ثقافة

إدوارد سعيد .. سيرة جديدة لرائد الاستشراق بعيون غربية

كيف يمكن أن يكتب التلميذ عن أستاذه؟ ومن أين يبدأ؟ وفي أي طريق عليه أن يمضى وهو يحاول أن يعيد استكشاف أبعاد جديدة، في سيرة عملاق بحجم إدوارد سعيد، رائد دراسات الاستشراق في الجامعات الأمريكية؟

هذه الحيرة تتبدى بوضوح شديد للمرء، وهو يطالع الصفحات الأولى من  كتاب ” تِمُثي بُرِنَن” الجديد “إدوارد سعيد.. أماكن الفكر” الذي صدرت ترجمته مؤخرا، عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت.. فـ “بُرِنَن” الذي يعمل أستاذا للأدب المقارن في جامعة مينيسوتا– واحد من تلاميذ كُثُر للمفكر الفلسطيني الكبير، وقد ربطت بينهما علاقة صداقة قوية، لفترة طويلة من الزمن.

لم يغب أبدا إدوارد سعيد وظل حاضرا في الذاكرة بوصفه واحدا من المفكرين العظام في تاريخ هذه الأمة؛ حتى بعد سنوات طويلة من رحيله عام 2003، عقب صراع طويل ومرير مع سرطان الدم. فمن خلال مسيرة علمية حافلة بدأت منذ عام 1963، حيث عمل أستاذا للأدب الإنجليزي في جامعة كولومبيا، والتي ظل يدرس بها حتى وفاته، وتعلم على يديه مئات الطلاب – ترك لنا سعيد رصيدا فكريا ومعرفيا هائلا لا يمكن تجاوزه.

يعترف ” تِمُثي بُرِنَن” ” بهذه الحقيقة في مقدمة كتابه فيقول: “عرفته منذ زمن طويل، وحتى بعد وفاته؛ كان شريكا فاعلا متخيلا في الكثير من جلسات النقاش الحقيقية، وبالنسبة لمن عرفوا سعيد، عندما كان حيا فإن نقاشاته المفعمة بالحيوية والإثارة؛ صارت شيئا باتوا يفتقدونه مثلما يفتقدون شخص سعيد ذاته، بعينيه السوداوين الداكنتين، وتعاطفه المشحون على الدوام بالقلق، وروحه المجبولة على المرح والحساسية التي تكاد تقترب من أن تكون حساسية مبالغة في إفراطها”.

إدوارد سعيد

رغم روتين حياته اليومي الذي يورد الكتاب بعضا من تفاصيله؛ فإن المرء يخرج بنتيجة هامة، وهى أن المفكر الكبير كان دوما شعلة من الحيوية والنشاط، مسكونا بالحركة ومشغولا بالتفكير والتجديد، متحمسا إلى أقصى مدى، يرتكز دوما على الكثير من قناعاته الفكرية والسياسية التي كوّنها عبر سنوات طويلة من حياته الحافلة.

بحسب ما يورده “تِمُثي بُرِنَن” فإن إدوار سعيد كان يستيقظ يوميا في الخامسة صباحا؛ ليعمل لمدة ساعة تقريبا في هذا الوقت المبكر، وفور أن يفرغ من تناول طعام الإفطار، يعود ثانية إلى مواصلة الكتابة والتأليف والإنتاج الفكري.

لا يقدم “بُرِنَن” معلومات غريبة أو صادمة عن إدوارد سعيد؛ لكن ما يعطي لكتابه أهمية أنه اعتمد فيه على بعض الأوراق الخاصة التي كتبت بيد إدوارد سعيد، والتي اختصه بها بوصفه واحدا من تلاميذه المقربين، يركز “بُرِنَن” في كتابه بشكل كبير على أن يشخصن لنا إدوار سعيد المفكر، بصورة تفوق محاولته توصيف حياة إدوار سعيد كإنسان، وفي الكتاب يفجر المؤلف مفاجأة كبيرة عندما يكشف عن قصائد شعرية وأعمال روائية كتبها سعيد ولم تنشر بعد.

كان إدوارد سعيد مشغولا بالخيانة السياسية في عالمنا العربي؛ لذا فإن له رواية تتمحور حول هذه الفكرة؛ حيث ترصد مشهد غزو أمريكي تتعرض له بيروت، حيث تتصارع المصالح من خلف المائدة، وربما لم يسمع الكثيرون بأمر هذه الرواية من قبل إلا عبر صفحات كتاب هذا الأكاديمي الأمريكي، لأنها لم تنشر من قبل، ولأسباب ما.. لم يفصح المفكر الكبير، عن بعض من أعماله الروائية والفكرية، والتي كان صدورها كفيلا بتغيير عدد من المفاهيم التي كانت سائدة لدى الكثيرين عن فكر سعيد؛ لكنه فضّل أن تظل حبيسة الأدراج، ولم نسمع بها إلا من تلميذه الأمريكي بعد سنوات طويلة من رحيله.

لم يكن إدوارد سعيد مفكرا بعيد الرؤية ثاقب النظرة فحسب؛ بل كان محبا للشعر الذي كانت أبياته تتدفق على لسانه بغزارة في أوقات كثيرة، وبشكل عام كما يقول المؤلف في كتابه فإنه كان يفضل شعر “جيرارد مانلي هوبكنز” أكثر من أي شخص أخر.

أحد المؤثرات القوية في شخصية وتكوين إدوارد سعيد، هي تلك التجاذبات التي كانت متجذرة في أعماقه بين عالمين؛ يحاول كل منهما أن يشده بقوة إليه، ففي أحدهما تمتد جذوره بقوة، وفي الآخر كان عطاؤه الفكري المتوهج دائما وأبداً.

جزء من عظمة إدوارد سعيد.. أنه تفوّق بجدارة في عطائه الفكري والمعرفي على كل من عاصروه على الأراضي الأمريكية؛ سواء كانوا أمريكيين أو من أصول غير أمريكية. رفع البعض من مقام الرجل عاليا، فيما حاول آخرون النيل منه؛ لكن لا أحد استطاع الانتقاص من إدوار سعيد القيمة والقامة في سماء الفكر الإنساني، فهو بحق رائد دراسات الاستشراق، وبلا منازع متفوقا بذلك على أكاديميين غربيين، كانوا مهووسين برصد الظاهرة منذ وقت مبكر.

لم يمت إدوارد سعيد فهو حي بأفكاره وكلماته التي مازالت تمشي حتى اليوم على الأرض عبر مئات المفكرين والأكاديميين الذين تتلمذوا على يديه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock