فن

“حمى البحر المتوسط”.. فيلم يرصد أوجاع الإنسان عندما يولد فلسطينيا

مسجون خلف أسوار بعضها فوق بعض، ولايعرف موعدا محددا لإطلاق سراحه.. تلك هى المأساة التي يعيشها اليوم وكل يوم، الفلسطينيون في الضفة وغزة وخلف الخط الأخضر، منذ عقود طويلة.

لم يتوقف الألم في ظل احتلال غاشم، فرض سطوته على كل شبر من أرض الوطن المسلوب، وبنيرانه اكتوى الجميع، وأصبحوا يعانون من إحباطات ومخاوف شتى؛ تزداد وتيرتها كل ساعة.

إنسان في أزمة.. هذه هى الرسالة التي يخرج بها المرء عقب مشاهدة الفيلم الفلسطينى “حُمّى البحر المتوسط” والذي فاز مؤخرا بجائزة أفضل سيناريو ضمن عروض مسابقة “نظرة ما” التي أقيمت على هامش مهرجان كان السينمائي الدولي.

الفيلم من تأليف وإخراج الفلسطينية مها الحاج وبطولة عامر حليحل، أشرف فرح، عنات حديد، سمير إلياس، شادن قنبورة، سينيثيا سليم، صبحي حصري، ثريا يونس، يوسف أبو وردة، ونهاية بشارة، ولا يبدو أنه من قبيل المصادفة أن الفيلم استمد اسمه من مرض يحمل الاسم نفسه، و يتسبب فيه اضطراب وراثي ويصيب عادة سكان منطقة حوض البحر المتوسط.

لا يغفل الفيلم القضية الفلسطينية، وإن لم يسلط الضوء عليها بشكل مباشر، كما حدث في أفلام أخرى.. ورغم ذلك فإنها تبدو حاضرة بكل تجلياتها بقوة من خلف ستار، حيث تفرض المحنة كلمتها العليا على أجيال وراء أجيال من البشر، يدفعون الثمن غاليا من أعز ما يملكون؛ فتعلو أصوات النحيب والبكاء الداخلي، بينما تحاول الشخصيات بكل ما أوتيت من قوة أن تظهر وهى متماسكة، وكأن شيئا لم يكن، وأن لحظة ما وإن طالت؛ ستاتي حتما وتجعل كل هذا ماضيا سحيقا.

عبر مشاهد الفيلم المختلفة، تسعى مخرجة العمل جاهدة؛ للتأكيد على تمسك الفلسطيني بوطنه، وأن حب الأرض مطبوع في قلوب وعقول كافة أبناء هذا الشعب، الذي دفع الكثير في رحلة مقاومة أسطورية، مازالت فصولها مستمرة حتى اليوم ويتم توريثها من جيل لآخر.

في أحد مشاهد الفيلم، يذهب البطل وليد بابنه المريض لطبيبة روسية لعلاجه، وكان عليه أن يوقع استمارة من أجل إتمام هذا الغرض، وأمام سؤال عن الديانة هل أنت مسلم أم مسيحي؟ أجاب بثقة أنا عربي، وعندما طرح عليه سؤال آخر عن الجنسية رد بكل ثقة “فلسطيني”.

الفلسطينى أكثر الناس دراية بالطريقة التي يفكر بها الاحتلال، ومنطق فرق تسد الذي يعتمد عليه من أجل تقسيم أبناء الشعب الواحد إلى شيع وجماعات؛ لذا فإن البطل سعى عبر هذه الإجابات إلى أن يقول، نحن جميعا هنا نقف صفا واحدا في مواجهة الذين جاؤوا من بعيد؛ لاغتصاب الأوطان وإقامة دولتهم المزعومة على أرضنا.

الفيلم تدور أحداثه حول كاتب فلسطيني، يدعى وليد يعيش في حيفا مع زوجته وأطفاله، ولديه طموح بأن يطوّر مشروعه الخاص بعالم الكاتب، ولكنه في الوقت نفسه يعاني بشدة من الداخل بسبب إصابته بنوبة من الاكتئاب الحاد، وفي تلك الفترة تنشأ علاقة تتطور سريعا مع جاره؛ حيث يمضيان في طريق مظلم، بسبب الإحباطات الشديدة التي توحد بينهما.

شيئا فشيئا تلوح أمامنا الكثير من التفاصيل، حول حياة البطل الذى تفرغ لمشروعه الأدبي، وترك العمل المصرفي الذي عمل فيه لبعض الوقت، ولم يحصد منه سوى القليل من المال، يجلس البطل في المنزل ويقوم بجميع الأعمال المنزلية، بينما زوجته التي تعمل ممرضة تعود إلى البيت وهى خائرة القوى، ورغم أنه يحاول جاهدا أن يبدو هادئا في الداخل؛ فإن الصراع يحتدم في داخله حيث تجتمع أزمة الإنسان المحبط مع الوطن الضائع، فيبلغ منه الإحباط منتهاه والضيق ذروته.

تجمع الأزمة نفسها بين الطرفين؛ فتتوثق العلاقة بين الجارين اللذين يتجرعان من نفس الكأس فزوجة الجار تعمل هي الأخرى، بينما يظل هو قابعٌ بين جدران المنزل، يقوم بالواجبات المنزلية حتى تعود.. فيما تزداد النار اشتعالا تحت الرماد.

مها الحاج مخرجة ومؤلفة الفيلم،  فلسطينية من مواليد الناصرة، فاز فيلمها  “أمور شخصية” بجائزة “آرشي” في مهرجان فيلادلفيا السينمائي، كما فاز بجائزة أخرى في مهرجان زيوريخ السينمائي، وهى ترى في السينما وسيلة لنقل إحباطات ومعاناة المواطن الفلسطينى إلى العالم الذي يصر على أن يسد أذنيه عن سماع أصوات الاستغاثات التي تتابع منذ عقود طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock