رياضة

كلنا ليفربول يا صلاح.. الفرحة معلقة بأقدام الفرعون الصغير

المقاهى مكتظة على بكرة أبيها، لا يجد المرء موضعا لقدم، سعداء الحظ اتخذوا مواقعهم فوق المقاعد التى حضروا مبكرا لحجزها؛ حيث يتم الأمر بأسبقية الوصول، كما يحدث فى عيادات الأطباء وأفران الخبز المدعم وأماكن صرف المخصصات التموينية الشهرية. وفى الخلف وعلى الجانبين توزَّعت طوابير الواقفين. وفى كلتا الحالتين فإنَّ الاقتراب أو المشاهدة ممنوعان بالنسبة لأولئك الذين لم يطالبوا النادل بالمشاريب التى تحرص بعض المقاهى على تحصيل ثمنها سلفا فى مناسبة كهذه؛ يسىء البعض استغلال الزحام فيها، فيحاول التهرُّب من ثمن مشروبات قام بإحتسائها سلفا، لايكترث الكثيرون فى يوم كهذا بالإجراءات الإحترازية لمواجهة “كورونا” بشكل يمكن أن يتخيل معه عابر السبيل أنَّ زمن الوباء قد ولى إلى غير رجعة.

إنَّها مباراة جديدة يخوضها اللاعب المصرى محمد صلاح الذي سيهتف الجميع باسمه مع الدقائق الأولى لانطلاقها، بصورة يمكن أن يتخيل معها بعض الجهلاء بكرة القدم أنَّ صلاح هذا هو اسم الفريق الذى قدموا لتشجيعه من كل فج عميق، وليس مجرد واحد من ضمن 11 لاعبا يخوض بهم ناديه المنافسة أمام خصمه. كان هذا هو الحال خلال اللقاء الذى جمع ليفربول مع مانشيستر يونايتد، وهو أول لقاء يجمع القريقين بعد انضمام “كريستيانو رونالدو”  للفريق الأخير. سجَّل صلاح “هاتريك” في مرمى الخصم، وتصدَّرت عبارة “محمد صلاح يقسو على الشياطين الحمر” عناوين العديد من المواقع الرياضية حول العالم.

أسهم شعبية نادى ليفربول الأنجليزى الذى يحترف صلاح فى صفوفه، ارتفعت بصورة غير مسبوقة فى مصر منذ إلتحاقه به قبل عدة سنوات، إلى حد أنَّ الكثير من المقاهى وكافيهات الانترنت وملاعب كرة القدم الخماسية التى يقيمها بعض الأهالى قد أتخذته اسما لها. “ليفربول” بشعاره المميز لم يعد ناديا فى بريطانيا وحدها؛ فاللافتة ذاتها التى تحوى الاسم والشعار تطالعها على واجهات المئات من الأماكن فى مختلف أنحاء مصر، ولم تبقَ القرى كثيرا بعيدا عن هذا الهوس، حيث سارع بعض أهلها اللاهثين خلف لقمة العيش إلى إستغلال “البراند” نفسه الذى خلقته شعبية صلاح الكبيرة بشكل أصبح معه استثمار اسمه واسم ناديه طريقا مضمونا لربح يجاهدون بكل ما أوتوا من قوة بحثا عنه.

باتت أهداف صلاح فى الدورى الأنجليزى أو الكرات المميزة التى يصنع منها فرصا يحسن بقية لاعبي الفريق استغلالها؛ متنفسا للكثير من المصريين فى ظل ضغوط الحياة اليومية والأعباء الثقيلة الملقاة على كاهلهم خاصة تلك المتصلة بالمشقة التى يكبادونها من أجل توفير لقمة العيش.

اللافت أنَّ موسم الهجرة إلى المقاهى فى ساعات لاعب صلاح لم يعد اليوم قاصرا على مشجعى كرة القدم التقليديين؛ حيث انضم إليهم بعض من لايعرفون عن الكرة شيئا؛ والذين جاءوا لاقتناص ساعات من الفرح التى افتقدوها كثيرا عبر الذوبان وسط الجموع؛ حيث تتقارب المسافات، ويتم تجاوز الخلافات بمجرد أن يبدأ صلاح  فى لمس الكرة قبل أن يحدث الإنصهار بشكل كامل، عندما يقتنص الفرصة ويسجل هدفا، حيث يتقافز الجميع فى الهواء ويحتضنون بعضهم البعض متبادلين التهانى بالانتصار الكبير لابن بلدنا الذى رفع راية مصر خفاقة بين الأمم.

المصريون ليسوا راضين عن صلاح بنسبة مائة بالمائة؛ فكما يصعد به البعض عنان السماء ويضعونه فى مراتب القديسين؛ فإنَّ هناك من يبخسونه كل شيء؛ ويهبطون به إلى جوف الأرض السابعة، ويرون أنَّه لم يقدم شيئا مع منتخب بلاده حتى اليوم؛ بل إنَّ البعض يذهب إلى حد تحميله المسئولية الكاملة عن تراجع مستوى أداء المنتخب، والذى تسبَّب فى الإطاحة بالمدرب حسام البدرى.

لكن يبقى هناك إجماع على أنَّ صلاح يبقى واحدا من صناع السعادة فى حياة المصريين خاصة في لحظات تألقه في الدوري الإنجليزي؛ حيث يغفر له الجميع كل ما كانوا يتصورونه منه من زلل أو تقصير ويمسى حينها الأمل الذى يلوح لهم من بعيد بعد ساعات الليل الطويل.

صنع صلاح بقدميه اللتين يتمايل بهما بالكرة كيفما شاء؛ حالة خاصة به حتى أنَّ كل نساء مصر يتمنين لو أنجبن صلاح، وكل الرجال يحلمون بأن يكونوا أباءً لفتى مثل هذا الذى تحوَّل خلال سنوات معدودة إلى واحد من مشاهير العالم، وقفز على الكثير من العقبات التى تكبل حركة الكثير من أقرانه ممن لم يبتسم لهم الحظ ويمنحهم فرصة الاحتراف مثله.

الحالة التى يصنعها صلاح تتجسد عقب الانتصارات الكبيرة التى يصنعها والتى لايتورع معها البعض على أن ينتقلوا فى لمح البصر من معسكر اتهامه بالمسئولية عن تواضع مستوى المنتخب لعدم خوضه مبارياته بحماس إلى الهتاف باسمه من البلكونات وتعليق صورته على واجهات المنازل واختياره صورة البروفايل لصفحة الفيس عقب تألقه مع فريقه كما حدث بعد أن تغنَّى الجميع بهدفه الخرافى في قمة البريميرليج بين ليفربول ومانشستر سيتي، والتي تعادل فيها الفريقان بنتيجة 2-2.

“الحالة صلاح” تبقى التعبير الأبرز عن ظمأ الناس لمساحة تفاؤل وسط إخفاقات وإحباطات عدة تحيط بهم من كل اتجاه؛ فباتوا معها يبحثون عن جزيرة يمكن أن تلوح لهم من بعيد بعد أن ملوا السباحة لساعات وسط أمواج المحيط المتلاطمة، فكما انطلق محمد صلاح من “نجريج” إلى “لندن” بقوة الصاروخ؛ فإنَّ الأمانى لاتزال إذن ممكنة رغم الواقع الذى يبدو صعبا فى أحيان كثيرة.

الوله بصلاح يُنسى جمهوره فى بعض الأحيان أنَّ وظيفته الأساسية هي لاعب كرة قدم حيث يطالبونه أن يكون فى مقدمة الصفوف دوما وهذا ما يفسر وصلات التقريع التى يتعرض لها فى بعض الأحيان والتى يجرى فيها حسابه على أدق تفاصيل حياته مثل التقاطه صورة مع أحدى الممثلات أو نشره على حسابه إطلاله له على الشاطئ فى إحدى قرى الساحل؛ وهو ما تزامن مع حدث غير سار حلَّ بالبلاد مصادفة فى الوقت نفسه.

يبقى النجاح الأكبر لصلاح محصورا فى مساحة المستطيل الأخضر التى يصول ويجول فيها كيف يشاء من أجل إسعاد جمهوره من مشجعى الكرة المستديرة بعيدا عن الأعباء الكثيرة التى يحاول البعض دون وعى أن يلقيها على كاهله؛ حيث يصر على تحميله أوزار تقصير الآخرين فى ملاعب أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock