رؤى

في ذكرى دخوله مصر.. المعز لدين الله الفاطمي.. المُفْتَرَى عليه!

في صباح الرابع عشر من ربيع الأول عام 358هـ، وقف المعز لدين الله في جمع غفير ضم أبناءه وإخوته وولي عهده وأبناء عمومته؛ يودعون الجيش المتوجه لفتح مصر الذي قيل أن تعداده يومئذ بلغ مئة وخمسين ألف مقاتل، وكان جملة ما أنفقه المعز على هذا الجيش أربعة وعشرين مليون دينار، بالإضافة إلى كمية هائلة من الذهب حُمِلَت على ظهور ألف جمل؛ لتوفير احتياجات الجيش في الطريق إلى مصر، وبعد وصوله إليها.. وكان المعز قد أمر الجميع بالترجل في حضرة القائد جوهر وهو راكب؛ بعد أن أصدر أوامره لقادة السفن الفاطمية بالتحرك من “المهدية” ومن “صقلية” صوب الإسكندرية؛ لتكون داعمة للحملة البرية.

لم تكن هذه المحاولة الفاطمية لفتح مصر هي الأولى، فلقد سبقتها محاولات عديدة، كانت أولاها قبل هذا اليوم بنحو ثمانية وخمسين عاما، عندما أرسل عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية ابن عمه وولي عهده القائم بأمر الله سنة 300هـ إلى مصر لغزوها؛ لكن هذه الحملة لم يكتب لها النجاح وعادت في العام التالي دون تحقيق هدفها، وكانت المحاولة الثانية عام307هـ بقيادة القائم بأمر الله أيضا ولكنها فشلت كسابقتها، ثم كانت الحملة الثالثة عام 321هـ بقيادة القائد حبشي بن أحمد الكتامي الذي استطاع إخضاع عدد من البلاد المصرية لمدة ثلاث سنوات، لكن جيشه انكسر على يد الإخشيديين، ما اضطره للعودة إلى إفريقية عام 324هـ.

وعندما تولى القائم بأمر الله، الأمر بعد وفاة عبيد الله المهدي، أمر بتسيير حملة لغزو مصر بقيادة ميسور الفتى الكتامي، وتحركت الحملة بالفعل ووصلت برقة وتمركزت هناك لبعض الوقت، وقبل أن تشرع الحملة في استكمال المسير إلى مصر؛ جاءت الأوامر من “المهدية” عاصمة الفاطميين آنذاك، بالإسراع بعودة الجيش للتصدي لثورة موسى بن أبي العافية في فاس.. أعقب ذلك بأعوام محاولة إرسال حملة أخرى، التقت بقوات كافور عند الواحات، وردت كسابقاتها.

وضع المعز لدين الله أمله في هذه الحملة لأسباب عديدة منها: ثقته الكاملة في قائده جوهر الذي حقق أعظم الانتصارات في شمال إفريقية حتى وصل ساحل المحيط، كذلك كان المعز على معرفة كاملة بالشأن الداخلي المصري، والصراع على السلطة بين العباسيين والإخشيديين، ما أدى إلى دخول البلاد في دوامة الفوضى والاضطرابات، كما كان اطمئنان المعز يتعاظم يوما بعد يوم بتلقيه لأخبار رجال الدعوة الفاطمية بمصر، وما يجدونه من ترحيب وقبول من عموم المصريين، كما كان لتجهيز الجيش على أفضل ما يكون أكبر الأثر في تأكد المعز أن هذه الحملة ستكلل بالظفر، خاصة بعد ورود الأنباء بموت كافور وتولية أحمد بن علي الإخشيد وكان مازال حدثا في الحادية عشرة، بعد القبض على الوزير الأول ورجل الدولة الإخشيدية القوي جعفر بن الفرات.

جوهر الصقلي
جوهر الصقلي

عُرف عن المعز رجاحة العقل وسعة العلم والدراية، ووصف بأنه من ذوي الأحلام، فكان لا يقصّر في الأخذ بالأسباب، مع استشراف ما هو آت ببصيرة نافذة لا نظير لها؛ حتى أنه تنبأ بفتح مصر على يد جوهر قائلا: “والله لو خرج الصقلي هذا وحده لفتحِ مصرَ لأفلح؛ وليدخلن مصر بالأردية من غير حرب، ولينزلن في خرابات ابن طولون، ويبني مدينة تسمى القاهرة، تقهر بني العباس”.

وذكر عن حصافته أنه لم يكن ليترك شيئا للمصادفة، حتى أنه قبل تحرك الحملة بنحو ثلاث سنوات، أمر بحفر الآبار على طول الطريق إلى مصر، وبناء قصر صغير في كل منزلة تصلح لهذا الغرض، فصارت الطريق إلى مصر عامرة تضج بالحياة تؤنس المسافر وتقصر السفر.

وكان المعز لدين الله قد صار الخليفة الرابع بعد وفاة أبيه المنصور بن القائم بأمر الله، وكان له من العمر أربعة وعشرون عاما، قضاها في معية أبيه الذي أرسى دعائم الدولة، ورد كيد خصومها من القبائل وبقايا الأغالبة، ولكن المنصور مات فجأة بعد مرض ألم به في رحلة صيد. لم تحل حداثة سن المعز دون أن يكون رجل دولة من طراز فريد؛ فأكمل ما بدأه أبوه من إخضاع القبائل واسترضاء الناس وإقرار العدل وتخفيف الأعباء واستكمال تجهيز الجيوش واختيار القادة من الأكفاء ودعم السيطرة الفاطمية على البحر المتوسط من خلال الاهتمام ببناء السفن الحربية، ودعم الوجود الفاطمي في صقلية وكريت.

المعز لدين الله الفاطمي
المعز لدين الله الفاطمي

وبقي فتح مصر.. الحلم الذي عاش المعز من أجل تحقيقه، وها هو قد صار قيد التحقق.. بعد استتباب الأمر للصقلي الذي سارع ببناء عاصمة جديدة للدولة الفتية، وضع أساسها يوم وصوله إلى الفسطاط، وشروعه في تأسيس الجامع الأزهر، وأحاطة العاصمة بسور من الطوب اللبن؛ جعل له أبوابا في جهاته المختلفة، ومن أشهرها باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح – دعا المعز للقدوم.

دام حكم جوهر الصقلي لمصر أربع سنوات، عُدت من أفضل فترات التاريخ الفاطمي في البلاد، حيث نجح جوهر بسياسته الهادئة وحسن إدارته في إحداث التغيرات المذهبية والإدارية التي تعبر عن انتقال مظاهر السيادة إلى الفاطميين.. كما أجرى عددا من الإصلاحات لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي كانت تعاني منها البلاد، وتطلع إلى تأمين حدود مصر الشمالية؛ فنجح في ضم بلاد الشام، وكانت السيطرة عليها تمثل هدفا استراتيجيا لكل نظام يتولى الحكم في مصر.. ولما رأى جوهر الصقلي أن الوقت قد حان لحضور الخليفة المعز بنفسه إلى مصر، وأن الظروف مهيأة لاستقباله في القاهرة عاصمته الجديدة، كتب إليه يدعوه إلى الحضور وتسلم زمام الحكم.

لا شك أن مشهد مغادرة المعز لبلاد المغرب، كان مشهدا مهيبا.. فمهما كان شوقه لمصر؛ فلن ينسى هذه البلاد التي ولد فيها وعاش بين أهلها.. تلك البلاد التي احتضنت الدعوة الفاطمية ونصرت أجداده، وأقامتهم ملوكا وأمراء.. فكيف يخرج اليوم حاملا التوابيت التي ضمت رفات أجداده المهدي والقائم بأمر الله ووالده المنصور، دون أن تتقاطر دموعه وهو يعلم أن وداعه للمنصورية عاصمة حكمه لسنوات، هو الوداع الأخير.. بعد أن أمَّر عليها بلكين الصنهاجي، وأخذ عليه العهد بالإحسان إلى الناس، وأوصاه بما يلزمه من نصائح الحكم الرشيد.

شارع المعز
شارع المعز

وفي مثل تلك الأيام من شهر يونيو عام972م.. كان المعز يدق أبواب الإسكندرية، ويذكر المقريزي في “اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا” أن الإسكندرية خرجت بشيبها وشبابها لاستقباله، وكان على رأسهم والي المدينة، وقاضي القضاة “الذهلي” والأعيان، وكبار رجال الدولة.. فجلس عند المنارة للاستراحة، ثم خطب في الجموع، ومما ذكره أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه، ولا لمال يحصل عليه، وإنما جاء لإقامة الحق، والحج – كان القرامطة قد منعوه بعد سيطرتهم على الشام وقطعهم الطرق إليه– والجهاد وتطبيق أوامر الله، والحفاظ على سنة الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– ولكي يختم عمره بالأعمال الصالحة، وقد وعظهم وأطال الوعظ حتى أبكى الحاضرين.

ثم تابع المعز المسير إلى الجيزة وهناك كان القائد جوهر في استقباله، ومعه الوزير جعفر بن الفرات، وعبر النيل في سفينة صنعت وجهزت خصيصا لهذا الشأن.. ودخل المعز لدين الله الفاطمي القاهرة دون أن يمر بالفسطاط، وهو في الخامسة والأربعين من عمره.. بينما تزينت القاهرة وقد خرج أهلها لاستقباله. تحرك الموكب ببطء حتى وصل المعز إلى قصره الذي بناه له جوهر، وفي الجمعة التالية كان المعز على منبر الأزهر الشريف يخطب الجمعة؛ ذاكرا نعمة الله عليه، داعيا جموع المصريين إلى العيش في سلام وأمان، واعدا إياهم بإقامة العدل ورفع المظالم والانتصار للمستضعفين، وكانت تلك سيرته بينهم بإجماع مؤرخي عصره حتى رحل  إلى جوار ربه في الثالث من ربيع الآخر عام 365هـ بعد نحو عامين ونصف قضاها في الإصلاح ورد المعتدين عن البلاد.

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

لقد كان المعز من خيرة الرجال؛ لكن فضائله قد طمست نظرا لما تعرضت له الدولة الفاطمية  من دعاوى التشنيع منذ قيامها، بسبب كثرة أعدائها، وعلى رأسهم القرامطة الذين اجتاحوا “سلمية” مدينة الفاطميين الأولى بسورية، وقتلوا كل من فيها، ولم ينج إلا عدد قليل، منهم عبيد الله المهدي، وابن عمه القائم بأمر الله. كما عمل العباسيون على الدعاية ضد الفاطميين، والتشكيك في نسبهم إلى السيدة فاطمة الزهراء، والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، كما ساهم الأمويون الذين أقاموا دولتهم في الأندلس في هذه الدعاية السوداء، ودعموا الثورات التي قامت ضد الفاطميين في المغرب، وقد استمرت آثار تلك الدعاية إلى يومنا هذا لتهيل التراب على فترة من أكثر فترات تاريخنا الإسلامي ثراء ومجدا.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock