ثقافة

مشاعل إسلامية (29): الماوردي.. و”الأحكام السلطانية”

أبو الحسن الماوردي، هو واحد من أعلام الفكر الإسلامي (ت 450 هـ).. وقد عاصر الماوردي، مثله في ذلك مثل عبد القادر البغدادي (ت 429 هـ)، السيطرة البويهية على الخلافة العباسية، كما عاصر ظهور الدولة الفاطمية في مصر وتوسعها في بلاد الشام.

وقد حدد هذا الوضع، التوجه الفكري للماوردي؛ فصرف جهوده في سبيل نصرة الخلافة العباسية، وتخليص المذهب “الرسمي” من الأزمة العميقة التي حلت به، بسبب النفوذ البويهي.

وإذا كان البغدادي قد وقف دون الخطوة الأساسية في محاولة الإجابة عن التساؤل: هل توجد طريقة للدفاع عن وحدة أهل السنة عقائديًا، وعن وحدتهم السياسية في الوقت نفسه، بعدما حل ـ حينذاك ـ ما حل من تفكك في الدولة العباسية(؟!).. فإن الماوردي قد حاول ما وقف دونه معاصره (البغدادي)؛ بل لا نغالي إذا قلنا: إن المحاولة التي قام بها الماوردي، ينكشف معناها التاريخي العميق، في ضوء ذلك السؤال.

الأحكام السلطانية

فكل مؤلفات الماوردي وبالأخص كتابه: “الأحكام السلطانية”، موضوعة من أجل “تجديد الصورة التاريخية لوحدة الدولة الإسلامية، واستيعاب واقع التجزئة فيها استيعابًا نظريًا”.. ومن ثم، كانت المسألة التي تصدى لها، هي: “كيفية إعادة صياغة نظرية الإمامة، بحيث يبدو الواقع التاريخي القائم (وهو واقع تجزئة على صعيد الأمة الإسلامية ككل، وعلى صعيد الخلافة العباسية كدولة محددة)، غير ناف لمبدأ وحدة الإمامة، الذي هو “التطبيق السياسي” للوحدة في “المذهب السني”.

في كتابه: “الأحكام السلطانية” يقول الماوردي: “إن الله جلت قدرته، ندب للأمة زعيمًا خلف به النبوة، وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة، ليصدر التدبير عن دين مشروع وتجتمع الكلمة على رأي متبوع. فكانت الإمامة أصلًا عليه استقرت قواعد الملة وانتظمت به مصالح الأمة، حتى استثبتت بها الأمور العامة وصدرت عنها الولايات الخاصة. فلزم تقديم حكمها على حكم سلطاني، ووجب ذكر ما اختص بنظرها على كل نظر ديني، لترتيب أحكام الولايات على نسق متناسب الأقسام متشاكل الأحكام”.

من خلال هذا النص، للماوردي، يمكن أن نلاحظ “الطريقة” التي يحدد بها “مكانة الإمامة” في حياة الأمة الإسلامية، وكذا “الفارق” بين هذه “الإمامة” و”الإمارة”.

الإمامة والإمارة

فمن جهة “الطريقة” التي يتبعها الماوردي، يتبدى واضحاً أنه يستخدم مفاهيم سياسية تتوسط بين مفهوم سلطة الإمام (الشاملة المطلقة)، ومفهوم تعدد الحكام الفعليين في دار الإسلام.

ومن جهة أخرى، يحدد الماوردي “مكانة الإمامة” في حياة الأمة الإسلامية، من منظور: “أن هذه الأمة تحتاج إلى زعيم يسوسها ويحقق مصالحها على نظام ويجمع كلمتها على رأي”.

فـ”الإمامة”، في رأيه، ضرورية للدين وللأمة من حيث كونها “أصل” لضمان تطبيق قواعد الملة وانتظام مصالح الأمة.. إذ، يحدد الماوردي أن حراسة الدين، التي هي المهمة الأولى من مهام الإمامة، هي: “حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة”.. وهو ما يعني أن الإمامة المقصودة، هي: “الإمامة كما يفهمها أهل السنة والجماعة”.

من جهة أخيرة، يوضح الماوردي أن ثمة فارقًا بين الإمامة والإمارة؛ فالأمير في نظر الماوردي، هو: “من تكون ولايته عامة في أعمال خاصة”. أي إنه الحاكم الذي يسوس المسلمين في إقليم معين في جميع الأمور.

ولأن الجمع بين العام والخاص هو ما يمكن أن يقسم الأمة الإسلامية قسمة عمودية؛ رأى الماوردي أن يعالج مسألة الإمارة بطريقة تؤدي إلى حفظ ما يمكن حفظه من وحدة الأمة الإسلامية. لذلك، يلجأ إلى التمييز بين “إمارة الاستكفاء” و”إمارة الاستيلاء”. ولأن الثانية هي التي تطرح مشكلة العلاقة بين الإمام والأمير، فقد رأى الماوردي أن أفضل حل لهذه المشكلة هو التسوية.

وفي ما يبدو هكذا، وأيًا يكن من أمر الاتفاق أو الاختلاف مع أطروحات الماوردي، في تلك الشئون، فلا يمكن إنكار ما وصف الماوردي به.

لقد وُصِف الماوردي ـ بحق ـ بأنه فيلسوف الأمر الواقع. ولكن واقعية الماوردي لا تعني مطلقًا تقديم الواقع على المبدأ، أو الانطلاق من الواقع في سبيل تحقيق مثال فلسفي.

ومن ثم، فقد رأى البعض أن: “الماوردي الذي كان يشعر بمرارة لزوال الأوضاع القديمة، يطور مفهومًا للسلطة في الأمة الإسلامية، يشبه أن يكون فيدراليًا أو كونفيدراليًا، يحتفظ بمقتضاه الخليفة بالسلطة الاسمية العليا، وللأقاليم فيه استقلاليتها بشئونها الخاصة”.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock