رؤى

الانضمام لمنظمة “شنغهاي” للتعاون.. دوافع وآمال (2-2)

اكتسبت منظمة شنغهاي للتعاون أهمية متزايدة، بعد أن امتدت مساحتها الجغرافية، والجيوسياسية، من المجال الأوراسي إلى امتداده الشرق أوسطي؛ وذلك عبر انضمام خمس دول عربية خليجية، هي الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر.. إضافة إلى مصر، إلى عضوية المنظمة بصفة “شريك حوار”، بما يعكس “سياسة انفتاحية عربية” تُركز على توسيع قاعدة المصالح إقليميًا وعالميًا.

هذا التوجه العربي، يستند إلى عدد من الدوافع؛ إذ، في الوقت الذي تتم فيه محاولات “تنويع الشركاء” وإنشاء تحالفات جديدة، فضلًا عن إعادة التموضع خصوصًا في ما يتعلق بمجالات الطاقة، من النفط والغاز؛ فإنه في الوقت نفسه، توجه يسعى إلى الاستفادة من الجانب الاقتصادي لهذه المنظمة، إضافة إلى الاستفادة من إمكانية التعامل، مع أعضاء المنظمة، بالعملات الوطنية؛ بما يُخفف، ولو في الحد الأدنى، من الهيمنة السياسية للعملة الأمريكية.. الدولار.

منظمة شنغهاي

عبر تقنية “الفيديو”، وخلال القمة الافتراضية التي استضافتها الهند، التي تتولى رئاستها الدورية، أقرت منظمة شنغهاي،الثلاثاء 4 يوليو، انضمام إيران رسميًا، عضوا كامل العضوية، لتُصبح بذلك العضو التاسع في المنظمة. وقد دعا البيان الختامي للقمة إلى إصلاح منظمة التجارة العالمية؛ فضلًا عن التأكيد على وجود “خارطة طريق” من قبل الأعضاء، لزيادة حصة التعامل بالعملات الوطنية في التسويات المتبادلة. هذا، بالإضافة إلى تأكيد أعضاء المنظمة على معارضة التدخل في شئون الدول الداخلية، بحجة “مكافحة الإرهاب”.

ومنظمة شنغهاي، منظمة حكومية دولية تأسست عام 2001، بهدف التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية، وتوفير السلام والاستقرار في المجال الأوراسي؛ إلا أنها توسعت لتُغطي منطقة شاسعة، يصل عدد سكانها إلى ما يقترب من “نصف” سكان العالم. بل إن المنظمة، بعد أن وصل عدد أعضائها إلى تسع دول، أصبحت تضم في عضويتها خمس دول تملك إمكانات نووية؛ ما دعا الإعلام الغربي أن يُطلق عليها “التحالف الشرقي”. أيضًا، تضم المنظمة أربع دول تحمل صفة مُراقب؛ فضلا عن دول أخرى لها صفة شريك حوار، من بينها ست دول عربية.

ولعل هذا العدد من الدول، الذي يُشارك في المنظمة، أو ذلك العدد من الدول الذي ما يزال ينتظر الموافقة على الانضمام إليها، هو ما دفع البعض لأن يعتبر منظمة شنغهاي ندًا لـ”الناتو”؛ وأن يعتبر البعض الآخر أنها تتضمن هيكلًا هو أقرب إلى هيكل الاتحاد الأوروبي. هذا، وإن كان يبدو ظاهريًا، صحيحا إلى حد ما؛ إلا أن الحقيقة أن المنظمة، رغم إمكاناتها الاقتصادية، والجيوسياسية، تضم دولًا لا تتسم العلاقات في ما بينها بالاستقرار؛ والأمثلة هنا كثيرة، كالهند والصين، والهند وباكستان، وغيرها. لذلك، يُمثل التعاون الاقتصادي مرتكزًا رئيسًا للتفاعلات بين أعضاء المنظمة، التي تأسست قبل عقدين من الزمان.

دوافع عربية

في إطار ما يُمكن تسميته بالتراجع الأمريكي في الاهتمام بقضايا الشرق الأوسط، تحت ضغط التحول إلى ملفات داخلية، وأخرى خاصة بالصين وروسيا؛ إضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وتداعياتها الدولية المختلفة.. تزايدت الدوافع لدى الدول العربية، الفاعلة في المنطقة، للتوجه تدريجيًا نحو “الشرق”، والعمل على الانضمام إلى منظمات تحاول تقليص هيمنة الغرب عالميًا، أو على الأقل الحد من ضغوط هذه الهيمنة، عبر “المرونة” التي تُتيحها تلك المنظمات، مثل “بريكس” و”شنغهاي”.

ولعل أهم هذه الدوافع العربية.. هي التالية:

أولًا: تنويع الشركاء وإنشاء تحالفات دولية جديدة؛ إذ إن منظمة شنغهاي تضم حاليًا نحو 20 دولة، بين عضو مُراقب، وعضو شريك حوار، فضلا عن الأعضاء التسعة؛ ولاحقًا يمكن أن تتوسع المنظمة لتشمل عددًا كبيرًا من الدول العربية والآسيوية والأفريقية أيضًا. ومن ثم فإن التوجه العربي إلى المنظمة، يأتي في إطار تنويع الشركاء، سواء بخصوص القوى الدولية، أو الإقليمية؛ خاصة وأن أحد بنود تأسيسها هو حماية الوضع الجغرافي والجيوسياسي للدول الأعضاء.

ثانيًا: إعادة التموضع في المجالات الخاصة بالطاقة؛ حيث إن عددًا من العوامل، الاقتصادية والتجارية، فضلًا عن التأثيرات الجيوسياسية، على الساحة العالمية، تُساهم في تحول “مركز الثقل” العالمي نحو الشرق. إذ، تبدو قدرات منظمة شنغهاي، خصوصًا في المجالات الخاصة بالطاقة، كبيرة بما يكفي لتكون مركزًا اقتصاديًا ضخمًا.

فالصين والهند من أكبر مستوردي النفط والغاز، فضلًا عن كون الصين هي ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم؛ يأتي هذا في الوقت الذي تُعتبر فيه روسيا والإمارات والسعودية والكويت أكبر منتجي النفط، في حين أن أكبر منتجي الغاز الطبيعي يتمثل في روسيا وقطر وإيران. ولعل هذا ما يمنح منظمة شنغهاي قدرات هائلة، للتحكم في أسواق الطاقة على مستوى العالم، سواء من حيث الإنتاج أو حتى الاستهلاك؛ ويمنحها أيضًا موقعًا مهمًا في إعادة التموضع العربي، الخليجي خصوصًا، على مستوى أسواق الطاقة العالمية.

ثالثًا: تفعيل التوازن العربي على الساحة الدولية؛ فإذا كان التوجه العربي للتوجه شرقًا، والانضمام إلى المنظمات الفاعلة في المجال الآسيوي والأوراسي، مثل بريكس وشنغهاي، لا يعني الابتعاد عن الحليف الاستراتيجي، المتمثل في الولايات المتحدة، وحلفائها من الأوروبيين؛ إلا أن هذا التوجه، نفسه، يسعى إلى تفعيل استراتيجية “التوازن المرن” بين القوى الدولية الكبرى.

إذ، إن تعدد الحلفاء الاستراتيجيين لابد أن يُحقق، في المستقبل، نوعًا من التوازنات، وذلك تحسبًا لأي تغيرات سياسية أو اقتصادية طارئة؛ وهو ما يبدو بوضوح عبر تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، على مجالات متعددة، اقتصادية وتجارية وأمنية، وغيرها. هذا، فضلًا عن أن منظمة شنغهاي يمكن النظر إليها كـ”نموذج حوكمة” عالمي، بديل لنماذج أخرى تتمحور حول الغرب وسياساته.

رابعًا: توسيع قاعدة التعامل بالعملات الوطنية؛ إذ، يبدو هذا التوجه بوضوح في إطار المنظمة وأعضائها، خصوصًا روسيا والصين والهند. فمن جهة روسيا، فقد ألقى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال القمة الأخيرة، التي استضافتها الهند، خطابًا أكد فيه على أن “أكثر من 80 % من التجارة بين بلاده والصين، تُنفذ بعملتي الروبل واليوان، بعيدًا عن الدولار”؛ ولم يكتف بوتين بذلك، بل حث أعضاء المنظمة على “اتباع نفس النهج”. أما من جهة الصين، فتكفي الإشارة إلى أن بكين قد نجحت في توسيع نطاق استخدام عملتها الوطنية، من قبل بعض الدول العربية؛ حيث كانت قطر أول من أطلق مركز مقاصة للعملة الصينية “الرنمينبي”، حتى تتم المبادلات التجارية على أساسها في مجال الطاقة.

وكما يبدو، عبر بوابة شنغهاي، تحاول القوى الدولية الآسيوية التوجه نحو “طلاق الدولار” الأمريكي؛ بما يعنيه ذلك من استهداف سياسي، لتخفيف عباءة الهيمنة الأمريكية. ولعل ذلك، نفسه، ما يُمثل دافعًا عربيًا قويًا، لتوسيع قاعدة التعامل بالعملات الوطنية، بما يُتيح تقوية قيمة هذه العملات، في سلة العملات الدولية.

توجه مستقبلي

في هذا السياق، يُمكن القول بأن التوجه العربي إلى منظمة شنغهاي للتعاون، لأجل الحصول على عضويتها، بما يعنيه من شراكة “عربية ـ آسيوية”، إنما يُعبر عن “توجه مستقبلي” لدى عديد من الدول العربية؛ من منظور أن هذه المنظمة، مستقبلًا، سيكون لها تأثيرات كبرى في قلب موازين القوى الاقتصادية والتجارية، وكسر الاحتكار الغربي لقيادة العالم عبر الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى. إذ، إن أولويات التعاون، في إطار المنظمة، تكمن في السعي إلى إقامة منطقة تجارة حرة، بما يمنحها ثقلًا عالميًا مؤثرًا، لاسيما أنها تضم ما يقترب من “نصف” سكان العالم.

ولنا، هنا، أن نتأمل كيف سيكون “شكل العالم”، في حال نجاح كل من مجموعة “بريكس”، ومنظمة “شنغهاي” للتعاون، من توسيع العضوية لديهما؛ بل، وكيف سيكون توجه “مركز الثقل” الاقتصادي، والجيوسياسي، العالمي في المستقبل القريب.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock