ثقافة

واحة الغروب.. “كاثرين” ورحلة البحث عن الإسكندر الأكبر (4-4)

هكذا بدت حالة الضابط “محمود عبدالغفار” بعد تكليفه بالسفر إلى واحة سيوة في قلب صحراء مصر الغربية؛ حالة من التيه وهو ذاهب إلى قلب صحراء التيه، يتمنى أن ينسى أمسه، راغبا في معرفة ما يحمله له الغد. هو ضابط وطني مصري يحمل أفكار ثائر عظيم، حمل حُلم ثورةٍ تكالب عليها الخونة واللصوص؛ فطويت صفحتها بعد نحو عام ملأت به الوطن بأحلام بالخلاص!

يذهب إلى غدٍ لا يعرف ملامحه، مُتّهما في ولائه للخديوي وأسياده من المحتلين.. غير أنه يذهب ومعه زوجته “كاثرين” التي عرفته خلال رحلة سياحية لها بصعيد مصر، وتحديدا عند أسوان، عندما جمعتهما سفينة سياحية واحدة، كان هو المسئول عن أمنها وسلامتها، أما هي فكانت شغوفة إلى حد العشق بتراث مصر القديمة.. كان لقاء الأقدار الذي صنعته الصُدفة وحدها!

هو التائه بعد انكسار ثورته، وهي الضائعة بعد انكسار حلمها في رجل يملأ عليها حياتها!

هنا يبدأ بهاء طاهر الدخول إلى عالم تلك الإيرلندية، التي جاءت بحثا عن أسرار الفراعنة العظام، فوجدت نفسها قبل إماطة اللثام عن تلك الكلمات الهيروغليفية المكتوبة عَلى جدران المعابد القديمة، في رحلة بحث واستكشاف سريعة وخاطفة للرجل الذي قررت أن يكون رجلها!

هي تلك الإيرلندية التي تتشابه ظروف وطنها مع ظروف مصر، فكلاهما يقعان تحت وطأة الاحتلال البريطاني، فكراهيتها لذلك المُحتل، يُماثل كراهية “محمود عبدالغفار” له. نعرف من خلال حديثها عن نفسها أنها ابنة عالم آثار مُتخصص في الحضارة الإغريقية، ولذلك فقد أتقنت اللغة اليونانية القديمة، وعملت كمساعدة لأبيها الذي كانت تحبه حبا جمّا.

غير أن روح التمرد الساكنة فيها دفعتها إلى البحث عن حضارة أقدم وأعرق وأكثر رسوخا وقوة، فوجدت في الفراعين العظام وحضارتهم، ضالتها النفسية والثقافية والعلمية، فأتقنت الهيروغليفية والديموطيقية، وحتى اللهجات القديمة لأهل تلك الحضارة، مشفوعة بمعرفة جيدة باللغة العربية الفُصحى ، فضلا عن معرفة مُماثلة ببعض اللغات الشرقية الأخرى!

هي إذن مخزن للغات القديمة والحديثة، وروح وثّابة للبحث عما هو قديم، هي ابنة حضارة الغرب ذات الأصول الواهية، والساعية في الوقت نفسه، إلى معرفة “فجر الضمير” الإنساني حيث أرضه وناسه، ومعابده ومسلاته، ولحظات ضعفه وانكساره، وأزمان قوته وازدهاره.

أخذت “كاثرين” مسارا بحثيا مُختلفا عن أبيها، فقد جعلت البحث عن أسرار “الإسكندر الأكبر” ذلك القائد العسكري المقدوني الأسطوري، هدفا للبحث عن الحقيقة.. حقيقة تنصيبه ملكا وإمبراطورا، بوصفه ابنا للإله “آمون” وذلك في الزمن القديم الغابر.

ولم تكن واحة سيوة سوى تلك الواحة التي ينهض في داخلها وفي القلب منها ذلك المعبد الذي حمل فيه ذلك المقدوني الفذ لقبه كـ”ابن للآلهة”! لقد مات “الإسكندر الأكبر” والأساطير تحيط به بعد موته، بمثل ما أحاطت به الأساطير أثناء حياته!

فمن قائل أنه مات في بابل العراقية بعد بسط  سيطرته عَلى بلدان الشرق كله ودُفن هناك، ومن أكد موته فعلا في بابل؛ إلا أن جثمانه قد نُقل في موكب جنائزي أسطوري؛ ليُدفن حيث تُوج ملكا وابنا للآلهة، في معبد آمون بقلب الواحة!

ومن أشار بالدليل أنه دُفن في مدينته التي أقامها عَلى البحر المتوسط، وحملت اسمه، بجوار مكتبتها العريقة، ثم ذهب جثمانه إلى أعماق البحر؛ عندما ضرب الطوفان مدينته في العصور القديمة.

ألف ألف تفسير وتفسير، غير أن الراسخ عند “كاثرين” أن واحة سيوة لا غيرها هي موطن جثمانه، في قلب معبد الإله “آمون” فقد نُصّب بين أروقته، ولا جدال بوجود جثمانه بين حجراته، بل في قدس أقداسه، حتى لو صارت أعمدته حُطاما وأنقاضا!

غير أننا نعرف من ثنايا حديث “كاثرين” عن نفسها، أن رحلتها إلى مصر، لم يكن سببها هو تلك الرغبة العارمة في البحث عن أسرار ذلك المقدوني العظيم فقط، بل رحلة لإثبات الوجود واستعادة الثقة المفقودة، بعد بضع سنوات سوداء قضتها في كنف رَجُلٍ تصورت أنه رجلها المُنتظر.

لم يكن ذلك الرجل سوى “مايكل” الذي كان يعمل باحثا مُساعدا لأبيها، ومُتخصصا في ذات الفرع، أي الحضارة الإغريقية القديمة.

كانت عينه عَلى شقيقتها الوديعة والفاتنة والأكثر جمالا منها، شقيقتها “فيونا” ذات الوجه الملائكي، والحاملة لأخلاقيات وسلوكيات القديسين!

فاجأها ذات يوم وبعد نحو عام من وفاة أبيها بعرض الخطبة، ثم بعد ذلك برغبته بالزواج، وبدا سؤالها له مشروعا: “لماذا أنا بالذات؟ ولماذا لا تكون “فيونا” هي الزوجة المناسبة لك؟ والتي ما تركتَ فرصة للجلوس معها، والحديث بالقرب منها.

قال: “أنت من أُحِب، أنت من أريدك زوجة”.

لم أكن أحمل له أي مشاعر حب، ولا أرضى به زوجا، غير أنني وافقت عندما أكدت لي شقيقتي “فيونا” أنها لا تحبه، ولو تقدّم لخطبتها لرفضته”.

وهكذا تزوجت “كاثرين” وهكذا تحولت الرغبة في الحياة مع ذلك الـ “مايكل” إلى كابوس، فلم يحركه سوى الرغبة في تحطيمها والسخرية منها، بل والسخرية من حضارة الفراعنة التي تعرف قيمتها وقدرها، ووصل به الجنون إلى حد تمزيق ما تكتبه من أبحاث وما تقتنيه من كتب وأوراق ووثائق ورثتها عن أبيها!

كان يحاول تعويض فشله معها كرجل، بهذا العنف المجنون، كانت غايته ولذته الوحيدة هي تحطيمها، وتحويل روحها إلى ركام، وجسدها الى أنقاض!

ذات صباح مات “مايكل” بعد أسابيع قليلة من المرض الذي دمر صدره وحول رئتيه إلى رماد. لم تفرح “كاثرين” لموته، بل حزنت أشد الحزن، ولم تشمت في مرضه، بل كانت بحق الزوجة المُخلصة التي وقفت بجانب من كان يكرهها، ويتحين الفرصة تلو الفرصة لتعذيبها وقهرها.

بعد أسابيع من الحزن، استعادت نفسها  وامتلكت روحها، تنفست الصُعداء، وطويت صفحته، وتركت وراءها ماضٍ لا تريد أن تتذكره، وتوجهت بوجهها وبقلبها وعقلها، إلى الشرق، إلى مصر لكي تصنع لنفسها يوما جديدا، وغدا فسيحا، وساحة من التفاؤل تتسع أرضها في ربوع الوادي الخصيب، وتفرش حُلمها في ظلال نخيلها، تغرس نبتة في أحضان الواحة، (واحة سيوة) حيث يربض حلمها في البحث عن الإسكندر الأكبر.

في الوقت الذي ذهب “محمود عبدالغفار” في صحبة زوجته التي وجدت فيه الرجل بكل خصائص الرجولة والقوة والثقة بالنفس إلى “واحة الغروب” التي ذهب اليها، لا يحمل معه سوى ذكريات ماضٍ أراد أن ينساه، وغدٍ لا يعرف له عنوانا، غير أنها كانت تحمل أملا، وتعرف غدا يجعل من تلك الواحة واحةً للشروق؛ وليست ساحة تغرب عندها الشمس، فتغدو ظلاما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock