رؤى

القُمُّص “سرجيوس”.. القبطي الذي اعتلى منابر المساجد

بدا المشهد مدهشا لمن حضر في ذلك اليوم من شهر مارس من عام ١٩١٩، إذ اعتلى رجل دين مسيحي بملابسه الكهنوتية منبر الجامع الأزهر الذي كان قبلة المتظاهرين المطالبين باستقلال مصر، وعودة قادتها المنفيين.. وما لبث الرجل أن بدأ في إلقاء خطاب حماسي على مسامع الحاضرين.

إلا أنَّ دهشة المستمعين سرعان ما تبددت حين عرفوا هوية هذا القمص؛ إنَّه القُمُّص “ملطي سرجيوس عبد الملك” أحد أبرز رجال الدين الأقباط وأكثرهم مشاركة في احداث ثورة ١٩١٩.

كان القُمُّص الذي ولد عام ١٨٨٣، أي بعد عام واحد من الاحتلال الإنجليزي لمصر، قد بدأ دراسته اللاهوتية منذ سن السادسة عشرة؛ لِيُرَسَّم –بعد ذلك– كاهنا على “مَلَّوِي” في صعيد مصر عام ١٩٠٤، ثم عُيِّن وكيلا لمطرانية أسيوط عام ١٩٠٧.

وتشير الباحثة “صفا سالم تايه” في دراسةٍ لها عن شخصية القُمُّص ودوره الوطني إلى أنَّ “سرجيوس” حين عمله في السودان، وتحديدا في مطرانية الخرطوم؛ أصدر مجلة بعنوان “المنارة المرقسية” والتي كانت تشن هجوما حادا على الاستعمار البريطاني، ما جعل الحاكم البريطاني للسودان “وينجت” يأمر بترحيله وإعادته الى مصر.

وحين اندلعت ثورة ١٩١٩، لم يتردد القُمُّص في الانضمام إليها، حيث يصف ذلك المشهد بقوله أنَّه حين سمع بخبر اعتقال ونفي سعد زغلول ورفاقه وتناهى إلى مسامعه هتاف المتظاهرين –تدفقت الدماء حارة الى رأسه وكأنَّها بركان؛ فأسرع الى الشارع وانضم إلى المتظاهرين.

وحين بلغت المظاهرة الضخمة العدد رحاب المسجد الأزهر، قام القُمُّص في المتظاهرين خطيبا وبدأ خطبته بعبارة “بسم الله الرحمن الرحيم” ثم مضى ليقول “إنَّ الوطن لله وإنَّ عبادة الوطن وعبادة الله سواء” وأنَّه في سبيل مصر ينسى أنَّه قبطي لأنَّ مصر لا تعرف مسلما ولا قبطيا وإنَّما تعرف أنَّ الكل أولادها.

وتؤكد الباحثة أنَّ شيوخ الأزهر كانوا يرحبون ب القُمُّص “سرجيوس” وخطبه، وفي مقدمة هؤلاء الشيوخ الشيخ مصطفى القاياتي والشيخ محمود أبو العيون وغيرهم خاصَّة وأنَّه كان يؤكد في خطبه أنَّ الوطن لا يفرِّق بين عمامة بيضاء وأخرى سوداء.

وكان القُمُّص “سرجيوس” يؤكد في كل خطاب على وحدة الهلال مع الصليب والتي أصبحت شعارا للمتظاهرين؛ بل وذهب في إحدى خطبه إلى حد القول أنَّه إذا كان استقلال المصريين يحتاج إلى التضحية بمليون قبطي فلا بأس بهذه التضحية.

ولم يكتف القُمُّص بالمنابر وإنَّما خرج إلى الشارع الملتهب بالتظاهرات، وأصبح قسما منه، وكان المتظاهرون يلتفون حول عربته يستمعون إليه ويهتفون خلفه.

ومن المواقف الطريفة أن القُمُّص؛ طَالَبَ المتظاهرين في إحدى المرات بالهتاف بحياة الإنجليز ما أثار استغرابهم؛ إلا أنَّه ببديهته الحاضرة أوضح لهم أنَّ الإنجليز يستحقون التحية لأنَّهم بظلمهم واستبدادهم ووحشيتهم تجاه المصريين استطاعوا توحيد صفوفهم.

وكان القُمُّص يتقدم الصفوف ولا يخشى رصاص المستعمر، حيث هدده جندي إنجليزي ذات مرة، ووجَّه سلاحه الى صدره فصاح القُمُّص على مسمع من المتظاهرين المحيطين به “متى كنا نخاف من الرصاص والموت؟ دعوه يقتلني لِتُطَهَّر أرض مصر– من رجسهم– بدمي”.

وكان القُمُّص يتناوب على الخطابة مع رفيق دربه الشيخ القاياتى وبلغ كلاهما من البلاغة أن استمرا في إلقاء الخطب الحماسية من فوق منبر مسجد أحمد بن طولون لمدة أربع ساعات متواصلة.

كان من الطبيعي أن يسعى المستعمر الى إسكات صوت القُمُّص والشيخ فقامت سلطات الاحتلال بنفي كليهما إلى رفح في أبريل من عام ١٩١٩.

إلا أنَّ النفي والاعتقال لم يغيرا من صلابة القُمُّص والتي عبر عنها في حوار مع ضابط إنجليزي قال له “صبرنا عليك أربعين يوما و أنت تخطب ضدنا” فرد القُمُّص “أنت لم تحتملني في بلادي أربعين يوما فكيف احتملناكم نحن أربعين عاما؟”.

استمر اعتقال ونفي القُمُّص ورفاقه حتى صيف ذلك العام وتحديدا حتى شهر يوليو ثم أفرج عنهم ليعودوا الى صفوف الثورة مرة أخرى.

وقد عبَّر القُمُّص عن تلك الروح التي سادت في تلك الفترة في مذكراته التي نشرتها لاحقا مجلة “المنارة” بقوله “ضبط المصريون أنفسهم فكانوا مثالا أعلى لضبط النفس فنسي المسلمون والمسيحيون كل شيء كانت لوحت به أشباح الماضي الديني فلم يذكروا إلا أنَّهم إخوة من دم واحد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock