ثقافة

“كان ويكون”.. درس الأستاذ النديم

تخيل معي: شخص مطارد من أكبر إمبراطورية استعمارية عرفها زمانه، والتي تمكنت لتوها من احتلال بلاده وإحكام سيطرتها عليها، وسعت تبحث عنه لكي تحاكمه بتهمة، قد تصل عقوبتها إلى حد الإعدام شنقا.

إلا أن هذا المطارد المختبئ بدلاً من أن يعمد إلى التخفي عن العيون، والابتعاد عن أي نشاط قد يلفت الأنظار اليه، فعل العكس تماما وانكب على أوراقه وقلمه؛ يخط كتبا بلغ عددها عشرين كتابا في سنوات تخفِّيه.

هكذا كان حال عبد الله بن مصباح بن إبراهيم الإدريسي المعروف بعبد الله النديم، خطيب الثورة العُرابية ولسانها على مدار عام كامل، ما بين سبتمبر١٨٨1، وسبتمبر ١٨٨٢، مع احتلال بريطانيا لمصر.

أدرك النديم عقب احتلال الإنجليز للقاهرة أنه مطلوب لديهم، وأن قوات الاحتلال قد نصبت المحاكم الصورية لمحاكمة كل من شارك في الثورة، وأنه متهم لديهم بتهمة زائفة، هي المشاركة في حريق الإسكندرية.

لذا عمد النديم إلى التخفي، وسط صفوف الشعب الذي طالما أحبَّه، وكان لسانه وصوته.. وتنقل على مدار تسع سنوات كاملة بين قرى مختلفة.

مستفيدا من قدرته المدهشة على التنكر، فهو تارة شيخ يدعى يوسف من المدينة المنورة، وتارة أخرى هو شيخ يمني يدعى علي.

واللافت هنا أن النديم لم يركن إلى السكينة في هذه الفترة، رغم قسوتها ورغم ظلمتها.. لدرجة أنه لم يعرف فيها “الليل من النهار” على حد تعبيره؛ بل أخذ يكتب متسلحا بما لديه من وسائل بسيطة، والتي وصلت حد صناعة الحبر من “هباب الفرن” الريفي.

وأنتج النديم في تلك الفترة عشرين كتابا في مختلف ألوان الفنون والعلوم والآداب، وصاغ الشعر أيضا.

ولعل أبرز هذه الكتب، هو كتابه “كان ويكون” الذي كتبه أيضا في فترة التخفي، وكان دافعه لكتابته ما جرى من تشويه متعمد على يد الاحتلال وصحافته؛ للثورة العُرابية والمشاركين فيها.. فقرر النديم أن يضع كتابا يشرح فيه ما حدث بمصر من أحداثٍ انتهت بالاحتلال بصفته شاهد عيان عليها.

وساعد النديم على صياغة هذا الكتاب؛ صديق فرنسي للنديم كان متعاطفا معه ومع قضيته، واتفقا معا على أن يكون الكتاب على هيئة مناظرة، يمثل فيها الفرنسي الغرب، ويمثل النديم الشرق.

وبدا واضحا في هذه المناظرات ما يتمتع به النديم من تسامح ديني، حيث يؤكد على ما بين التوراة والقرآن من توافق في مواضع محددة، ويؤكد أيضا على ضرورة احترام ما ورد في الكتب المقدسة في كافة الأديان.

وحين يسأله الفرنسي عن سبب اختلاف رؤيته للسيد المسيح عن رؤيته هو؛ يرد النديم بأن كل إنسان له الحق في اعتقاده دون حرج، وأن الناس لو اعتقدوا في صحة جميع الأديان ما وقع بينهم اختلاف.

كما أن النديم في أغلب هذه المناظرات يصيغ منطقا عقلانيا؛ حيث يرفض أن يعتد بأي خبر من الأخبار -أي قصة من القصص- إلا إذا استند إلى أحد الأصلين العظيمين: القرآن والسنة وليس فقط على كتب التراث.

ويبرز في هذا الكتاب تمسك النديم بمبادئ الثورة التي آمن بها ودافع عنها، ولا يبدي النديم أي تراجع عنها رغم ما تعرضت له من تشويه.

وبقي هذا الموقف المتماسك هو شأو النديم حتى عقب اعتقاله عام ١٨٩١، وعقب عفو الخديوي عباس حلمي عنه، وعودته إلى مصر عام ١٨٩٢.

لم تكسر سنوات الاحتلال ولا المطاردة من همة النديم كما حدث مع سواه، وعاد إلى مجال العمل الوطني من خلال مجلة جديدة أسماها “الأستاذ” ومن خلال احتضانه وتوجيهه لجيل جديد من الشبان الوطنيين، كان على رأسهم مصطفى كامل الذي تتلمذ على يديه.

أدرك “الأستاذ” النديم ما غاب عن كثيرين في عصرنا الحالي٫ وهو أن اليأس في حد ذاته خيانة للوطن وأن القنوط خير خدمة للغزاة وأن التمسك بالأمل ولو بدا ضئيلاً وزرعه في نفوس الآخرين من خلال الكتابة والخطابة هو في حد ذاته فعل مقاومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock