رؤى

الدكتور حسن حنفي ومشروعه الفكري التنويري

أصوات:

يموت الشخص ولا تموت أفكاره فما بالك إذا كان صاحب مشروع فكري كبير، وكما لم ينقطع الحديث عن طه حسين ومحمد حسنين هيكل وسمير أمين وأنور عبد الملك وعابد الجابري وجمال حمدان ومئات غيرهم بعد وفاتهم لن ينقطع الحديث عن الدكتور حسن حنفي، ومشروعه للجمع بين التجديد والتراث اتفاقًا واختلافًا.. وهذا مقال جديد يقرأ مشروع حنفي ومحاولته الجادة لتقديم إجابات علي أسئلة التقدم والتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والتضامن بين المقهورين في العالم في اطار فهم ( تقدمي) لجوهر الدين الإسلامي الحنيف.


رحل مؤخراً عن عالمنا الفيلسوف والمفكر المصري والعربي الكبير الدكتور حسن حنفي، تاركا وراءه تراثا لا ينفذ من الكتابات والإسهامات رفيعة المستوى التي أثرت الفكر العربي وأضافت إليه على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان، ولم يكن أبدا في موقع رد الفعل بل كان رحمه الله فيلسوفا ومفكرا مبدعا ومبتكرا، سواء في الأطروحات التي صاغها أو في القضايا التي تناولها أو في أسلوب المعالجة الذي تبناه أو في المنهج النقدي العلمي الذي طوَّره وتعامل به مع الموضوعات التي خاض غمارها بشجاعةٍ أدبيةٍ وجرأةٍ علميةٍ تحسب له دون شك.

وعلى مدار سنوات طويلة لمشروعه الفكري التنويري بلغت العقود الخمسة تقريبا، تميَّز المنهج النقدي لدي الدكتور حسن حنفي بقراءة واعية ومتعمقة لمحاولاتٍ سابقةٍ عليه لتجديد الفكر الإسلامي والعربي ولتبني منحىً تنويريا، حيث رأى من جانبه أنَّ دعوة جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده كانت تجمع بين النزعة الإصلاحية والرسالة التنويرية عبر الاعتماد على العقل والإعلاء من شأنه، وذلك من خلال الأخذ بأساليب التقدم الحديث في مختلف مناحي الحياة من اقتصاد وسياسة وتعليم وغير ذلك، واعتبر أنَّها دعوة حاولت الجمع بين العمل على مقاومة الاستعمار والاعتداءات الخارجية على العالمين العربي والإسلامي مع مواجهة التخلف والاستبداد في الداخل العربي والإسلامي وفي ذات الوقت العمل على توحيد الأمة العربية والإسلامية على أسس سليمة. إلا أنَّ قراءته لهذه الحركة الإصلاحية أنها –خاصة بعد الاحتلال البريطاني لمصر وتردي أوضاع الدولة العثمانية بأكثر مما كانت متردية –تراجعت وانقسمت وتفتتت إلى طرق متباينة ما بين نزعة تركز على المنهج التربوي الفردي الذي يسعى لبناء الأخلاق، وأخرى ترفض الانفتاح على معطيات المدنية الحديثة، وثالثة تضعف وتقلل من دور العقل وتسعى إلى تهميشه، ورابعة تتجه إلى تبني النظرة السلفية للأمور.

     ثم قدَّم لنا المفكر الكبير الراحل الدكتور حسن حنفي رؤيته لنشأة النزعات الليبرالية في الفكر العربي الحديث، حيث رآها شديدة الصلة والارتباط في نشأتها بالفكر الإسلامي ممثلا في رفاعة رافع الطهطاوي الذي حاول اكتشاف المبادئ الليبرالية في التراث الإسلامي، ولكنَّ هذا التوجه الأصلي في بواكير الفكر الليبرالي العربي قد خبا بدوره لدي أجيال تالية من الليبراليين المصريين والعرب، حيث أعطى مثالا على ذلك من جهة بكل من الدكتور طه حسين والأستاذ أحمد لطفي السيد اللذين اعتبر أنَّ دور الفكر الإسلامي كينبوع لتطور ليبرالية عربية لديهما قد تراجع مقابل تعاظم مكونات مأخوذة من الفكر الغربي، وأعطى مثالا آخر بالأستاذ عباس محمود العقاد والذي اعتبر الدكتور حسن حنفي أنَّه انتهى به الأمر إلى محاولة الجمع ما بين رومانسيةٍ أدبيةٍ ورومانسيةٍ دينية.

     وفيما يتعلق بالتيارات العلمانية والتي بدأها عدد من المسيحيين العرب في بلاد الشام، ومنهم من كان قد هاجر إلى مصر واستقر بها وساهم في بناء الصحافة والعديد من أوجه الفكر والثقافة والفنون فيها، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر شبلي شميل وسلامة موسى وغيرهما، فقد رأى الدكتور حسن حنفي في هذه التيارات ما اعتبره رد فعل من جانب أقليات تسعى للدفاع عن نفسها في مواجهة ما اعتبرته تلك الأقليات آنذاك توسُّعا للحركات الإسلامية، ومن ثم اندفع هؤلاء نحو الغرب باعتباره النموذج الوحيد للحضارة والمدنية من وجهة نظرهم، ومن منطلق أنَّ الدين يجب أن يبقى علاقة ثنائية بين الإنسان وخالقه، وهكذا بدأ بعض هؤلاء في التبشير بالقومية، على النسق الغربي المطلق، والاشتراكية، المستقاة من مصادر غربية بحتة، كبديل عن المرجعيات الإسلامية أو عن التوجهات العروبية المنبثقة عن مسار التطور التاريخي والحضاري للإسلام والمرتبطة به.

    واستنتج الدكتور حسن حنفي من ذلك أنَّ مسار المشروع التنويري الذي بدأ بجمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده في القرن التاسع عشر انتهى إلى الانحسار، وتفكك بمرور الوقت إلى روافد منقطعة الصلة ببعضها البعض، وانقسم ما بين تيارات معادية لكافَّة قيم الحداثة والتنوير تحت شعار الدفاع عن هوية الأمة وأصالتها وتراثها وما بين تيارات اتخذت من الغرب محرابا ونموذجا ومثالا، من دون أي اعتبار لخصوصيات وأوجه تَمَيُّز الأمة العربية والإسلامية وثراء وتنوع تراثها وتواصل تأثيرات ذلك التراث العميقة في الحياة المعاشة للعرب وللمسلمين.

     وقد خَلُصَ الدكتور حسن حنفي إلى أنَّ هناك حاجة لإعادة بناء المشروع الفكري التنويري، بما في ذلك صياغة منهج جديد للتعامل مع الغرب في حدود الحجم الحقيقي للغرب، بدون مغالاة ولا تقليل، وتطور دوره التاريخي، عالميا وفي التأثير على العالمين العربي والإسلامي، وذلك في سياق مشروع فكري متكامل يعالج إشكالية التراث والتجديد في آن واحد، وهو مشروع استهدف مقاومة اعتداءات وتدخلات الخارج والتغلب على التخلف في الداخل بكافة مظاهره وأبعاده والتطلع إلى تحقيق الحرية بمعناها الشامل والعدالة الاجتماعية في سياقها الصحيح. واعتبر الدكتور حسن حنفي في كتابين هامين له صدرا في وقت متقارب في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينات من القرن العشرين وهما “اليسار الإسلامي” و”التراث والتجديد”، بالإضافة إلى مجلدين هامين صدرا لاحقا في عدة أجزاء وهما: “من العقيدة إلى الثورة” (خمسة أجزاء) و”الدين والثورة في مصر” (ثمانية أجزاء)، أن مشروعه الفكري التنويري يعبر عن الأغلبية الصامتة من جموع المسلمين ويدافع عن مصالح وحقوق الناس ويسعى لتحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص فيما بينهم. واعتبر مشروعه هذا امتدادا لكل جهود الإصلاح الديني وتوجهات النهضة العربية والإسلامية الراغبة في تحقيق التقدم والحرية والعدل والقضاء على التخلف والقهر، معتبرا أنَّ هذا المشروع بادئ ذي بدء يستلزم إعادة بناء الفكر الإصلاحي الديني، وذلك من خلال استحضار إسهامات مفكرين بارزين سابقين على جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، مثل الفيلسوف ابن رشد وأهل العدل والتوحيد (المعتزلة) وأبو علم التاريخ وعلم الاجتماع ابن خلدون وغيرهم على مدار التاريخ الإسلامي في أزمنته وأمكنته المختلفة.

التراث والتجديد

     وكان من ضمن مهام هذا المشروع الفكري التنويري الجديد للدكتور حسن حنفي بلورة منهج للحوار مع التيارات الفكرية والحركات الاجتماعية الأخرى الموجودة على الساحة العربية بغرض التواصل معها للبحث عما هو يمثل القاسم المشترك والحد الأدنى المتفق عليه فيما بينها بما يحقق الصالح العام لجموع الناس.

     ومن تلك الأرضية متعددة الأبعاد انطلق المشروع الفكري للفيلسوف والمفكر الكبير الراحل الدكتور حسن حنفي ليبلور برنامجا متكاملا له تضمَّن الدعوة إلى العمل على تحرير البلدان الإسلامية من النفوذ والتدخلات الخارجية، مع السعي للتخلص من الاستغلال الاقتصادي لثروات ومقدرات العرب والمسلمين بواسطة قوى خارجية، واعتماد سياسات كونية مستقلة عن القوى العالمية الكبرى وغير منحازة لأي منها ولكنها منحازة لما هو فيه صالح الشعوب العربية والإسلامية، والاستعداد لدعم الشعوب الأخرى غير العربية وغير الإسلامية التي تسعى لنيل حريتها وتحقيق استقلالها، وإقامة وحدة تتم على مراحل فيما بين كافة الشعوب العربية والإسلامية بما يحقق مصالحها المشتركة ويعظم من تلك المصالح ويذود عتها، وبناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون.

اقرأ أيضًا:

ندوة عن المشروع الفكري للدكتور حسن حنفي (1-2)

أصوات يناقش المشروع التنويري لحسن حنفي ( 2-2)

اليسار الإسلامي.. مشروع “حسن حنفي” الذي توافق الجميع على نبذه

د.وليد محمود عبد الناصر

كاتب ومفكر مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock