رؤى

السويس.. مدينة الأبطال (2)

نقلا عن صفحة الكاتب والباحث الأستاذ طارق يوسف علي الفيس بوك:

نستكمل سرد ما كان من المقاومة الشعبية لحماية السويس في 1973..

مدينة تعرف قَدْرَها جيدا..

وقَدَرُها أن تقدم الشهداء..

وأن تصبح مدينة للأبطال.

كمين الأربعين

عندما وصلت الموجة الأولى من مجنزرات العدو إلى ميدان الأربعين، أطلق البطل/ محمود عواد ــ من طاقم الكمين الأول من منظمة سيناء ــ قذيفتين من قاذفه الصاروخي آر بي جي على الدبابة الأولى؛ فأصابتها القذيفة الأولى إصابة سطحية، بينما طاشت القذيفة الثانية. وأسرع الكمين الثاني، الذي كان يتكون طاقمه من أفراد منظمة سيناء أيضا، ليأخذ موقعه عند سينما رويال، وأمسك البطل/ إبراهيم سليمان بالقاذف آر بي جي 7، وجلس القرفصاء بجوار المخبأ الذي كان يقع بين سينما رويال وسينما مصر، وطلب من زميله البطل/ محمد سرحان أن يعد له القذيفة، وعندما أصبحت الدبابة الأولى التي تتقدم الرتل على بعد حوالي 12 مترا من موقعه صوب إبراهيم سليمان القاذف بدقة نحوها وضغط على الزناد؛ لتنطلق القذيفة وتستقر أسفل برج الدبابة التي اختل توازنها وتوقفت ومالت ماسورة مدفعها على الأرض. وانتقل البطل/ إبراهيم سليمان إلى الجانب الآخر من المخبأ ليطلق القذيفة الثانية على العربة التي كانت تتبع الدبابة، والتي كان يستقلها أفراد المظليين فاشتعلت فيها النار.

حرب السويس

نقطة التحول

كانت هذه اللحظات القصيرة هي نقطة التحول في المعركة. ففي الوقت الذي توقفت فيه مدرعات الموجة الأولى أمام قسم شرطة الأربعين بتأثير المفاجأة، خرجت حشود من الجنود والمواطنين إلى الميدان والشوارع المحيطة بقسم الشرطة، وأخذوا في إطلاق نيران بنادقهم ورشاشاتهم على أطقم الدبابات، بينما ألقى البعض بقنابله اليدوية داخل أبراج الدبابات التي أخذت تنفجر ويشتعل بعضها بالنار حتى تحولت المنطقة إلى قطعة من الجحيم.

أسرع بعض الإسرائيليين إلى مبنى قسم الأربعين ليتحصنوا داخله، وكان بينهم عدد من أشهر قناصة قوات الاحتلال، ولم يكن أمام أبطال المقاومة إلا اقتحام القسم. في البداية، قام رجال الشرطة بمحاولتين بطوليتين لاقتحام قسم الأربعين، وإنقاذ الضباط والجنود الموجودين داخله من قبضة الإسرائيليين. قاد المحاولة الأولى الرائد نبيل شرف على رأس قوة من جنود قسم شرطة السويس وجنود وحدة قوات الأمن. وقاد المحاولة الثانية النقيب عاصم حمود على رأس قوة من جنود قسم شرطة السويس وبعض جنود قسم شرطة الأربعين. ولكن المحاولتين لم يصادفهما النجاح، واستشهد الضابطان ومعهما ستة من ضباط الصف والجنود.

وفي حوالي الساعة الرابعة مساء قررت مجموعة من أبطال المقاومة اقتحام قسم شرطة الأربعين. تقدم البطل/ إبراهيم سليمان، واعتلى سور القسم، لكن رصاص العدو كان أسرع منه، فسقط أعظم أبطال معركة السويس شهيدا على السور بعد أن أدى واجبه، وكانت قذيفته التي أطلقها في الصباح على الدبابة الإسرائيلية القائدة هي نقطة التحول التاريخية في معركة السويس، ليظل جسده الطاهر معلقا على السور حتى صباح اليوم التالي.. وفي نفس اللحظة يتقدم البطل/ أشرف عبد الدايم ليقتحم القسم من الأمام، ومن خلفه البطل/ فايز حافظ أمين يحميه ويغطي تقدمه، وبعد أن تحركا تحت ستار من نيران رشاش كل منهما، فتح العدو النيران عليهما، ليسقط البطل/ أشرف عبد الدايم شهيدا على سلم القسم، ويسقط البطل/ فايز حافظ أمين شهيدا بجوار الخندق داخل القسم، أما رابع هذه المجموعة من الأبطال الذين حاولوا اقتحام وتحرير مبنى قسم شرطة الأربعين، فكان الشهيد البطل/ إبراهيم محمد يوسف، الذي لم يكن عضوا بمنظمة سيناء، بل كان مواطنا عاديا من أبناء السويس، وقد تسلم السلاح للدفاع عن مدينته في التاسعة صباحا واستشهد في الثانية ظهرا.

حرب السويس

وظلت محاولات اقتحام السويس تتكرر لمدة خمسة أيام متوالية، حتى مساء يوم الثامن والعشرين من أكتوبر، دون أن يحقق العدو الصهيوني أي نجاح، وظلت السويس بأبطالها عصية على الاقتحام.

وتعجز الكلمات عن وصف القتال الذي دار بين المدرعات والعربات المدرعة، وبين الرجال والأطفال والنساء المسلحين بالإيمان والحماس، مواطنون عاديون، مجندون بسطاء، لكنهم أحبوا مدينتهم أكثر مما أحبوا حياتهم وأرواحهم.. أجل، أحبوا مدينتهم، مدينة البحر والجبل، السويس.. مدينة تعرف قَدْرَها جيدا.. قَدْرُها من قَدْرِ أبنائها.. وقَدَرُها أن تقدم الشهداء، وأن تصبح مدينة للأبطال.

منظمة سيناء

هؤلاء الرجال الذين تحملوا العبء الأكبر في الدفاع عن السويس هم أعضاء منظمة سيناء، تلك المنظمة التي تكونت وبدأت العمل الفدائي ضد العدو في أوائل عام 1968.

إن  أعضاء هذه المنظمة الذين كان عددهم يبلغ خمسة عشر بطلا، قاموا بالمئات من العمليات الفدائية ضد العدو في شرق القناة، وكبدوه الكثير من الخسائر في المعدات والأرواح، وذلك طوال حرب الاستنزاف، ويكفى أنهم كانوا أصحاب أول هجوم في وضح النهار ضد الصهاينة. هؤلاء الأبطال الذين أطاروا النوم من أعين الصهاينة، كان العدو يعرف أسماءهم جيدا في إسرائيل، وبعضهم كان رأسه مطلوبا في تل أبيب، فقد نفذوا عمليات فدائية عظيمة ضد جيش الاحتلال. حتى انتهت حرب الاستنزاف يوم 8 أغسطس 1970 بإعلان  وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل «مبادرة روجرز».

حرب السويس

ما عرضناه في هذا المقال يمثل جانبا واحدا من جوانب البطولات التي قام بها شعب السويس البطل. لقد عرضنا هنا لبطولات أبطال منظمة سيناء. ويبقى أن نسجل أن أبطال المقاومة الشعبية بالسويس كانت لهم بطولات لا يمكن إنكارها أو تجاوز ذكرها. وما ينطبق على منظمة سيناء وأبطال المقاومة الشعبية، ينطبق أيضا على جنود وضباط الجيش داخل السويس، وجنود وضباط الشرطة، وأهل السويس من رجال ونساء وأطفال، وعمال الشركات بالسويس. كل هؤلاء كانت لهم بطولات وقصص يجب أن تروى، حتى تظل في ذاكرتنا نحملها جيلا بعد جيل، فلا ينساها التاريخ.

كما نذكر بكل الفخار والاعتزاز كيف واجه أبطال السويس الحصار الذي دام لمدة مائة يوم في ظروف شديدة القسوة، يجب أن نحكي لأبنائنا وأحفادنا كيف عاش من كان بالسويس خلال هذه الأيام المائة، وهي في حد ذاتها بطولة لأناس قبلوا التحدي، وقرروا هزيمة عدونا الصهيوني في معركة البطون الخاوية.

مادة وثائقية:

حسين العشي، خفايا حصار السويس

 المجموعة 73 مؤرخين

 موقع المعرفة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock