مدونة أصوات

عندما غنت أم كلثوم في قلب كهف مظلم “القلب يعشق كل جميل”

من ذا الذى لا يعشق أم كلثوم؟ كيف لا تتربع على عرش القلوب حتى اليوم، وهى سيدة الغناء العربي الأولى؛ حيث تجتمع الحنجرة الذهبية التي لم يجد الزمان بمثلها مع أعذب الألحان، وأمتع القصائد والكلمات في وصلة طرب متكاملة تشنِّف الآذان وترهف الحس وترتقى بالذوق العام.

تبقى أم كلثوم حتى اليوم عصيَّة على النسيان، بعد أن تجاوزت حدود التاريخ كما فعلت من قبل بالقفز على فواصل الجغرافيا، وحصار الأمكنة وخلافات السياسية حيث كان الجميع من المحيط إلى الخليج ينتظرون موعد حفلتها؛ ليستمتعوا رغم بعد المسافات وشدة الفروقات والتباينات في الثقافات واللهجات والظروف الاقتصادية والنظم السياسية بوصلات طرب الست.

كنت مثل بقية أبناء جيلي ممن ولدوا في نهايات السبعينات، ومطلع الثمانينات منجذبا بالكلية إلى ما يعرف بالأغنية الشبابية حيث الإيقاع السريع والألحان الرنانة ولا يتجاوز الأمر في المعتاد خمس دقائق ينتهى بعدها كل شيء، ويمكنك بعدها أن تنتقل في سهولة ويسر من مطرب إلى آخر. وهكذا يمضى كل شيء سريعا.. كان يتملكني في ذلك الوقت قدر من الدهشة من هذا الصبر الطويل الذى كان يتحلى به أسلافنا، والذى يمكن معه أن يقوموا باقتطاع ساعة كاملة من وقتهم لسماع أغنية واحدة لمطرب واحد.

وكنت حينها أنظر لنفسي كمشروع مثقف مع أولى سنوات دراستي الجامعية، وكنت أرى أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الأطرش بوصفهم قامات للطرب الحديث، ولكن عجلة الزمن لا تراوح مكانها كثيرا.. والدليل أنَّ جيلنا قد تربَّى على أنغام عمرو دياب وعلى الحجار ومحمد الحلو؛ كما كانت نظرتي تقوم على أنَّ العودة إلى الوراء حتى في عالم الغناء، بالنسبة لجيل شهد انفجار ثورة المعلومات ليس أمرا منطقيا بأي حال.

ولكن الصدفة وحدها جعلتني أكتشف كما كنت غارقا في بحار الوهم، لذا فتحت صفحة جديدة في ملف مراجعاتي الذاتية تبت فيها وندمت على ما أذنبت في حق نفسى بعد حشو مخيلتي بالباطل يوما ما! فلا ينكر الجمال إلا شخص مصاب بمرض فقد التذوق أو في قلبه مرض.

كان ذلك على ما أذكر في صيف عام 1998، حيث قادتني العجلة من أمرى إلى استقلال سيارة بيجو موديل 504، حمولة 7 راكب من القاهرة إلى قريتي بالشرقية وكنت أفضل في العادة الميكروباص بوصفه أكثر اتساعا، وقبل أن يتحرك السائق العجوز بالسيارة خطوة واحدة قام بتشغيل الكاسيت على أغنية “ودارت الأيام” لأم كلثوم ولا أدرى لما خاصمني النوم ساعتها، وهو ما لا يحدث كثيرا أثناء السفر وظللت طوال الطريق مستغرقا مع اللحن والكلمات ومولعا بصوت الست.

ودارت الأيام ومرت الأيام

ما بين بعاد وخصام

وقابلته نسيت إنَّي خاصمته

ونسيت الليل اللي سهرته

وسامحت عذاب قلبي وحيرته

معرفش إزاي إزاي إزاي أنا كلمته

ما اقدرش على بعد حبيبي

أنا ليا مين أنا ليا مين إلا حبيبي

قابلني والأشواق في عنيه

سلم وخد ايدي في ايديه

وهمس لي قلبي الحق عليه

نسيت ساعتها بعدنا ليه

فين دموع عيني اللي ما نامت ليالي

بابتسامه من عيونه نسّاهالي

أمرّ عذاب، وأحلى عذاب، عذاب الحب للأحباب

لم أنتبه إلا بعد أن توقفت السيارة؛ معلنة عن وصولنا إلى وجهتنا، كان هذا هو الإبحار الأول لي في عالم أم كلثوم الغنائي، وخرجت من التجربة منتشيا للغاية بعد أن نجح هذا الصوت، وتلك الكلمات والألحان في انتزاعي من شواغل عدة كانت تتنازعني كما يحدث لكل منا في العادة.

ويومها قررت ألا أكتفي بالسباحة بالقرب من الشاطئ، في بحر الطرب الكلثومي الأصيل.. وغصت لأول مرة في أعماقه خلال سهرة الخميس وأتبعتها بالثانية والثالثة وشجعني على ذلك أحد أعز أصدقائي، وكان يقطن معي في الغرفة نفسها في المدينة الجامعية، ولم يكن يستمع لأحد سواها على الراديو الصغير الذى كان لايفارقه، فتذوقت أذناي عبير هذا الطرب الأصيل، واعتدت من يومها أن أفزع إلى الاستماع إلى بعض من أغانيها عندما تداهمني -كبقية البشر- بعض الخطوب والملمات.

وعندما عصفت بكياني أزمة عاتية؛ أدخلتني في كهف من ظلمات الهموم والأوجاع سمعت بالصدفة صوتها ينساب من بعيد ” القلب يعشق كل جميل” فسكنت نفسى واطمأنت إلى أنَّ هناك ضوء ما في نهاية هذا النفق بقدرة الله الواحد الأحد التي وسعت كل شيء.

ما أروعها من كلمات وما أعذبها من معان، وما أجمله من صوت وأرقَّه من لحن، لوحة جمالية تلقي في القلب نبع من معين الأمل المتجدد؛ لتهدم أسوار اليأس، وتبدد ظلمة الإحباط مهما تعددت أسبابه.

ما أجلَّ أن يحتمى المرء بهذا الكورس العلاجي المجاني للنفس البشرية المعذبة الذى تمنحه الست عن طيب خاطر؛ لتستقر الروح الهائمة على وجهها في بحر الظلمات اللامتناهي، وتوقن أنَّها سوف ترسو يوما ما على شاطئ أمان؛ حتَّى وإن قُدِّر لها أن تعيش حينا من الدهر في ظُلماتٍ بعضها فوق بعض في عالم يلهث خلف الماديات ويدوس في طريقه على الكثير من القيم الأخلاقية والجمالية التي جُبِلَ البشر عليها، هنا يذوب الإنسان مع الكلمات واللحن والصوت الشجي فلا يبقى من أدران نفسه الجريحة شيئا.

القلب يعشق كل جميل وياما شفت جمال يا عين

واللي صدق في الحب قليل وإن دام يدوم يوم ولا يومين

واللي هويته اليوم دايم وصاله دوم

لا يعاتب اللي يتوب ولا في طبعه اللوم

واحد مافيش غيره ملا الوجود نوره

دعاني لبيته لحد باب بيته واما تجلى لي بالدمع ناجيته

كنت ابتعد عنه وكان يناديني

ويقول مصيرك يوم تخضع لي وتجيني

طاوعني يا عبدي، طاوعني أنا وحدي 

مالك حبيب غيري قبلي ولا بعدي

أنا اللي أعطيتك من غير ما تتكلم

وأنا اللي علمتك من غير ما تتعلم

وما أن تنتهى الأغنية حتى تجد في داخلك رغبة قوية لإعادة الاستماع إليها من جديد؛ لتكتشف أنَّك كنت ممن ضيَّع في الأوهام عمره؛ عندما كنت ترضى لأذنيك بعض الغث، تاركا ما لا ينضب جماله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock