ثقافة

سلوى حجازي.. عصفورة من الجنة

عبر جهاز التسجيل أو “الكاسيت”٬ الذي لا يعرفه الجيل الشاب اليوم على الأرجح – كان يأتيني صوتها الذي كان لا يقل رقة وعذوبة عن شخصها، خلال سنوات طفولتي في ثمانينات القرن العشرين، وهي تروي قصصا للأطفال.

كان صوت الإعلامية الشهيدة سلوى حجازي، ابنة مدينة بورسعيد الباسلة والتي ولدت على أرضها في ثلاثينات القرن الماضي، ينساب من ذلك الجهاز، وهي تقص على مسامعي ومسامع آلاف من الأطفال العرب؛ قصصا تُكرّس في أذهانهم وضمائرهم، فكرة الانتماء إلى الوطن والتمسك بالهوية والاعتزاز بها.

وفي مقدمة تلك القصص؛ قصة اختارت حجازي أن تحمل اسم ولدها آسر، وأن يكون مسرحها مدينة بورسعيد إبان تعرضها للعدوان الثلاثي الغاشم عام ١٩٥٦.

تعلقت بآسر الذي شهد –تماما– كالسيدة التي تروي قصته أحداث العدوان على مدينته، وانضم والده إلى صفوف المقاومة الشعبية في حين تطوعت والدته لتمريض الجرحى.

ولم يقبل آسر.. كما كانت تروي حجازي، أن يكون أقل عطاءً للوطن من والديه، فاندفع بفضول الأطفال ليشاهد الدفاعات الجوية، وهي تتصدى لطائرات العدوان، وهو يهلل ويكبر كلما نجحت في إسقاط إحدى الطائرات المغيرة.

وفي لحظة.. غاب أحد المدافعين عن مدفعه بسبب الإصابة، فقفز آسر وحل محله على المدفع رغم صغر سنه وحجمه وتمكن من إطلاق “دانة” المدفع فأسقط طائرة مغيرة.

واحتفت بورسعيد بأكملها بالبطل الصغير وحمله أهلها على الأعناق وهم يتغنون باسمه:

“آسر نط وحط الدانة

في مدفع وقع طيارة

آسر ابن بلدنا طالع

في الشارع والحارة طالع”.

بلغ تعلق أسرتنا بهذه القصة أن قررت والدتي أن تسمي أخي حين رزقت به باسم بطل القصة “آسر” ونشأ هو الآخر متعلقا بها.

أغلب ظني أن قصة “آسر” هي نسخة مصغرة من قصة السيدة التي كانت ترويها، إذ كانت حجازي، خريجة مدرسة الليسيه الفرنسية، من تلك الفئة النادرة التي تجمع بين أمرين: إجادة لغة اجنبية والتعبير بها، إلى حد كتابة الشعر بالفرنسية، وفي ذات الوقت التمسك بالانتماء إلى الوطن إلى حد الموت في سبيله.

حيث كانت من الرعيل الأول، الذين ساهموا في تأسيس التلفزيون المصري، عند انطلاقته في مطلع الستينات، وكانت تطل على الجمهور العربي من خلال برنامج الأطفال “عصافير الجنة” والذي تميزت فيه بقدرة مدهشة على التواصل مع الأطفال، ومخاطبتهم بلغة يستطيعون إدراكها.

وفي ذات الوقت، تألقت أيضا في برنامج “شريط تسجيل” الذي كان يستضيف رموز الثقافة والفن، وبرزت فيه ثقافتها الواسعة وقدرتها على إدارة الحوار.

كما صحبت السيدة أم كلثوم في رحلتها الشهيرة الى باريس، أواخر الستينات والتي خصصت “الست” ريعها للمجهود الحربي المصري، ونجحت حجازي بلباقتها وإجادتها التامة للغة الفرنسية في إبراز مدى احتفاء الفرنسيين،  وخاصة الجالية العربية هناك بسيدة الغناء العربي.

وكما حدث مع مدينتها لم تسلم حجازي من يد الغدر، حيث امتدت تلك اليد الصهيونية إليها في شهر فبراير من عام ١٩٧٣، وقصفت مقاتلات العدو في سيناء طائرة، كانت تُقِلُّ حجازي لدى عودتها من ليبيا، لتسقط الطائرة على أرض سيناء، ومعها ١٠٦ شهداء من بينهم حجازي ووزير الخارجية الليبي آنذاك.

بكت مصر شهيدتها المثقفة المنتمية، وكان في مقدمة الباكين عليها الأطفال الذين أسمتهم “عصافير الجنة” ورثاها الشاعر الكبير فؤاد حداد بقصيدة قال فيها:

“كان ياما كان يحلا معاها السمع

ومعاها كان قلبك يبطل قساوه

ومعاها كنا صغيرين نتساوى

وصغيرين دلوقتى نتيتم”

وما هي إلا بضعة أشهر بعد استشهادها، وتحديدا في السادس من شهر أكتوبر عام ١٩٧٣، حتى انتقم جُند مصر لحجازي، وغيرها من الشهداء.. حين عبروا إلى سيناء؛ لينتقم كل من هو “آسر” في هذا الوطن لمن أسماها أطفال مصر ذات يوم “ماما سلوى”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock