رؤى

الرسم “القرءاني”.. وإشكالية دلالات مصطلح “دَابِر”

يأتي حرف “الألف”، ليُعبر عن إحدى أهم الظواهر في الرسم القرءاني، من حيث اختلاف دلالة المصطلح باختلاف الرسم القرءاني له؛ نعني مجيء اللفظ الواحد مرسوما بألف في موضع، وبغير ألف في موضع آخر.

ومن المنطقي أن هذا الاختلاف في “المبنى”، يترتب عليه اختلاف في “المعنى”؛ وبالتالي تختلف دلالات اللفظ بحسب اختلاف الرسم القرءاني لحرف الألف.

وضمن عديد من الأمثلة على حرف “الألف” بوصفه مؤشرا دلاليا؛ وإضافة إلى أمثلة مُتعددة، كنا قد تناولناها في أحاديث سابقة، سنحاول في حديثنا هذا الاقتراب من مصطلحات قرءانية أُخرى، تؤشر إلى مدى ما يُمثله هذا الحرف من أهمية دلالية، ضمن سياق آيات التنزيل الحكيم.

والدُبُر هو “آخر الشيء وتابعه من خَلْفُه”، ودَبًر النهار إذا جاء آخره؛ و”وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ”، أي جاء آخره، كما في قوله تعالى: “كَلَّا وَٱلۡقَمَرِ ٭ وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ ٭ وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ ٭ إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ٭ نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ” [المدثر: 32-35].

والدابر التابع للشيء، و”قطع الله دابرهم”، أي آخر من بقيَ منهم. وقد ورد مصطلح “دُبُر” ومشتقاته في التنزيل الحكيم 36 مرة؛ وفي صيغة الجمع، وردت الكلمة، رسمًا قرءانيًا، ممدودة الباء بالألف؛ كما وردت أيضا بسكون الدال ومدت الباء بالمدة فوقها للجمع دون ألف. وهو ما يعني الاختلاف الدلالي بين ورود المصطلح مع تثبيت حرف الألف، عن وروده دون هذا التثبيت.

ونؤكد هنا أننا نلتقي -من حيث الدلالة- مع ما أورده المفكر السوري رضوان دوابي، بخصوص هذا المصطلح، في كتابه “الحقائق الكونية: الساعة والسبع المثاني والقرءان العظيم”؛ إلا في ما يخص لفظ “دَابِرُ”، حيث إننا نختلف معه في أن اللفظ بوصفه مصطلحا قرءانيا، لا يُعبر عن الجانب الوظيفي فقط، أو كما يُطلق عليه دوابي “المنحى الوظيفي”؛ ولكن المصطلح يؤشر أيضا إلى الجانب المادي العضوي؛ بما يعني أن مصطلح “دَابِرُ” يؤشر دلاليًا، إلى كل من الجانبين الوظيفي والمادي كليهما.

فمن حيث إن الدابر هو “التابع للشيء وآخره من خلفه” كالولد للوالد؛ فإن مقولة “قطع الله دابره”، تؤشر إلى أن الله سبحانه وتعالى أذهب ذريته، فلم يخلفه أحد؛ بما يؤكد أن قطع الدابر هو الاستئصال، وهو الجانب المادي للمصطلح.. فإذا كان هذا الاستئصال يأتي لهدف مُحدد، أي إن الهدف يتحقق عن طريق الاستئصال، أو “قطع الدابر”، تكون الإشارة إلى الجانب الوظيفي للمصطلح؛ بما يدل على أن مصطلح “دَابِرُ” في آيات التنزيل الحكيم، يأتي ليؤشر دلاليًا، على الجانبين معًا.. المادي والوظيفي.

يقول سبحانه وتعالى: “فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٭ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ” [الأنعام: 44-45]. وكما هو واضح، عبر سياق الآية الكريمة، فإن “قُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ” يأتي للدلالة على الاستئصال، المادي والمعنوي، أي العضوي والوظيفي معًا، من حيث إنهم “ظَلَمُواْۚ”، فأخذهم الله سبحانه “بَغۡتَةٗ”، فإذا هم “مُّبۡلِسُونَ”. و”بلس” في الأصل تأتي للدلالة على اليأس؛ فيُقال أبلس الرجل سكت، وأبلس إذا يئس، ومن ذلك اِشْتُقَّ اسم إبليس، كأنه يئس من رحمة الله سبحانه وتعالى.

وهذه الدلالة، التي يؤشر إليها مصطلح “دَابِرُ” في آيات التنزيل الحكيم، تتأكد، أيضًا، عبر قوله عزَّ من قائل: “وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ” [الحجر: 66]؛ وكذلك، من خلال قوله عزَّ وجل: “فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ” [الأعراف: 72].

ولنا أن نُلاحظ المُقابلة التي تتضمنها الآية الكريمة، بين “فَأَنجَيۡنَٰهُ”، وبين “وَقَطَعۡنَا”؛ حيث يأتي هذا “القطع” بناءً على أنهم “كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ”؛ في حين تأتي “النجاة” بناءً على رحمة من الله سبحانه وتعالى “بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا”، كنتيجة لإيمانهم؛ هذا الإيمان الذي وإن كانت الآية الكريمة لم تُشر إليه، إلا أنه يمكن فهمه عبر المُقابلة في الآية، خاصة أن خاتمة الآية تُشير إلى أن “ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ”.

والمراد، أن الله تعالى أنزل عليهم عذاب الاستئصال، ماديًا ومعنويًا، من خلال الريح “رِيحٗا صَرۡصَرٗا”، وقد بين سبحانه كيفيته في موضع آخر، حيث يقول سبحانه: “فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ٭ إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٭ فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٭ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ” [فصلت: 13-16].

وهكذا، تتبدى إشكالية مصلح “دَابِرُ” الدلالية، من منظور إنه يؤشر إلى الجانبين المادي والمعنوي، أو العضوي والوظيفي معًا.. فماذا إذن عن مصطلحي “ٱلۡأَدۡبَارَ” و”ٱلۡأَدۡبَٰرَ”؟

وللحديث بقية.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock