رؤى

” فتح” أم “غزو واحتلال”حول الفتوحات الإسلامية.. ست نقاط ضابطة في قضية مثيرة وزاعقة

كثيرا ما يثار وينطرح جدل مثير حول ما يسمى الفتوحات الإسلامية، وكونها خيرا أو شرا، أو فتوحات مباركة أم احتلالات ظالمة، وهو جدل انتقل بفعل الثورة المعلوماتية والتواصلية إلى آفاق شعبية وجماهيرية واسعة، وتزيد من نيرانه ولهبانه قضايا الحسبة ومصادرة الرأي الآخر، ونشاط المعركة مع المقدس سواء من قبل بعض متطرفي الأديان أنفسها، أو عبر الاتجاهات الفكرية الأخرى، وموجز هذه القضية يتركز حول حقيقة ووصف الفتوحات الإسلامية في القرون السالفة، وهل هي غزوات واحتلالات لبلاد وشعوب تستحق الإدانات واستنزال اللعنات عليهم أم أنَّها فتوحات تستحق التكبيرات والثناءات. 

من هنا أكتب في هذا الموضوع، رغم عدم حماسي لكل قول ليس تحته عمل، كما يقول القدماء، ورغم رؤيتي أنَّها قضايا كلامية لن تزيد فضاء الناس إلا مزيدا من الكلام على الكلام، وتزيد من غربتهم ولاوعيهم التاريخي والواقعي، دون أن تمكن للتنوير والعقل الهادئ فيه، إلآ أنَّني ورغم انشغالات خاصة مشتتة وعميقة وإيمانا  بأهمية النقد العقلي، وأولية العقل، لا أصادر رأيا ولا أحجر على صاحب شبهة أو رأي، وددت أن أشتبك مع هذه القضية ذات الطابع التاريخي واللغوي، في عدد من النقاط، قد تكشف أبعادا أخرى في المسألة وتهدِّئ من زعيقها وثوران الثائرين الطائرين بها في كل اتجاه، ولا أقول قد تحسمها وإن كنت أتمنى ذلك بالطبع: 

أولا: أنَّ الفتوح كوصف التزمه المنتصرون والفاتحون غالبا في كل زمن لانتصاراتهم، فكانت فتوحات “كورش” الكبير واشتهرت فتوحات الإسكندر الأكبر التي لم توصف سلبا من المؤرخين الذين خلدوا أصحابها والذين احتوتهم حضارة المدن  “الهيلينستية” التي أنتجتها هذه الفتوح بعد فترة. 

الإسكندر الأكبر
الإسكندر الأكبر

ثانيا: لم تفرق الروايات الإسلامية، في كتب السنة أو كتب التاريخ، ولا قواميس اللغة، من لسان العرب والمحيط، بين اللفظين، فوصفت حروب بالغزوات،  ووصفت أخرى بالفتوحات، وتبادل الوصفان مكانهما أحيانا كثيرة، فقيل غزوة خيبر وقيل فتح خيبر، ولم تكن مشكلة كتلك التي نراها، وأثنى النبي على كليهما ووعد بهما.

ثالثا: رغم عدم التفريق القديم بين أوصاف الفتوحات والغزوات والانتصارات، مع التحفظ على تعبير محتل واحتلال الحديث نسبيا والذي لم يستخدمه الأقدمون على الأقل في لغة العرب، إلا أنَّ المعنى والدلالة يختلفان كما سنوضح في المحور التالي.

رابعا: تبدو لفظة ووصف “الفتح” –كما ذكرنا– تعبيرا وتوصيفا من المنتصرين لانتصاراتهم حين تحمل الغنائم والتوفيق لهم، وتحقق الوعد أو السيطرة الكاملة، حيث الفتح بمعنى الدخول والاستقرار داخل المكان، وهو ما يوصف به الانتصار، أما الغزو فيوصف لفعل الحرب والاستعداد لها والخروج إليها فقط. 

خامسا: لم يكن الجهاد فرضا دينيا خاصا بالمسلمين، وما ينتجه عنه حال الانتصار من فتوحات أو غزوات، ولكن تم فرضه  مع اليهودية ونبي الله موسى حين وعد الله المؤمنين به الأرض المقدسة، قبل الإسلام  بأكثر من ألفى عام، ومن ثم كان فتح فتى موسى ونبي اليهود وحاكمهم يوشع بن نون الأرض المقدسة، بعد رحيل موسى عليه السلام، حيث يقول الله تعالى في سورة المائدة:

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَاكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 20 يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ 21 قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ 22 قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 23 قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ 24 قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ 25 قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِم أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ 26).

وحسب الآثار والروايات الدينية توسع نبي الله الملك داود في الجهاد والغزو، فكان يغزو عاما، وكان مع كل انتصار يحتفل بفتوحاته، أو غزواته، على جبل صهيون في القدس الذي نسبت له الصهيونية، كاستعادة لملك داود وبني إسرائيل معه. 

سادسا: إن الفتوحات والغزوات كانت سمة العصور القديمة، و لم تكن سمة أو ثمرة دينية فقط، بدأها موسى وكتبها الله على من قبل المسلمين فقط وهو كره لهم، فقد تخلف اليهود مع موسى عنه، وتخلف عن محمد-ص- الثلاثة الذين خلفوا، ولكنه كان سمة العصور والحضارات القديمة، سعيا للكسب والغنائم والجزيات وغير ذلك، فقد كانت عصور التزمها من كانوا فيها، بما كان فيها ولم تكن بهذه الحساسية الحضارية الحديثة التي مكَّنت في قلب حداثتها لحق الشعوب في تقرير مصيرها وحريتها…ولا يجوز معايرة الشيء بغير معياره ولا قراءة التاريخ خارج سياقاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock