مختارات

السويس.. مدينة الأبطال (1)

نقلا عن صفحة الكاتب والباحث الأستاذ طارق يوسف علي الفيس بوك:

مدينة تعرف قَدْرَها جيدا..

وقَدَرُها أن تقدم الشهداء..

وأن تصبح مدينة للأبطال.

السويس.. مدينة البحر والجبل.. تعرف تاريخها.. وقَدَرَها.. يعرفها التاريخ، ويثمن قًدْرَها.. أبطالها مغمورون.. فدائيوها متواضعون.. مدينة بلا نصب تذكاري.. مدينة بها شوارع تحمل أرقاما، شوارع بلا أسماء، على كثرة أبطالها الشهداء منذ فجر التاريخ.

كان اسمها هيروبوليس، أثناء الحكم الإغريقي الروماني لمصر، وهيروبوليس تعني مدينة الأبطال، ومنذ ذلك التاريخ، أصبح هذا الاسم، صفة.. نبوءة.. وقَدَرًا.. أكثر من كونه اسمًا.

تتغير الأسماء، وتتبدل العصور، تقوم دول وتنهار ممالك، لكن السويس تظل دائما في ذاكرة التاريخ، تحمل نفس الاسم، الصفة.. النبوءة.. القَدَر.. “مدينة الأبطال”.

موعد مع البطولات

في السادس عشر من أكتوبر عام 1973، كانت مدينة الأبطال على موعد جديد مع القدر.. فقد بدأت إسرائيل في تنفيذ “عملية الغزالة”، فعبرت القناة غربا عند منطقة الدفرسوار شمال السويس، فيما عُرف إعلاميا باسم “الثغرة”، عندما علمت القيادة الإسرائيلية بالاتجاه إلى صدور قرار بوقف إطلاق النار من مجلس الأمن، قامت بالتركيز على التقدم نحو السويس بأقصى سرعة، في محاولة للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة.. وفي الساعة السادسة وخمسين دقيقة من مساء الثاني والعشرين من أكتوبر، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 338 بوقف إطلاق النار، وكانت القوات الإسرائيلية على بعد 35 كيلومترا شمال السويس.

وفي فجر يوم 23 أكتوبر انتهكت إسرائيل قرار مجلس الأمن رقم 338، فقد تقدمت فرقتان مدرعتان جنوبا في اتجاه السويس. وفي 23 أكتوبر، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا جديدا رقم 339، بموعد جديد لوقف إطلاق النار، وهو الساعة السابعة صباحا يوم 24 أكتوبر.

عند منتصف ليلة 23/24 أكتوبر كانت القوات الإسرائيلية التي اندفعت في اتجاه الجنوب منذ فجر 23 أكتوبر قد أكملت ـ في ظل وقف إطلاق النار ـ الحصار حول مدينة السويس، وكان الإسرائيليون على ثقة بأن قواتهم المدرعة لن تلبث أن تقتحم السويس دون أي مقاومة، وأن عَلَمَهم سوف يرفع على مبنى المحافظة خلال بضع ساعات من بدء الهجوم، إذ أن السويس- حسب معلوماتهم– كانت خالية من القوات العسكرية إلا من بعض الجنود الشاردين الذين دخلوها عقب المعارك الأخيرة، وكان تقدير الإسرائيليين أن الروح المعنوية لهؤلاء الجنود بالطبع ضعيفة. ولذا اعتقد الجنرال أدان (قائد الفرقة المدرعة الإسرائيلية التي تحاصر السويس) أنه سيدخل المدينة وأنه سيكون لسقوطها دوي سياسي هائل على المستوى العالمي، مما سيحقق له شهرة واسعة ومجدا ذائع الصيت.

حرب نفسية

ولم تكتف القوات الإسرائيلية بحصار السويس من كل الجهات برا وبحرا، بل عمدت إلى توجيه أقسى أساليب الحرب النفسية ضد سكانها، بقصد ترويعهم والضغط على أعصابهم؛ لحملهم على التسليم. ولهذا قامت بقطع ترعة السويس المتفرعة من ترعة الإسماعيلية والتي تغذي المدينة بالمياه الحلوة، كما دمرت شبكة الضغط العالي التي تحمل التيار الكهربائي من القاهرة إلى السويس، وقطعت بعد ذلك أسلاك الهاتف التي تربط المدينة بالعالم الخارجي.

السويس

وكانت القيادة الإسرائيلية على يقين بأن أهل السويس سوف يقابلون دباباتها ومدرعاتها بالأعلام البيضاء حال ظهورها في الشوارع، بعد أن أصبحوا في هذه الظروف المعيشية التي لا يمكن لبشر أن يتحملها، فلا مياه ولا طعام ولا كهرباء ولا معدات طبية أو أدوية للمرضى والمصابين، ولا اتصالات هاتفية مع الخارج.

وفضلا عن ذلك ركزت مدفعية العدو قصفها العنيف على  الأحياء السكنية، وانطلقت طائراته تملأ سماء المدينة؛ لتصب على مرافقها ومنشآتها الحيوية وابلاً من صواريخها لتشعل في المدينة النار والدمار، وليقع تحت قصفها المدمر مئات من الشهداء وآلاف من الجرحى، حتى ضاق المستشفى العام بالجرحى والمصابين، وأصبحوا لفرط الازدحام يوضعون على الأرض في طرقات المستشفى، وكان الهدف من هذه الحرب النفسية الشرسة هو إقناع الجميع في السويس بأنه لا جدوى من المقاومة، وأن الحل الوحيد للخلاص من كل متاعبهم هو الاستسلام للغزاة.

كمين الأربعين

كانت هناك مجموعة من الأبطال الذين ينتمون لمنظمة سيناء– لم يهدأ لهم بال ولم يغمض لهم جفن طوال ليلة 23، 24 أكتوبر.. فقد خططوا لعمل عدة كمائن على مدخل السويس لملاقاة العدو. ولكن نظرا لضعف إمكاناتهم، فقد اتفقوا على الاكتفاء بعمل كمين عند ميدان الأربعين وآخر عند مزلقان الشهداء. وكانت المشكلة الرئيسية التي واجهتهم هي البحث عن السلاح المؤثر ضد الدبابات من المدى القصير والذي يصلح لقتال الشوارع، وهو القاذف آر بى جى 7، وهداهم تفكيرهم إلى التوجه إلى مخزن السلاح بالطابق الأرضي بالمستشفى العام، الذي تُحفظ فيه أسلحة الجنود الجرحى والشهداء، عسى أن يجدوا داخله بغيتهم، وعندما اعترضهم المخزنجي خوفا على عهدته فتحوا المخزن عنوة، وكانت فرحتهم الكبرى عندما عثروا على قاذف آر بى جى7 وثلاث قذائف. وكان هذا القاذف –في يد الشهيد إبراهيم سليمان– على موعد مع القدر.

السويس

وابتداء من الساعة السادسة صباحا، بدأت الطائرات الإسرائيلية في قصف أحياء السويس، لمدة ثلاث ساعات متواصلة، في موجات متلاحقة.. وبشدة لم يسبق لها مثيل. وكان الغرض هو تحطيم أي مراكز للمقاومة داخل المدينة، والقضاء على أي تصميم على القتال لدى أهل السويس.

وفي حوالي الساعة العاشرة والدقيقة الخمسين صباحا، تقدمت من محور المثلث، ثلاث موجات كل موجة تتكون من 8 دبابات، وكل دبابة منها تتبعها عربة مدرعة، وعبرت القوة المدرعة منطقة المثلث، وأخذت تجتاز طريق الجيش في ثبات وتؤدة، وقد بلغت ثقة الإسرائيليين بعدم تجرّؤ أحد من أهل المدينة على مقاومتهم إلى الحد الذي جعل قادة الدبابات يقفون جميعا ليشاهدوا من أبراج دباباتهم المفتوحة الشوارع التي يمرون من خلالها.

وإلى الملتقى غدا.. لنتابع انتصار أبطال المقاومة الشعبية في معركة الاربعين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock