامية “مصدرا للاستقلال المادي والمالي عن أدوارهن المنزلية المحظورة كزوجة وأم”.

في ضوء ما سبق من المرجح أن يستمر استغلال النساء والأطفال من قبل داعش لنشر أيديولوجيتها ومواصلة إرثها.. فلا يزال اعتقال آلاف النساء والأطفال في مخيم الهول- شمال شرقي سوريا- ومخيمات أخرى في جميع أنحاء سوريا بمثابة صرخة حشد لمناصري داعش في جميع أنحاء العالم، مما يثير الحنين إلى حكم داعش مع استمرار تدهور الأوضاع في مثل هذه المخيمات. بالإضافة إلى ذلك فإن إطلاق سراح الآلاف من النساء والأطفال السوريين من مخيم الهول أو إطلاق سراحهم المخطط له يمكن أن يوفر فرصة لداعش لاستغلال هذه الفئات السكانية الضعيفة في المناطق التي لا يزال داعش يعمل فيها. ويمكنها القيام بذلك من خلال استهداف المفرج عنهم لأغراض التجنيد عبر حملات التخويف أو مناشدة حمايتهم في مواجهة العنف الانتقامي المحتمل داخل مجتمعات العائدين.

وتحتاج الحكومات إلى الانخراط بشكل أكثر استباقية في جهود الإعادة إلى الوطن التي تشمل النساء والأطفال على وجه الخصوص، وهو أمر ضروري بشكل خاص نظرا لتراجع الوجود العسكري الأمريكي الذي أدى إلى انتشار أيديولوجية داعش في المخيمات السورية في السنوات الأخيرة. هناك حاجة أيضا إلى الموارد الكافية والمراقبة لحماية العائدين في سوريا وخارجها.

أخيرا.. في تناقض صارخ مع الجماعات الإرهابية الأخرى، أحدث داعش ثورة في أساليب تجنيد الإرهابيين والدعاية من خلال الترويج لخطابه المتشدد عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمجتمعات عبر الإنترنت. يُترجم هذا النوع من نموذج “عدم التدخل” للتجنيد الذي تستخدمه المجموعة إلى شروط متساهلة للانضمام إلى المجموعة أو خدمة الجماعة أو الترويج لقضيتها أو مصالحها في مكان آخر. على الرغم من الأنشطة النبيلة وذات النوايا الحسنة لشركات التواصل الاجتماعي، فإن فعالية الإشراف على المحتوى، وإلغاء النظام الأساسي، والرسائل المضادة بشكل عام تظل غامضة وغير واضحة.

هناك حاجة إلى إجراء أبحاث وتدابير مستدامة لفهم كيفية قيام داعش وأنصارها بمشاركة المعلومات وتجميعها عبر مختلف منصات وسائل التواصل الاجتماعي. هناك أيضا حاجة إلى تفعيل أفضل لكيفية ظهور داعش وقاعدة دعمها ليس فقط بل تنمو أيضا وتقاوم الأنشطة المضادة التي تقوم بها الحكومات ومنصات الإنترنت.

في الواقع قد يؤدي تحديد العوامل التي تجعل الكراهية عبر الإنترنت والجماعات الإرهابية قادرة على الصمود أمام الإجراءات التي تتخذها وسائل التواصل الاجتماعي لتعطيلها، إلى الحصول على نظرة ثاقبة مطلوبة بشدة للتدخلات المحتملة لوقف انتشارها والحد من نموها.

علاوة على ذلك قد تنجح جهود الرسائل المضادة لـداعش فقط إذا كانت مدعومة بأفعال جماعية لدعم التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مما قد يضفي الشرعية على تحدي عبثية خطاب داعش وجاذبيته.

مصدر المقال

تامر الهلالي

مُترجم وشاعر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock