رؤى

قيس العزاوي.. جائزة النيل للمبدعين العرب.. تكريم المغادر بعد الرحيل!

لم يكن إعلان فوز المفكر الكبير الراحل الدكتور قيس العزاوي، بجائزة النيل للمبدعين العرب مفاجئا، لمن يعرفون الرجل الذي قدم الكثير لوطنه ولأمته، على مدار حياته الحافلة، قبل أن يرحل في صمت في 15 يناير من العام الجاري بعد صراع مع المرض.

الدكتور قيس العزاوي مفكر وسياسي عراقي من طراز رفيع، معجون بحب وطنه وأمته العربية، وتحمّل في سبيل ذلك الكثير، ولم يفكر لحظة واحدة في أن يهادن أو يتراجع عن الطريق الذي اختاره لنفسه قيد أنملة؛ حتى لقى ربه متمسكا بكل مبادئه وأفكاره التي جلبت عليه الكثير من المتاعب.

علاقة السفير العزاوي بمصر متجذرة، فقد بدأت منذ وقت مبكر، وتحديدا في بداية حياته الجامعية، بعد أن قَدِمَ إلى القاهرة في عام 1963، حيث أصبح طالبا في جامعة القاهرة، كما درس في جامعة عين شمس، وتحوّل من دراسة القانون التي جاء إلى مصر من أجلها إلى علم النفس الذى أستهواه كثيرا.

عاش العزاوي أكثر من 35 عاما خارج العراق، الذي غادره باسم مستعار؛ خوفا من التنكيل به.. وهى القصة التي روى تفاصيلها كاملة أكثر من مرة في حواراته الصحفية، وعنها يقول “خرجت من بغداد في 63، ولم أعد إليها إلا في 68، وتشاء الصدفة أثناء عودتي أن قام حزب البعث العربي الاشتراكي بعمل انقلاب عسكري في يوم 17 يوليو عام 68، وكان عمي وزيرا في هذا الانقلاب، بينما أنا ناصري أتحدث في إذاعة صوت العرب وأتكلم عن البعثيين، وقتها قال صدام حسين –وكان أيامها نائبا للرئيس– لعمي؛ إنه سيقضى على كل القوميين وسيحبسهم، فساعدني عمي بعلاقاته ونفوذه على الخروج من العراق، بجواز سفر باسم غير حقيقي، أنا اسمي قيس خزعل العزاوي، فأصبح اسمي قيس جواد، وقد تخرجت في الجامعة باسم قيس جواد وتزوجت وأنا اسمي قيس جواد وعشت طوال 36 عاما باسم غير اسمي”.

دفع العزاوي فاتورة باهظة لمواقفه السياسية، منذ وقت مبكر من حياته، وعن ذلك قال في أحد حواراته “نتيجة لعملي بالسياسة وملاحقة نظام صدام حسين لي، أعلن أخي الكبير خبر وفاتي؛ حتى لا تتعرض عائلتي للتنكيل لكوني معارضا لنظام البعث”.

لاحقا.. سافر العزاوي من مصر إلى فرنسا، حيث درس بجامعة السوربون الفرنسية وحصل منها على درجة الدكتوراه في تاريخ الدولة العثمانية، كما كان أحد ابرز المتخصصين في علم الاجتماع العسكري.

لكن طريقه أبدا لم يكن مفروشا بالورود، خلال تلك الفترة؛ حيث قادته الصدفة وحدها إلى التوجه صوب فرنسا التي لم تكن تخطر له على بال، ففي عام 1972، غادر مصر إلى ليبيا؛ للعمل بالتدريس في طرابلس وبقي هناك لعامين، قرر بعدهما أن يشد الرحال إلى أمريكا للحصول على درجة الدكتوراه، وفي طريقه توقف في باريس للقاء أحد أصدقائه؛ وهناك تدخلت الصدفة، وغيرت مسار حياته بالكامل؛ إذ استقر به المقام في باريس؛ فألغى فكرة السفر لأمريكا.

وعن هذه الفترة يقول: “كانت أياما صعبة في البداية، لذلك أجبرت على العمل لكسب قوتي، ونتيجة لعدم معرفتي باللغة الفرنسية كان الحصول على وظيفة صعبا جدا، وفى النهاية وجدت عملا في شركة تنظيف شوارع باريس صباحا ومكاتبها مساء، وكان الجو في فصل الشتاء في الصباح قارسا جدا، وكان معي زميل مصري، وكنا لا نستطيع الاحتفاظ بلبس المعطف لأنه يجعل حركتنا مقيدة وبطيئة؛ لذلك كنا مجبرين على خلعه فكنا نلف أوراق الصحف تحت القميص حول جسمنا حتى نحتفظ بالحرارة لنستمر في عملنا بالشارع”.

لم يبتسم الحظ للعزاوي سريعا، إذ ظل لمدة ثلاث سنوات يعيش أوضاعا صعبة في باريس، يعمل من السادسة حتى التاسعة صباحا، ثم يذهب بعد ذلك إلى مقاعد الدراسة في الجامعة قبل أن يعاود العمل من السادسة إلى التاسعة مساء مرة أخرى، من أجل تدبير النفقات اللازمة للسكن والدراسة، وبعد ذلك أصبح يدير مخزنا لآلات التنظيف، فأصبح حاله أفضل كثيرا.

في عام 2003، عاد العزاوي إلي وطنه الذي لم يفارق خياله لحظة واحدة؛ لكنها لم تكن لحظة سعيدة كما كان يتمنى، فرغم رحيل نظام صدام حسين، فإنه رجع ليجد قوات الاحتلال الأمريكي تفرض سطوتها على كل شبر من ارض بلاده، وتعيث فيها خرابا وفسادا ودمارا. وقد روى باكيا تفاصيل هذه اللحظة المريرة في أحد لقاءاته التلفزيونية؛ فقال: “بعد سقوط صدام، خرجت أنا وثلاثة من رفاقي إلى سوريا ومن القامشلي عبرنا للناحية الثانية إلى أن وصلنا إلى بغداد، وعند وصولنا لأرض الوطن؛ بكينا عندما رأينا الكلاب تعوي والجنود الأمريكان في بلادي والحرائق في كل مكان كان مشهدا حزينا لن يمحى من ذاكرتي”.

مشواره الفكري بدأ منذ وقت مبكر.. أنشأ فرقة مسرحية في شبابه، وألّف إحدى المسرحيات وشارك فيها بالتمثيل، وعُرضت في التلفزيون العراقي، ولكنه تعرض لهجوم شديد من والده. شارك العزاوي في تحرير مجلة “شؤون عربية” التي كانت تصدر عن الجامعة العربية في بداية الثمانينيات، وعمل أيضا في مركز دراسات الوحدة العربية، وفي مجلة “المستقبل العربي”.

كما أسس في عام 2011، الصالون الثقافي العربي في القاهرة، الذي استقبل العديد من المفكرين والسياسيين، وكان مشغولا خلاله بزيادة وعي النخبة بالتحديات التي تواجه الأمة العربية، رفع من خلاله راية التنوير في مواجهة الأفكار الظلامية والرجعية.

شغل العزاوي منصب المندوب الدائم للعراق في الجامعة العربية لمدة خمس سنوات، ثم عُيّن نائباً لرئيس الجامعة العربية لشؤون الإعلام والاتصال منذ في عام 2019.

للسفير الراحل عدد من المؤلفات من أبرزها “الدولة العثمانية قراءة جديدة  لعوامل الانحطاط” و”ريش والتحليل النفسي” و”العرب والغرب على مشارف القرن الحادي والعشرين” و”مبدأ المواطنة في بلد متعدد القوميات والاديان والطوائف” و”هجرة الأدمغة والعمال العرب إلى أوروبا. وفي صباح السبت الخامس عشر من يناير من العام الحالي.. انتقل الدكتور قيس العزاوي إلى جوار ربه بعد رحلة عمر حافلة بجليل الأعمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock