ثقافة

“ابن خلدون” رَائِدٌ أَمْ مُنْتَحِلٌ.. بَرِيءٌ أمْ مُتَّهَمٌ!.

اشتدَّ الخلاف حول شخصه ومنجزه الفكري وآثاره في كثير من العلوم مثل: علم الاجتماع، وعلم فلسفة التاريخ، وعلم الحديث، والفقه المالكي.. وما يمكننا أن نسيمه اليوم علم النفس التعليمي والدراسات التربوية.. شهد له كثيرون بالفضل والريادة ووصفوه بالمؤسس لعلم الاجتماع ونظرياته. تلك النظريات التي اعتمد فيها على منهج يرتكز إلى الجوانب السياسية التي خبرها من خلال تجربته بالغة الثراء في تونس والمغرب وبلاد الأندلس ومصر.. من شهدوا له بتك الريادة، لم يفتهم اتهام معظم المفكرين الأوروبيين على مختلف مدارسهم بسرقة أفكاره دون الإلماح إليه بوصفه مفكرا وعالما تأسيسيا.. أما أعداؤه وشانئوه.. فحدِّث ولا حرج.. لم يكتفوا بمحاولاتهم  المضنية لإثبات سرقته لأفكار إخوان الصفا، بل طال هجومهم أخلاقه ودينه وذمته.. مع سرد كثير من القصص ترمي إلى أنَّ المصريين نقموا عليه أشد النقمة، لما رأوه منه من سيئ الأخلاق وذميم العادات.. لا شك أنَّها قضية تستحق النقاش، تلو النقاش وأن نُفرد لها من الوقت والجهد والبحث الدءوب ماهي أهل له، دون الاتكاء على أحكام مسبقة، أو تبني رؤى يعوزها الكثير من الأدلة والبراهين التي تثبت لها الصحة والسلامة من الخلل.

من “ابن خلدون”؟

هناك عوامل كثيرة بالغة الأهمية شكّلت شخصية “ابن خلدون” لا يجب أن نغض الطرف عنها.. فهو ابن عصر الانكسارات الكبرى والهزائم المريرة وانهيار الحضارات في الشرق الإسلامي.. ليس هذا فحسب، فلقد جرَّب “ابن خلدون” فقد الوالدين وهو مازال حدثا، بعد أن اجتاح وباء الطاعون البلدة؛ حتى معلموه الذين كان يختلف إليهم للدرس.. سقطوا ضحية هذا الوباء؛ ليجد الصغير نفسه وحيدا مضطرا للعمل وكسب العيش.. لكن الأقدار ترفق به فيكون عمله لدى سلطان المغرب الأقصى “أبو عنان” –عضوا في المجلس العلمي بفاس.. لكن هذا العمل سيكون سببا في دخوله السجن!.

ونحن لا نقطع بالأسباب التي أدَّت به إلى تلك المحنة، فهناك رأيان، الأول أنَّ ذلك قد حدث بسبب وشاية من نقموا عليه هذا المنصب مع حداثة سنه، والآخر يقول بأنَّه ربما ارتكب أمرا شنيعا كان سببا مباشرا في ذلك.. فقيل أنَّه شارك في حركة تمردٍ، وئدت في مهدها.. أيا كانت الأسباب، فلقد كانت تجربة السجن بالنسبة له تجربة بالغة الثراء استطاع “ابن خلدون” أن يتعرف خلالها النفس الإنسانية عن قرب ، مكاشفة دون أقنعة.. ولعل ما شعر به من ظلم شديد في هذه المحنة هو ما حدا به إلى القول في مقدمته: “…فمن أخلاق البشر؛ فيهم الظلم والعدوان بعضهم على بعض؛ فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه امتدت يده إلى أخذه.. إلى أن يصده وازع.. ويضيف والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلِعِلَّة لا يظلم”.

عامان في السجن لابد أنَّهما قد تركا في نفس الفتى آثارا غائرة؛ لا يمكن محوها.. خاصَّة أنَّه كان ما يزال في مرحلة مبكرة فكريا.. ومن الممكن أن تكون هذه الفترة قد شهدت بداية تدوين ابن خلدون لأفكاره، وللمواقف والأحداث التي عاينها في السجن أو ترامت إلى مسامعه من السجناء.. تدل على ذلك ثقافة الرجل الواسعة، وإحاطته بكثير من دقائق الأمور، وميله إلى التفصيل والبيان، فيما يمكن فيه الإجمال.

ارتحال مستمر وسخط متلاحق

ولعل موقف “ابن خلدون” مع “أبو عنان” يكون دالا على أنَّه لم يكن من أهل المداهنة والزلفى، ولا ممن يستطيعون مداراة أمورهم؛ لتجنب غضب الحكام والسلاطين، وهو ما تؤكده سيرته بعد ذلك؛ إذ لازمه ذلك الأمر طيلة حياته مع تنقله بين بلاد المغرب العربي والأندلس وكذلك عندما جاء إلى مصر، التي قضى بها ثلث عمره منتقلا بين سخط السلاطين ورضاهم.. حتى أنَّ البعض لا يستطيع أن يحصي مرات تقلُّده منصب قاضي قضاة المالكية، مع تكرار عزله!.

مقدمة ابن خلدون
مقدمة ابن خلدون

لم ينقطع “ابن خلدون” طوال تلك السنوات عن القراءة والدرس، وهو ما تزامن مع وضعه لأسس منهجه ونظرياته، وهو ما يجعله ذا متانة علمية لا ترتقي إليها اتهامات الانتحال والسرقة التي روَّجها لها البعض، فأفكاره حول العمران ومراحل تطور ونشأة الدول وعوامل ضعف وفناء الأمم وغيرها.. لا يمكن أن تكون أفكارا مستلهمة من الفراغ؛ إنَّما هي نتاج قراءات طويلة معمقة، ونتاج عقل واعٍ دءوب لا ينفك يرصد الظاهرات الاجتماعية من حوله، ويعمل عليها وفق حصيلة هائلة من الاطلاع على التجارب السالفة، وتمحيصها على النحو الذي ينتج في النهاية فكرا متفردا ورؤية واضحة تكون لها الريادة، وصفة التأسيس دون مبالغة أو مجاملة.

لذلك فنحن أميل إلى رفض تلك الاتهامات التي ألقاها البعض على الرجل، دون النظر في بواعثها، وإن كان من الواضح أنَّ مؤهلات الرجل العلمية، وما عُرف عنه من الصدق والفصاحة وحسن المحيا والقبول لدى العامة والخاصَّة، قد جرَّ عليه الكثير من العداوات التي مبعثها الغيرة والحسد والتنافس على المناصب.. خاصَّة في مصر التي قضى فيها ثُلث عمره تقريبا.

العُزلة اختيار نهائي

لقد وصل ابن خلدون إلى يقين شبه كامل، بأنَّ أمور السياسة والحكم لا تؤمن عواقبها، كما أنَّها تفسد طبائع البشر، وذلك بسبب ما رآه من رجال الحكم من عدم اعتبار بمصائر السابقين، وولعهم بالبطش-قد حثَّه على اجتناب ذلك كله، واعتزال الناس والمناصب، والتفرغ الكامل للتأليف لإنجاز مؤلفه الأهم “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” فأتمَّه بعد أربع سنوات من العمل المتواصل في قصر “بني عريف” في “قلعة ابن سلامة” بمقاطعة وهران بالجزائر.

والسؤال الآن، ما حجم استفادتنا من تراث “ابن خلدون ” وأفكاره ومنجزه العلمي؟ الحقيقة أننا من أقل الأمم استفادة من هذا الكنز النادر؛ فلقد سبقنا الغرب إلى ذلك منذ سنوات بعيدة، واستطاع المفكرون الغربيون استلهام رؤية مؤسسة للنظام السياسي الحديث آخذين في الاعتبار ما أكد عليه “ابن خلدون” من شروط تطور المجتمعات علميا واقتصاديا وثقافيا؛ وقد “طبّق عدد من الباحثين المعاصرين نظريات “ابن خلدون” على مجتمعاتنا المعاصرة وعلى الجيوسياسة التي نشهدها الآن. وتمثيلا لا حصرا، هذا ما فعله الباحث الفرنسي “غابرييل مارتينيز غرو” في كتابه “موجز في تاريخ الإمبراطوريات. كيف تنشأ، وكيف تضمحلّ”. كما أفاد المؤرخ البريطاني “إريك هوبزباوم” في كتابه “عصر التطرفات”  من نظرية “ابن خلدون” في تفسير أسباب انحسار الاستعمار تدريجيًّا بعد الحرب العالمية الثانية، وظهور الدول القومية في العالم الثالث ثم ما حدث بعد ذلك من خلخلة لتلك النظم بفعل الثوراتُ الاجتماعية والسياسية، التي اندلعت في عدد من بلداننا العربية بعد عام 2010م.. واستغلال ذلك من قبل القوى المهيمنة، وإعادة إنتاج بعض النظم السلطوية التابعة على نحو أسوأ.

إريك هوبزباوم
إريك هوبزباوم

نبذ تتوارثه الأنظمة السلطوية

يُعزي بعض المتخصصين في الدراسات المتعلقة بالفكر “الخلدوني” أسباب عدم الإفادة من تراثه إلى أنَّ الأنظمة في العالم الثالث تعتبر تناول نظرية نشأة الدول وسقوطها؛ نذير شؤم.. إذ يرى “ابن خلدون” أنَّ العنف ينشئ العنف، والبطش بالرعية مهما طال؛ يؤذن بالثورة.. كما يذهب إلى أنَّ الشعوب لا يَسْلُس قيادها إلا بالعدل والرحمة.

يقول ابن خلدون: “إنَّ الملك إذا كان قاهرا، باطشا بالعقوبات، مُنَقِّبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلَّقُوا بها”.

لا شك أنَّنا نحتاج إلى إعادة قراءة “ابن خلدون” في ظل المتغيرات التي عصفت بعالمنا العربي بعد ما سُمَّيَ بثورات الربيع العربي التي كان من نتائجها، انتشار الخراب في ربوع الوطن العربي وخروج دول من بوابة التاريخ إلى غير رجعة في المدى المنظور.. إنَّ تلك القراءة الجديدة جديرة بأن تلهمنا حلولا ورؤى لذلك الواقع الذي تشابكت صوره وغمضت أحواله حتى صار حاضره لا يعلم أكثر من غائبه.. حيث صار الالتباس طبيعة لكل الأمور العامة التي غاب عنها الحسم وبعد عنها الوضوح، فصار الناس في زماننا أسرى أوهام استبدلت بالحقائق.. وهو ما حذَّر منه “ابن خلدون” الذي غادرنا من ما يربو على ستمائة عام.. لكننا تقريبا زالنا نراوح في المكان ذاته.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock