مختارات

حول تجربة الشاعر “علي قنديل”.. أيقونة شعر السبعينيات

مختارات من صفحة الشاعر أمجد ريان عن تجربة علي قنديل ايقونة جيل السبعينات الذي خطفه الموت مبكرا جدا

امجد ريان

 

 

 

 

شهدت القاهرة منذ السنوات الأولي في عقد السبعينيات ، حركة الشعراء الجدد ، وارتبطت أنا على المستوى الشخصي بالشاعرين “علي قنديل” و”حلمي سالم” من خلال صداقة حميمة ، أكدت أن هناك جيل جديد كبير من الشعراء الجدد في القاهرة والأقاليم قادمون إلى الساحة الشعرية ، يكتبون من خلال منطق ورؤى متقاربة ، ومختلفة عن قوانين الكتابة الشعرية السابقة . ومن خلال أساليب وتقنيات لم تألفها الكتابة الشعرية من قبل .  حتى أن بعض النقاد المعروفين ، شاركوا في الحملات التي وجهت ضد الجيل الجديد ، من قِبَل بعض المؤسسات الثقافية ، والمجلات والصفحات الثقافية ، وكذلك بعض المثقفين والشعراء الذين يمثلون الاتجاه المحافظ .

كان شعراء السبعينيات جميعاً يحسون منذ البداية بوجوب تلاقيهم لكي يتمكنوا من الاستمرار ، ومن طرح مالديهم من رؤي وتصورات آمنوا بها وناضلوا لأجلها .  ارتبطتُ بهذين الشاعرين بقوة ، وحضرنا معاً مجموعة كبيرة من الندوات الشعرية في قصور الثقافة ، وفي جامعات مصر ، وفي أماكن أخرى أهمها الندوة التى أقامها لنا المركز الثقافي الروسي في أوائل فبراير 1975 والتي أقيمت للشعراء (علي قنديل ، وحلمي سالم ، وأمجد ريان) والتى فوجئنا فيها – عندما دخلنا إلى المنصة المقامة على خشبة المسرح – بجمهور ضخم لم نعهد مثله من قبل ، فقد امتلأت الصالة عن آخرها ، كذلك البلكون في الطابق الثاني ، وقد نجحت هذه الندوة نجاحاً ساحقاً لازال عدد من المثقفين يذكرونه حتى الآن .

علي قنديل

و”علي قنديل” ابن قرية الخادمية بمركز كفر الشيخ  . وكان شاعراً متفوقاً بين أقرانه السبعينيين ، فهو الذي سبق الجميع بتلمسه لخصائص الرؤية الشعرية الجديدة ، على الرغم من أنه توفي عن عمر اثنين وعشرين عاماً ، بعد أن صدمته سيارة طائشة فى السابع عشر من يوليو 1975م ، وكان وقتها يدرس في كلية طب القصر العينى .  ويعدّ علي قنديل أحد رواد قصيدة النثر الجديدة ، وقد ترك ديواناً وحيداً ، هو “كائنات على قنديل الطالعة” ، وقد كتب مقدمته الشاعر “محمد عفيفى مطر” ، وصدرت طبعته الأولى عقب وفاة الشاعر “علي قنديل” مباشرة ، وقد طبع بعد ذلك عدة مرات .

تبنى المبدعون في السبعينيات فكر الحداثة ، وطرح المثقفون في التوقيت نفسه معنى التعدد فى السياسة ، وفي التوجهات العلمية ، وفي الفلسفة ، وفى الفكر والأدب ، فالرؤية الحداثية تتجاوز الأحادية الفقيرة ، وتخلق نوعاً من التفاعل بين مستويات عديدة .  وبادر الشعراء بإجراء الحوار مع التراث العربى والإنسانى ، من خلال لغة القرآن الكريم ، وأجواء الشعر العربى القديم ، وأحاديث القدماء ، ومن خلال الاهتمام بالأيقونات القبطية ، وأحاديث القديسين وهكذا . واهتم شعراء السبعينيات المتحمسين للمجاز اللغوي والرؤيوي بالاستعاريات الرمزية ، حتى جعلوا “المتنبي” – على سبيل المثال – يعيش في المنزل العصرى ، ويجلس في المقهى ، ويتجول قي المتحف الخ .. وكان هناك حوار مع الغرب فى الوقت نفسه ، واستفادات من فكر “ماركس” ـ “بيكاسو” ـ “سان جون بيرس” .

وقد تكونت في هذه المرحلة في مصر جماعتا “إضاءة 77″ و”أصوات” ، وجماعات أخرى أقل انتشاراً ، وكان هناك عدد كبير من الشعراء المستقلين ، يعملون دون الانتماء إلى جماعات بعينها ، وتوطدت العلاقات بين الشعراء الحداثيين لدينا والشعراء الجدد في الخليج وبيروت والمغرب . وارتبط الحداثيون جميعاً بالأيديولوجيا ، وتفاعلوا مع الثوريين في كل مجال ، وتعاطفوا مع مظاهرات الطلبة فى عام 1968  وما بعدها .

علي قنديل

لقد سبق الشاعر “على قنديل” أبناء جيله جميعاً ، برغم حداثة عمره ، في اكتشاف طبيعة الرؤية الحداثية في الشعر الجديد ، بحيث تكون قادرة على التعبير عن خصوصية واقعنا المحلي ، وأن تسعى كذلك من أجل مزيد من إنضاج الفن وتطوير الحياة . وقدم رؤى وأساليب شعرية تعتمد المجاز اللغوي الكثيف ، والاستعارة ، وكان هذا في حد ذاته تعبيراً حداثياً يبحث عن التعدد ، هرباً من الأحاديات التاريخية التى استتبت في الفكر وفي الإبداع ، حتى أن “عفيفي مطر” وصفه بأنه الساحر الكاهن الشاعر الطبيب ، لأنه استطاع بالفعل أن يستخدم الطاقة السحرية للغة ، من خلال تركيباته اللغوية شديدة الخصوصية ، تابعو هنا : (عروق الصحراء ، ومساحات الأوجه الميتة ، وبقعة النور التي تنمو كوردةٍ) ، وغيرها :

يمكن لعبق النارنج أن ينبُتَ بين عروق الصحراء

وأن يكتبَ تاريخهُ على مساحات الأوجه الميتة

حين يسقط الظل كاشفاً عن بقعة النور التي

تنمو كوردةٍ تمتد في كل اتجاه … ويستدرجُ

الساحرُ الآدمى شمسهُ من مدارات الغروب  .

ولدى قنديل قدرة هائلة على تقمص الروح التراثية ، واستثمارها إبداعياً بشكل شديد الوعي ، وبخاصة في نصوص التصوف الإسلامى ، وفي تجربته هذه يستخدم بشكل عام ألفاظاً ، وتراكيب لغوية من مثل : (العرش – لا أفق يُبصرني – الرجاء – إشراقة – مخاطبات – لا أفق يدركني ولا سماء – أبقى أنا السر وحدى – ماعاد سرا خبيئا – منذ ابتداء الزمن) وهكذا ، ولديه هذا المقطع الذي يفيض بالمعنى المستفيد من الحس الصوفي :

تأتي لكل قارئ قراءة

وكل مبصر تأتيه شمعةٌ مضاءة

ومن أباح الحب.. ملكه السماء

ومن تطهر قلبه بالدمع .. أشعل الفضاء .

وعلى الرغم من الحس المجازي والاستعاري المستشري في كتابة الشاعر ، وعلى رغم الاستفادة الكبيرة من المعاني الصوفية ، إلا أن دوافعه الجمالية مرتبطة دائماً بالواقع اليومي المعيش ، وبحياته الفعلية ، بكل مافيها من تفاصيل حية ، ومعطيات مرتبطة بالحياة ، وقصيدته : (القاهرة) على سبيل المثال دليل واضح على هذه القضية ، وحين نقرأ المقاطع الأخيرة من قصيدة القاهرة ، سنكتشف أن النص يحكي عن الإحساس بازدحام المدينة العنيف ، ولكنه يتضمن في الوقت نفسه بالمقابل ، إحساساً حضارياً عنيداً يرى أن على المثقف الكبير أن يفهم التعقيد المديني الحديث ، وأن يعرف كيف يعايشه ، وكيف يقيم علاقاته الإنسانية داخل هذا التعقيد .

علي قنديل

هندسة الوجود تسيطر على رائحة الحياة ، وتدور الذات في متاهة الحياة اليومية المؤلمة ، ويقيم المونتاج الشعري يامتداد التجربة غابة من التداخل بين معطيات الحياة ، مازجاً بين ما هو شخصي ، وما هو جمعي . وبين ماهو جياتي يومي ، وماهو مجازي جمالي .

وفي قصيدة “القاهرة” يستعرض “على قنديل” بشكل شعري رفيع المستوى تفاصيل حياته اليومية الواقعية التى هي رموز للحياة في المدينة العصرية : (أتوبيس 124- كلية الطب – دخان الغليون في الكافيتريا – بعض المثقفين-  كبريت – ساعة تدق – شريط القطارات  – الشوارع ) الخ ..  ويظل معني الازدحام عبئاً بامتداد النص يطرح إحساسه الشخصي الدائم بالاختناق ، و يطرح إحساسه بالوحدة رغم هذا الازدحام ، وبأنه منفي داخل وطنه ، ومن هنا يكون مبدأ الرفض الذي يبرر المعنى الفلسفي للوجود . ويظل يحلم بالاندماج بتاريخ مصر كله ، والاندماج بماء نهر النيل :

صلصلة قيودي تجرني،

في الصباح:

أتوبيس 124،

كلية الطب – دخان الغليون في

الكافيتريا – بعض المثقفين.

وتتضخم دائرة / زنبقة وحشية

ياالله ! زنبقة وحشية.

* النيل – حوار:

ساجد

من بدأ أول وردة قامت وصمتك ضفتان

عطش السنين صفاؤك السطحي؟ أم بدأ الحوار؟!

رأيت أدركت، اختبأت مقلدا حزن اليمام موحدا .

ساجد

من بدأ أول وردة قامت وصمتك موتتان

أرق السنين نسيمك المطوىي أم شوك الديار؟

سبحت في الزمن استبحت تمثل الموت، انقطعت

عن الكلام مسهدا

إني وحيدٌ مثل وحدتك الطويلة..

شدني لخلودك المعقود

ساجد

من بدء أول وردة قامت وصمتك طعنتان

لا شمس،

لا كبريت،

لا تبغي الحوار

رأيت يا ما قد رأيت ولم تحركك المنى

لم تغرك الأشعار

لم تضطرب للريح،

لم تصعد لأعلى

(آه من لحن الفرار:

صار منفاي الوطن

وطني صار الفرار)

يقترب

دخان يقترب

ساعة على عكس إيقاعات القلب تدق

لكنني أرى:

أرى يوما – ربما قريب كأصابع اليد – يأتي

يقف العالم معصوفاً ، ويثبت كل ذي حال .

على حاله :

اليد القاتلة يشهد عليها دم القتيل ،

والكتاب الخائن تنحل عنه أحرفه

والماء المغتصب ينتفض،

الذبائح تستيقظ والخوف يصير التيار الجارف

النهر الذي سكت ينطق، ومن تكلم يسمع

يوما – ربما قريب كدم محتقن.

اقترب يا دخان،

ويا عربات ازحفي

وانطرق يا حديد على قبرة القلب.

لا القاهرة تبقى قاهرة

ولا الدلتا دلتا

ولا الشاعر مسجونا في لسانه.

ساعة تدق

“الوقت متأخر”

والسماء تترك الغرفة للأجنحة السوداء ينثرها

طائر الرعب الأليف،

آه شريط القطارات،

يخرجون للشوارع نزفاً من جرح أبله،

يسابقون الضوء الخائب

ويقومون من سقطة إلى أخرى كالديدان المشرقة

ما أبهج المرارة !!

نام المقطم فوق جفني

وظل قفص الصدر يحبسني

غيباً وعصفوراً خريفياً

اقذف حصان النار يرفسني

أو صبني في النهر محلولا هلامياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock