رؤى

تضاؤل الأمل في أن يُصبح القرن الأفريقي مُستقرًا ومزدهرًا

تتلاحق الكوارث في إثيوبيا وتيجراي والسودان والصومال ، مع عواقب وخيمة على الملايين ،ما قد يقوض أي تفاؤل هش بشأن المنطقة

إثيوبيا على شفا حرب أهلية واسعة النطاق.. مع تصاعد المواجهة بين القوات المسلحة الاستبدادية والجمهور ذي النزعة الديمقراطية في السودان. في الوقت نفسه تكتسب حركة الشباب المتطرفة الصومالية زخما على الأرض، وتهدد مرة أخرى الحكومة في مقديشو.

قبل أشهر فقط، كان القرن الأفريقي المضطرب قد استقر لفترة هشة منذ فترة طويلة، كانت تلك الفترة مفعمة بالأمل مع الهدوء النسبي، في وجود مؤشرات على التقدم الاقتصادي والاجتماعي وآمال في الاستقرار السياسي الدائم.

الآن.. تم التراجع عن الكثير من ذلك، وبدت المنطقة التي طالما ارتبطت بالعنف والنزوح والتطرف؛ على وشك الانهيار والمزيد من الخراب الاقتصادي.. ومع تعدد أسباب الكارثة؛ يبدو أنَّ العواقب ستكون وخيمة.

عوامل مشتركة

على الرغم من أنَّ الصراعات ليست مرتبطة بشكل مباشر، إلا أنَّها مدفوعة جميعا بعوامل مشتركة، بما في ذلك الضرر المستمر لوباء فيروس كورونا، الذي أدى إلى تفاقم الاستقطاب السياسي وتفاقم اليأس الاقتصادي في القرن الأفريقي.
ويصف خبراء أفارقة الوضع بأنَّه إعادة ترتيب الفضاء الجيوسياسي، بعد فك الارتباط عن القارة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا تماما، كما أصبح القرن ساحة معركة للمنافسات الإقليمية الناشئة.

يقول “رافايلو بانتوتشي” الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة Royal United Services Institute: “لديك بيئة توقف فيها العالم عن بذل جهود مركزة في محاولة إدارة الموقف وحله، وتركه يخطئ.. وهناك قوى خارجية، مثل تركيا أو روسيا، قد جاءت لتلعب دورا”.

حرب أهلية ومجاعة

إنَّها الأزمة الأكثر إلحاحًا التي تبرز في إثيوبيا، حيث تستعد حكومة “أبي أحمد” للتصدي لهجوم من قبل متمردي “تيغراي” الشماليين وجيش تحرير “أورومو” المتحالف معه.

هدف المتمردين هو دخول العاصمة أديس أبابا، الواقعة في منطقة حضرية، يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، وهي واحدة من أهم مدن إفريقيا.. وهي المقر الرئيسي للاتحاد الأفريقي، ومركز النقل الرئيسي للقارة، وموقع العديد من المنظمات الدولية.

يقول “كاميرون هدسون” وهو محلل سابق في وكالة المخابرات المركزية مختص بالشأن الإفريقي، وهو الآن زميل أقدم في المجلس الأطلسي ، وهو مركز أبحاث في واشنطن: “فكرة خوض معارك في الشوارع أمر لا يمكن تصوره”.

وقد أعلن “أبي أحمد” خلال هذا الأسبوع حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر، ودعا المواطنين إلى حماية العاصمة.في حين تشير أصابع الاتهام إلى قواته المسلحة بشأن مقتل العشرات في غارات جوية في المناطق الشمالية من البلاد – وهي الجريمة الأحدث في سلسلة الفظائع التي ارتكبت على أيدي كلٍ من الجيش من جانب، والجماعات المتمردة من ناحية أخرى، والتي تم توثيقها في تقرير للأمم المتحدة.

وكانت تسع جماعات مناهضة لـ “أبي أحمد” على وشك إعلان تحالف فيما بينها يوم الجمعة الماضي، بحسب رويترز.

بدأت أزمة إثيوبيا قبل عام عندما شن “أبي أحمد” هجومًا سريعًا ضد متمردي “تيغراي” وقد اجتذب الهجوم “إريتريا” التي تدعم حكومة أديس أبابا.. وقد حذَّرت الأمم المتحدة مؤخرًا من “أزمة إنسانية هائلة” في إثيوبيا، حيث يواجه أكثر من أربعمئة ألف شخص ظروفًا تقترب من حد المجاعة.

السودان المضطرب

ويرافق الوضع اضطرابات كبيرة في السودان، حيث وضعت القوات المسلحة الكثير من القيادة المدنية في البلاد قيد الاعتقال معرضة للخطر ازدهارا ديمقراطيًا احتفى به كثيرا في أعقاب ثورة عام 2019.

وتجري المحادثات الآن بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة من جانب، وقائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان من جانب آخر؛ لإعادة الحكومة الانتقالية؛ لكن رئيس الوزراء المخلوع عبد الله حمدوك ما يزال قيد الإقامة الجبرية، على الرغم من التأكيدات العسكرية بإطلاق سراحه.

بالنسبة للصومال.. أصبحت حركة الشباب، وهي جماعة مسلحة سيئة السمعة مرتبطة بالقاعدة، وتمثل تهديدا للحكومة في الصومال منذ سنوات – أكثر جرأة واكتسبت زخما؛ بعد استيلائها على عدة مناطق، كانت خاضعة سابقا لسيطرة السلطات.

تحولات هشة

لقد أدى التغيير السياسي الهائل في السنوات الأخيرة في كل من السودان وإثيوبيا، إلى فترات انتقالية دقيقة تتطلب قيادة بارعة.. بعد أن تمت الإطاحة بعمر البشير، ديكتاتور السودان -ومجرم الحرب المزعوم- في انقلاب عام 2019، عقب انتفاضة شعبية. أما في إثيوبيا فقد أسقطت موجة من السخط الشعبي؛ دكتاتورية طويلة الأمد، وأتت بـ “آبي أحمد” إلى السلطة في عام 2018.. لكن لا السيد “أبي” ولا زُمرة الجنرالات الذين يتمتعون بالسلطة النهائية في السودان أبدوا اهتمامًا كبيرًا بتكوين بيئة سياسية شاملة.
يقول “أحمد سليمان” المتخصص في شئون إفريقيا في مركز “تشاتام هاوس”: “ما حدث في كلا البلدين هو تحولات داخلية.. لقد ظهرت أنظمة سياسية جديدة ما تسبب في وجود تحولات هشة للغاية في كلا البلدين”.

ويصف “هدسون” الخبير المتقاعد في وكالة المخابرات المركزية في عام 2012، الأزمة في القرن الأفريقي بأنَّها رد فعل متأخر على الابتعاد عن إفريقيا من قبل الولايات المتحدة؛ التي بدأت في عهد الرئيس “ترامب” الذي أعطت تحركاته الضوء الأخضر لكل من المستبدين المحتملين والقوى الإقليمية التي تسعى لملء الفراغ، بما في ذلك روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

لقد أمضت الولايات المتحدة الجزء الأكبر من السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة في التأكيد على تراجعها للداخل، تحت شعار “ترامب” “لنجعل أمريكا أولًا” بعد أن شكك في جدوى القوات الأمريكية في القارة؛ وقلل باستمرار من قيمة المشاركة الدبلوماسية.. فلم يسافر إلى إفريقيا ولا مرة. وقد أدى هذا الانسحاب للنفوذ والتدخل والوجود الأمريكي من القارة السمراء؛ إلى خلق فراغ في السلطة؛ وهو ما نشهد آثاره الآن.

بشكل عام فقد أدى التركيز الغربي الشامل على مكافحة الإرهاب وإقامة علاقات مع قوات الأمن وقادتها إلى تقويض أي محاولات لتعزيز الحوكمة الفعالة والشاملة والشفافية.. فـ “القوى التي يعمل معها الغرب على الأرض هي التي ترغب في أن تكون سلطوية تماما”. هذا ما أكده السيد سليمان المتخصص في الشأن الإفريقي في مركز “تشاتام هاوس”. كما أنَّه من الصعب جدا في مثل هذه الظروف ومع توابع تلك الأزمات –انتظار أن تعود المنطقة إلى الحياة الطبيعية ، أو حتى ما يشبه الحياة الطبيعية.

وقد ارتفع الإنفاق العسكري لإثيوبيا بشدة، واستمر الاستثمار الأجنبي المباشر في التعثر، على الرغم من المؤشرات المتفائلة قبل بدء الصراع الحالي.. لذلك فمن المرجح أن تكون تكاليف إعادة الإعمار مذهلة.. كما تم تعليق حزم المساعدات الاقتصادية الدولية للسودان، حيث كانت القيادة المدنية –التي هي الآن رهن الاحتجاز– قد حققت – إلى حد كبير– نجاحات لابأس بها؛ مع المقرضين والمجتمع الدولي.

كما أُحبطت محاولات الصومال لمنح تراخيص صفقات نفطية، وكذلك جهوده للحصول على مساعدات إضافية، بسبب حالة عدم اليقين السياسي والتأخير المستمر في الانتخابات المقرر إجراؤها في وقت سابق من هذا العام.
ويقول “باتريك هاينش” الباحث في شئون إفريقيا والشرق الأوسط في Helaba”” أحد أكبر البنوك التجارية في ألمانيا: “لقد حدث تدهور كبير حقًا.. فعلى الرغم من دعم المجتمع الدولي، لم تكن هذه الدول قادرة على خلق اقتصاد مستقر أو استقرار سياسي مستدام لتشجيع الاستثمار الأجنبي. وهذا مخيب للآمال “.

تامر الهلالي

مُترجم وشاعر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock