رؤى

حول نظرية المعرفة عند الغرب ومفكري الإسلام

تبحــث الفلسفة الحديثة فــي الوجــود مــن خــلال نظريــة المعرفـة؛ فقــد تنــاول “جــون لــوك” مشــكلة الجوهــر، ونقد “جورج باركلــي” هــذا المفهــوم علــى أســاس مــن تحليلــه للمعرفــة، وبحــث “ديفيــد هيــوم” فــي مبــدأ الســببية مــن خــال تحليــل المعرفــة الحســية، وتنــاول “كانــط” لمفهــوم “الشــيء بذاتــه” وعــدم قابليتــه للمعرفــة.

ومــن خلال تلــك المواقــف لهؤلاء الفلاســفة، يمكــن تقســيم الاتجاهــات الرئيســية فــي نظريــة المعرفــة إلــى ثلاثة مذاهــب هــي: المذهــب العقلــي ويقــوم علــى القــول بوجــود مبــادئ عقليــة بديهيــة تتميــز بالضــرورة والشــمول. وأن العقــل هــو المصــدر للمعرفــة الحقيقيــة وهــو قــوة فطريــة فــي الإنســان. والمذهــب التجريبــي: ويقــوم علــى أن العقــل يولــد صفحــة بيضــاء، وأن ليــس فــي العقــل شــيء إلا وقــد ســبق إدراكه بالحس أولا. والمذهــب النقــدي: ويقــوم علــى القــول بــأن مصــدر المعرفــة هــو العقــل والحــس معــا، فبعــض المعــارف قبليــة ســابقة علــى التجربــة مثــل مفاهيــم الزمــان والمــكان والعِلِّيَّــة، وبعضهــا لاحقــة علــى التجربــة، وإن المعرفــة تنتــج عــن اجتمــاع عامليــن أحدهمــا صــوري يرجع إلى العقل، والآخر تجريبي يرجع إلى الحس.

ويحسن بنا هنا أن نفصلَ بين نظرية المعرفة، كونها تصورا فلسفيا من ناحية؛ وكونها فرعا مستقلا عن باقي العلوم الفلسفية من ناحية أخرى؛ برغم أنَّها كانت موضع اهتمام كل الفلاسفة بداية بأفلاطون الذي قال بعدم جواز اعتبار الحواس وحدها أساسا للمعرفة، وأنَّه لا بد من توسط العقل لتصحيح الإدراك الخاطئ ولإعطاء صورة حقيقية عن المُدرك.. إذ أنَّ لهذه الحقيقة العقلية وجودًا ذاتيًا مستقلا أصيلا, ما حدا به للانطلاق إلى نظرية الحقائق الكلية أو نظرية المُثل التي تقول  بأنَّ النفس قبل أن تحل في الجسد كانت تعيش  في عالم المُثل العقلي؛ مدركةً لجميع الحقائق، ولمّا التصقت بالجسد نسيت ما كانت تعرفه, فاستعانت بالفلسفة على تذكرها.

إذن فالمعرفة هي تذكر الحقائق الأزلية؛ وما وظيفة المعلم أو المرشد إلا تسهيل سبيل التذكر! ولما كانت الكليات واحدة لا تتغير؛ فإنَّ المعرفة أيضا واحدة وثابتة،  مرورًا بأرسطو وفلاسفة العصور الوسطى المسيحية ومفكري الإسلام؛ إلا أنَّهم لم يدركوا أنَّ المعرفة يمكن أن تؤلف فرعًا مستقلا من العلوم الفلسفية.

أرسطو
أرسطو

ربما كان من غير المقبول أن نشكك بشكل مطلق  في إمكانية حصولنا على معرفة موضوعية  يقينية عن الإنسان والعالم، ولكن هل ثمة معيار يمكننا أن نميز به المعرفة، مما ليس معرفة كالوهم والظن والاعتقاد؟ وما أنواع المعرفة ومصادرها؟ وهل للإدراك الحسي دور أساسي كمصدر للمعرفة، وإن كان فما هي مراحله وعناصره وموضوعاته؟ وكيف يمكن أن نصل إلى المعاني العامة أو الكليات، هل بفطرة أم بتجريد أم بإشراق؟ وهل توجد لدينا مبادئ أولى أو مسلمات نبدأ منها كل معرفتنا أم لا توجد أي مسلمات، وإنما كل معرفتنا استدلال وبرهان؟هذه الأسئلة وغيرها طرحها  الدكتور محمود زيدان في كتابه نظرية المعرفة عند مفكري الإسلام وفلاسفة الغرب المعاصرين، وحاول أن يجيب عليها متتبعا ما إذ كان لفلاسفة الإسلام نظريات في المعرفة أم لا.

يرى ابن رشد أنَّ المعرفة الإنسانية ترجع في أصولها إلى الأمور الحسية؛ لكن هذه المعرفة ليست ممكنة إلا بفضل نشاط النفس الإنسانية، ولقد أطلق ابن رشد على هذا النشاط اسم العقل بالفعل، أو العقل الفعال كما فعل أرسطو من قبل؛ ففي نظر أبي الوليد لا يوجد أي فارق جوهري بين العقل المادي أو الهيولاني، والعقل بالفعل أو الفعال، وذلك أن هذين العقلين ليسا في حقيقة الأمر سوى مظهرين أو وظيفتين لذات واحدة، وهي النفس العاقلة. وهذه الأخيرة ذاتٌ مفارقة أو مستقلة. ومعنى ذلك أنَّها ليست جسمية.

ابن رشد
ابن رشد

ويرى الدكتور محمود زيدان أنَّه لا بد من إدخال بعض المسائل المتفرقة إلى صميم نظرية المعرفة، إذ تناولها بالبحث المعتزلة والأشاعرة والصوفية مثل مسألة الصراع بين الشك واليقين، وتعريف المعرفة وأنواعها ودرجاتها، ومبدأ العِلِّيِّة بين الضرورة والحدوث ونحو ذلك.

ففي مسالة الشك واليقين قال المعتزلة بالتكليف، وهو مسئولية الإنسان عن أفعاله، والتكاليف شرعية وخلقية، فيجب على الإنسان طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه، أما رأيهم في الواجبات الخلقية أن الله أمر بالصدق مثلا لأنه حسن في ذاته، ونهى عن الكذب لأنه قبيح، وليس بقولٍ أن الصدق خير لأن الله أمر به. وهذا الموقف نابع من أصل العدل، وما دام الإنسان مسئولا فقد وهبه الله العقل وأقدره على الاختيار بين الخير والشر، وبالتالي فالإنسان حر مختار فيما هو مكلف به ومسئول عنه يوم القيامة.

نظرية المعرفة

فيما رأى أفلاطون أنَّ الصدق هو السمة الرئيسة للمعرفة، بينما يمكن الظن والاعتقاد أن يُصدقا أو يٌكذبا؛ ولذلك فالمعرفة الكاذبة عبارة متناقضة، وقد ظل هذا التعريف مقبولا لدى الفلاسفة عبر العصور، وإن كان بعضهم قد رفض التمييز بين المعرفة والاعتقاد، ذلك لأن الصدق المطلق بعيد المنال، وبالتالي فما نطمح إليه هو أن يكون لدينا تبرير كافٍ؛ نتخذه أساسًا لقبول صدق القضايا كموضوعات للمعرفة، ومن ثم يمكننا أن نعرف المعرفة بأنها الاعتقاد الصادق الذي يتوفر لدى المعتقد أسس لصدقه.

أما ابن سينا فقد صنف المقدمات الأولى للمعرفة إلى نوعين: يقينية وغير يقينية، أما المقدمات اليقينية فتنقسم بدورها إلى أربعة أقسام هي: الأوليات والمحسوسات والمجرَّبات والمتواترات، أما الأوليات فهي القضايا الصادقة في ذاتها، ويتم التسليم بها بمساعدة الحس والخيال أو بدونهما، إذ يحس الإنسان أنه كان عالما طوال الوقت بهذه القضايا، أما المحسوسات فهي ما نسميها بأحكام الإدراك الحسي ويعرفها ابن سينا بقوله هي أمور أوقع التصديق بها الحس، ويضيف الغزالي إلى جانب أحكام الإدراك الحسي قضايا الاستبطان، وهو ما يصدر عن النفس من أحوال كالخوف والغضب والشهوة، أما المجربات عند ابن سينا، فتتضمن عنصر التكرار في تلازم حدي القضية كقولنا الضرب مؤلم والخبز مشبع والنار محرقة، أما المتواترات فهي القضايا المعبرة عن الأمور المصدق بها من قبل تواتر الأخبار التي لا يصح معها التواطؤ على الكذب.

ابن سينا
ابن سينا

أما المقدمات الأولى غير اليقينية عند ابن سينا فهي ثلاثة: الذائعات والمقبولات والمظنونات، أما الذائعات فهي قضايا مقبولة بسبب العادة والاتفاق، أما المقبولات فهي آراء وقع التصديق بها قول من يوثق بصدقه فيما يقول؛ إما لأمر سماوي يختص به أو لرأي تميز به مثل اعتقادنا أمورًا قبلناها عن أئمة الشرائع عليهم السلام. ولم يتابع الغزالي ابن سينا في هذا النوع حتى لا يقع في التشكيك في النبوات، أما المظنونات فهي التي نسميها بالقضايا الاحتمالية ذلك لأن ابن سينا يقول عنها أنه يقع التصديق بها لا على الثبات، بل يخطر بالبال إمكان نقيضها.

ويذهب د. زيدان إلى أنه من المألوف، أن يجد الباحث في نظرية المعرفة عند الفلاسفة والمعاصرين – تصنيف المعرفة إلى ما هو حدس، وما هو استدلال أو إلى ما ندركه مباشرة دون جهد عقلي ودون مقدمات سابقة، وما هو ثمرة اكتساب، ويعتمد على مقدمات سابقة، وأن المعرفة الحدسية يقينية بينما المعرفة الاستدلالية قد تصدق وقد تكذب.

ويضيف د. زيدان: “يبدو أن هذا التصنيف لا يستوعب كل مواقف مفكري الإسلام الأوائل، لأنَّ بعضهم رأى يقينًا فيما ليس حدسًا مثل قولهم بيقين بعض القضايا التجريبية، ولذلك فإنَّ أفضل طريقة لتوضيح مواقفهم من أنواع المعرفة ودرجاتها أن تُحصر أنواع القضايا التي نادوا بها جميعًا، ويُوضح موقف كل فرقة من كل نوع، وهذه القضايا هي القضايا الأولية والقضايا التجريبية والقضايا الاستبطانية والقضايا المقبولة إجماعا والأحكام الأخلاقية، وقضايا النسق الذي يؤلف استدلالا، وذلك مما يؤسس بشكل منهجي لنظرية المعرفة لدى مفكرينا وفلاسفتنا الكبار.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock