ثقافة

الأزهري الذي علمنا التفكير المنطقي

مندور يمنح صك الإبداع النقدي للشيخ المرصفي

يعلم مندور قبل غيره أنَّ الدكتور طه حسين تلميذ نجيب في محراب علم مولانا الشيخ المرصفي زعيم التنويريين في الأزهر الشريف, كان من المفترض أن يكتب طه حسين دراسة عن المرصفي؛ ولكنه لم يفعل رغم كون الشيخ الأزهري يستحق مكانة كبري عند العميد شخصيا فهو الكفيف الذي علَّم المبصرين بصيرة العلم، وهو نموذج لكل من كُفَّ بصره وهو العالم الثاني بعد مولانا القويسني الذي يتحدى إعاقة البصر بفتوح البصيرة, كان المثل الأعلى لكل فتي نابه في عصره؛ يريد أن يلمع في كتابة النقد بين النقاد المعاصرين.. يخوض الدكتور محمد مندور عالم النقد الأدبي ويرصد نجوم النقد والأدب في زمانه, لكنه بعقل الناقد المحايد يكتب عن الشيخ حسين المرصفي وتحفة الوسيلة الأدبية التي تعد من قمم الشعراء، ورسائل البُلغاء، وكتب اللغة وعلومها.

الضرير الذي كوَّن ضلع النهضة الثالث

يقول الدكتور محمد مندور: “إنَّ كل نهضة أدبية لا بدَّ أن تصاحبها نهضة مماثلة في دراسة الأدب ونقده؛ فظهر محمود سامي البارودي رائد البعث الشعري، وعبد الله فكري رائد البعث النثري، ثم اكتمل ضلع مثلث النهضة بالأستاذ والناقد الذي بعث علوم اللغة العربية وطرائق النقد الأدبي التقليدي عند العرب القدماء، وكان هذا الأستاذ الناقد هو الأزهري الشيخ حسين المرصفي الذي لا نعلم تاريخ ميلاده، وإنما نعلم أنه تُوفي في ١٨٨٩م، ولسوء الحظ لا نعرف أيضا الكثير عن تاريخ حياته، وكل ما نعرفه هو أنه وُلد كغيره من المراصفة الكثيرين في قرية مرصفا بمركز بنها بمديرية القليوبية، وأنه كان ضريرا تلقَّى العلم بالأزهر، وبلغ من ذكائه واجتهاده أن تولَّى التدريس فيه حتى سنة ١٨٧١، وفي عهد نِظارة علي باشا مبارك الثانية للمعارف المصرية تولي تدريس المحاضرات بالمدرج الكبير الذي كان يُسمَّى دار العلوم والذي تحوَّل لكلية بعد ذلك بسراي درب الجماميز، و جاء في كتاب «التعليم في مصر» لأمين باشا سامي أنَّ الشيخ حسين المرصفي كان يلقي محاضرتين في علوم الأدب وكان زملاء الشيخ في هذه المحاضرات المسيو “فيدال” لفنون هندسة السكك الحديدية والمسيو “جيجيون” بك لفن الآلات، والمسيو “هنري بروكسن” باشا للتاريخ العام، والمسيو “يكتيت” لعلوم الطبيعة، والمسيو “فرانس” باشا لفن الأبنية، والشيخ عبد الرحمن البحراوي مفتي الحقانية لفقه أبي حنيفة النعمان، وإسماعيل باشا الفلكي ناظر المهندسخانه لعلم الفلك، وأحمد ندا بك لعلم النباتات، وكانت هذه المحاضرات هي النواة لإنشاء مدرسة دار العلوم بناءً على التماس من علي باشا مبارك بتاريخ ٣٠ من يوليو سنة ١٨٧٢، ومن هذا التاريخ أصبح الشيخ حسين المرصفي أول أستاذ للأدب العربي وتاريخه بمصر الحديثة.

علي مبارك
علي مبارك

كتب الشيخ حسين المرصفي ثلاثة كتب هي: «زهرة الرسائل» و«الكلمات الثمان»، وهو الكتاب المؤسس بعلوم الاجتماع والتربية الوطنية؛ إذ تحدث فيه الشيخ عن ثماني كلمات كبيرة المضمون الاجتماعي والقومي، وهي: الوطن والحرية والأمة والعدالة، والظلم والسياسة والتربية والحكومة، وأخيرًا كتابه الضخم الذي يهمنا الحديث عنه “الوسيلة الأدبية للعلوم العربية” الذي يقع في جزأين تزيد صفحاتهما على تسعمائة من القطع الكبير.

الكتاب شديد الشبه بكتب الأمالي العربية القديمة كأمالي أبي علي القالي، وأمالي المبرد، وإن اختلف عن الأمالي القديمة في أنه لم يقتصر على الأدب وروايته، بل شمل جميع علوم اللغة العربية من نحو وصرف وعروض وفصاحة وبيان وبديع ومعانٍ،  كما ينمُّ حديثه عن براعة باللغة والفقه وتعمُّق، في دراسة رائدَي البعث الأدبي في عصره محمود سامي البارودي الشاعر والشيخ الأزهري عبد الله فكري الناثر، وإيراده عددًا من قصائد البارودي الشعرية ومقطوعات عبد الله فكري النثرية، والموازنة بينها وبين شعر القدماء ونثرهم.

وعبارة «الوسيلة الأدبية» تُذكرنا على نحو لا يُدفع بعبارة «الأورجانون» التي أُطلقت على مجموعة كتب الفيلسوف “أرسطاطليس” فكلمة “أورجانون” الإغريقية الأصل، والتي أصبحت في اللغتين الإنجليزية والفرنسية “أورجان” معناها أصلا الأداة أو الوسيلة، وقد اعتُبرت مؤلفات أرسطو وسيلة للمعرفة والتفكير المنطقي؛ بل كانت كلها تعتبر خلال القرون الوسطى المنبع الأول والأخير لكل معرفة ومنطق وتفكير فلسفي، على نحو ما اعتُبرت وسيلة الشيخ حسين المرصفي أداة تعلم اللغة العربية وآدابها ووسيلة إنشاء الشعر والنثر في عصره، وفي الجيل الذي تلا عصره، وعلى هذا الكتاب يلوح أنه قد تتلمذ عدد كبير من رواد النهضة الأدبية الحديثة، سواء من أقام هذه النهضة على أساس بعث التراث العربي القديم والرجوع إليه بدلا من الزخرفة الهاوية التي كان قد آل إليها الأدب العربي في عصوره الأخيرة، أو من جمع بين التراث العربي القديم والتراث الغربي الوافد.

الوسيلة الأدبية

طه حسين يعترف بفضل الشيخ المرصفي

يقول د. محمد مندور: “سمعنا أستاذنا الدكتور طه حسين يذكر علم وفضل  الشيخ حسين المرصفي ووسيلته في الكثير من دروسه بالجامعة أو أحاديثه مع طلبته، ومن طريف ما أذكر في هذا الصدد أنَّ الدكتور طه حسين حدَّثني يوما عن نادرة أدبية لطيفة ساقتها مناسبة لا أذكرها، قال:

«ويُروى أن عائشة بعثت يوما بدويًّا ليأتيها بقبس من نار، وبينما كان هذا البدوي يلتمس القبس رأى قافلة تسير إلى مصر فسار معها، ومكث بمصر عاما ثم عاد، وفي أثناء عودته تذكر القبس ورأى نارًا عن بُعد فعدا إليها، فتعثر ونهض وهو يقول: لعن الله العجلة».

وبينما كنت أراجع الوسيلة لكتابة هذا المقال وقعت في ص٢٢٨ من المجلد الثاني منها على مثلٍ عربي قديم من بين الأمثال الكثيرة التي أوردها الشيخ، وشرح تاريخها، وهذا المثل يقول: «تعست العجلة» ويتحدث عنه الشيخ؛ قائلًا: «إن أول من قال هذا فند مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وكان أحد المغنِّين المجيدين، وكانت عائشة أرسلته يأتيها بنار، فوجد قومًا يخرجون إلى مصر فخرج معهم، فأقام بها سنة ثم قدم فأخذ نارًا وجاء يعدو فعثر وتبدد الجمر فقال؛ تعست العجلة».

ولربما يكون أستاذنا الدكتور طه قد طالع هذا المثل أو تلك النادرة في إحدى أمهات الكتب العربية القديمة، ولكني مع ذلك فرحت باكتشافي هذا؛ لأنه جاء مؤيدًا لإحساسي بأن الدكتور طه حسين قد تتلمذ بلا ريب على علم المرصفي صاحب «الوسيلة» واغترف منها الكثير في طرائق تفسيره ونقده اللغوي لنصوص الأدب العربي القديم والحديث شعرًا ونثرًا، وأنا لا أزال أذكر حرص الدكتور طه حسين الشديد على سلامة اللغة وعمق فقهها، ومن المرصفي عرف طه فهم الفرنسية وتعلمها في البداية.

ويقول الدكتور محمد عبد الغني حسن عن الشيخ حسين المرصفي في كتابه «أعلام من الشرق والغرب» إنَّ الشيخ المرصفي قد رأى الفرصة المناسبة؛ فتعلم في مدرسة العميان على طريقة بريل اللغة الفرنسية وأتقنها كتابة وقراءة وكلامًا» وأيًّا ما كان الأمر فإنَّ الشيخ حسين المرصفي يعتبر بلا شك من روَّاد البعث الأدبي المعاصر، ومن بُناته الأصليين، على نحو ما نحس من قراءتنا لوسيلته الأدبية الضخمة، وبخاصة الفصول التي كتبها عن صناعتَي الشعر والنثر وطريقة تعلمهما، ثم الفصول التي يوازن فيها بين الشعراء والناثرين والمحدثين وأبرز فيها سمات التفوق الأدبي والفني.

أعلام من الشرق والغرب

ومن أهم ما تحدَّث عنه الشيخ حسين المرصفي في وسيلته المنهج الذي رسمه لمعاصريه وتلاميذه لتجويد إنتاجهم الشعري والنثري والسمو به إلى مرتبة الأدب العربي القديم البالغ الروعة والجمال.

يقول الشيخ المرصفي  ص٤٦٨ من الوسيلة: «اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطًا؛ أولها الحفظ من جنسه؛ أي من جنس شعر العرب، حتى تنشأ في النفس ملَكة ينسج على منوالها، ويتخيَّر المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب، وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شاعر من الفحول الإسلاميين مثل ابن أبي ربيعة وكثير وذي الرمة وجرير وأبي نواس وحبيب والبحتري والرضي وأبي فراس وأكثر شعر كتاب الأغاني؛ لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كله، والمختار من شعر الجاهلية، ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر رديء، ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ، فمن قلَّ حفظه أو عُدم لم يكن له شعر، وإنما هو نظم ساقط، واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ، ثم بعد الامتلاء من الحفظ، وشحذ القريحة للنسج على المنوال يُقبل على النظم، بالإكثار منه تستحكم ملَكته وترسخ، وربما يقال: إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ، لتُمحى رسومه الحرفية الظاهرة؛ إذ هي صادرة عن استعمالها بعينها، فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها انتقش الأسلوب فيها، كأنه منوال يأخذ بالنسج عليه لأمثالها من كلمات أخرى.»

وفي هذه العبارات جماع الأسس السليمة للبعث الشعري المعاصر، بل لكل خلق شعري سليم. فالشعر لا تنمو ملكته في النفس إلا بكثرة مطالعة الجيد منه وحفظه، كلما استطاع الشباب إلى ذلك سبيلًا، وهذه هي الطريقة الوحيدة لتحصيل ملَكة الشعر منذ أقدم العصور حتى اليوم، وفي اللغات كافة.

وبعد حصول هذه الملكة لا بدَّ من الدربة الطويلة على النظم والإكثار منه حتى تستحكم الملكة، كما يقول الشيخ حسين بحق، وفي قوله هذا ما يذكِّرنا برأي مماثل للأديب الناقد الفرنسي الكبير «ديهامل» عندما ذكر في كتابه «دفاع عن الأدب» أنَّ القصَّاص العملاق «أو نوريه دي بلزاك» قد سوَّد مئات الصفحات قبل أن يعثر على بلزاك، فالذي لا شك فيه أن الكتابة عامة والشعر خاصة صناعة يجب أن يحذقها صاحبها بطول المران قبل أن يجرؤ عليها. وذلك لأنه من الضروري أن يتحلل كل إنتاج شعري أصيل من الذاكرة لكي يصبح شعر حياة، وإن لم يكن هناك بأس من أن تصب هذه الحياة في قوالب كلاسيكية متينة تستقر ملكتها في النفس من إدمان المطالعة، ثم الحفظ والنسيان حتى تصبح المحاكاة مدرسة للأصالة.

دفاع عن الأدب

المرصفي يكشف عبقرية البارودي

بحرفة يكتب المرصفي عن البارودي يقول  «هذا الأمير الجليل، ذو الشرف الأصيل، والطبع البالغ نقاؤه، والذهن المتناهي ذكاؤه، محمود سامي باشا البارودي، لم يقرأ كتابًا في فن من فنون العربية، غير أنَّه لما بلغ سن التعقيل، وجد من طبعه ميلا إلى قراءة الشعر وعمله؛ فكان يستمع إلى بعض من له دراية وهو يقرأ بعض الدواوين أو يقرأ بحضرته حتى تصوَّر في برهة يسيرة هيئات التراكيب العربية ومواقع المرفوعات منها والمنصوبات والمخفوضات حسبما تقتضيه المعاني والتعليقات المختلفة، فصار يقرأ ولا يكاد يلحن، وسمعته مرة يسكن ياء المنقوص والفعل المعتل بها المنصوبين، فقلت له في ذلك، فقال: هو كذا في قول فلان وأنشد شعرًا لبعض العرب، فقلت: تلك ضرورة، وقال علماء العربية: إنها غير شاذة، ثم استقل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها ناقدا شريفها من خسيسها، واقفًا على صوابها وخطئها، مدركًا ما كان ينبغي وفق مقام الكلام وما لا ينبغي، ثم جاء من صنعة الشعر اللائق بالأمراء، كأبي فراس والشريف الرضي والطغرائي».

وهذا هو المنهج السليم الذي اهتدى إليه محمود سامي البارودي بفطرته السليمة، وسجَّله الشيخ المرصفي  في صدق وإخلاص، فقراءة النصوص الجيدة، وحفظ خيارها هما الوسيلة الفعَّالة لإتقان صناعة الأدب، بل الوسيلة التي لا يمكن أن تُغني عنها أية دراسة لغوية أو نقدية، كما أنها كانت الوسيلة التي مكنت محمود سامي البارودي في شعره، ونبض حياته الخاصة والعامة في ثناياه، ولا أدل على ذلك من مجموعة الأشعار القيمة التي خلَّفها لنا البارودي في مختاراته التي تذكِّر بمختارات أبي تمام في ديوان «الحماسة».

محمود سامي البارودي
محمود سامي البارودي

فن الموازنة بين الرواد

ويكتب د محمد مندور عن ذوق الشيخ حسين المرصفي الأدبي السليم فيقول: “نستطيع أن نتبيَّنه في طريقة موازنته بين الأدباء والشعراء الذين يورد نثرهم أو شعرهم، ويعقد فيه الموازنات، وبالرغم من صداقته الحارة للأديبين الكبيرين عبد الله باشا فكري ومحمود سامي البارودي باشا، فإنه لم يحتمل قط حججًا للإشادة بأدبهما الذي كان جميع المعاصرين يشهدون لهما بالتفوق فيه، ويرون في أحدهما رائدًا للنثر والآخر رائدًا للشعر، ولعلنا نستطيع أن نتبيَّن صدق هذه الحقيقة من النظر في موازنته بين معارضات محمود سامي البارودي وقصائد الفحول القدماء التي عارضها ذلك الشاعر الفذ على نحو ما هو مفصل في ص٤٧٤ وما بعدها من الجزء الثاني من الوسيلة، فهو مثلا يورد القصيدة التي مدح فيها أبو نواس الخصيب بن عبد الحميد العجمي أمير مصر من طرف الرشيد وكان قد قصده من بغداد، ومطلعها:

أجارةَ بيتينا أبوكِ غيورُ وميسورُ ما يرجي لديكِ عسيرُ

ثم يأخذ في شرحها ونقد ما يراه دارجًا مطروقًا من معانيها، مثل الرحلة لكسب المال إرضاءً للحبيبة؛ حيث يورد عددًا من الأبيات التي تداول فيها الشعراء المعنى نفسه مثل قول أحدهم:

دعيني أطوفُ في البلاد لعلَّني أصادفُ حرًّا أو أموت فأُعذرا

ويقول الآخر:

سأطلبُ بعد الدارِ عنكم لتقربوا وتسكبُ عيناي الدموعَ لتجمدا

أو الأبيات التي يكثر فيها اللفظ ويقل المعنى، مثل قول أبي نواس في هذه القصيدة:

فما جازَه جودٌ ولا حلَّ دونَه ولكن يصيرُ الجودُ حيث يصيرُ

فالشيخ حسين يرى بحق أن هذا البيت من الشعر الذي كثر لفظه وقلَّ معناه؛ إذ معناه، أنه لا يفارقه الجود، ويُرجح الشيخ فضلا عن ذلك أنَّ أبا نواس قد أخذ هذا المعنى عن الشنفرى، فأساء الأخذ؛ لأنَّه استند إلى قياس تضمَّن فارقًا كبيرًا بين «الجود» في قول أبي نواس «والحزم في قول الشنفرى»:

ظاعنٌ بالحزمِ حتى إذا ما حلَّ، حلَّ الحزمُ حيث يحلُّ

وهكذا يستمر الشيخ حسين في شرح قصيدة أبي نواس ونقدها حتى ينتهي منها، ليورد بعد ذلك قصيدة «الأمير» التي في وزن قصيدة أبي نواس وعلى رويها؛ أي التي تعتبر معارضة لها، ومطلعها:

تلاهيتُ إلا ما يُجنُّ ضميرُ وداريتُ إلا ما ينم زفيرُ

حتى ينتهي من القصيدة ثم يقول في تقريظها:

«انظر هداك الله لأبيات هذه القصيدة فأفردها بيتًا بيتًا تجد ظروف جواهر أفردت كل جوهرة لنفاستها بظرف، ثم اجمعها وانظر جمال السياق وحُسن النسق؛ فإنك لا تجد بيتًا يصح أن يُقدَّم أو يُؤخَّر، ولا بيتين يمكن أن يكون بينهما ثالث، وأكِلكَ إلى سلامة ذوقك وعلو همتك، إن كنت من أهل الرغبة في الاستكمال، لتتبع هذه الطريقة المثلى»

في نهضتنا الأدبية المعاصرة يقف هذا الرائد الشيخ حسين المرصفي الذي بعث النقد التقليدي وساعد في حركة البعث الأدبي كله وطرائقه مساعدة فعالة، بل اهتدى بفطرته السليمة إلى بعض ما تردَّى فيه بعض نقاد العرب القدماء مثل قدامة بن جعفر عندما عرَّف الشعر في كتابه نقد الشعر؛ بقوله: «إنه الكلام الموزون المقفَّى.» وجاراه في هذا التعريف جميع من خلفه، على حين نرى الشيخ المرصفي بفطرته الأدبية السليمة يقول: «وقول العروضيين في حدِّ الشعر إنه الكلام الموزون المقفَّى ليس بحدِّ لهذا الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة، فلا جرم أنَّ حدهم ذلك لا يصلح له عندنا، فلا بدَّ من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية، فنقول: إنَّ الشعر هو الكلام البليغ، المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به».

ويكفيه فخرا في هذا التعريف أنَّه فطن إلى خاصية أساسية تميز الأدب عامة والشعر خاصة عن غيره من الكتابات، وهي التصوير البياني بدلًا من التقرير الجاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock