ثقافة

رواية “معلامة” لـ علوان الجيلاني: سحرية الواقع وفضاءات الألفة.

في عمل سردي لا يُعدُّ من بدايات الإبداع المشوب بالتلكؤ والهفوات على طريق المحاولة، بل يعتبر من علامات النضج الثقافي والمعرفي والأدبي الرصين الصادر عن ذاكرة أصيلة، استبطنت الأمور والظواهر والتعاملات اليومية بالبحث والتقصي والـتأمل والتفسير، فنضحت بتفاصيل تحبس الأنفاس، رغم بساطة ظاهرها إلا أنه لم يسبق لأحد أن وضعها في هذا المقام السردي المثير للدهشة.

ذلك العمل، هو رواية “معلامة” للأديب والمثقف علوان مهدي الجيلاني صاحب الذاكرة الملمة بجغرافيا الزمن والمكان، والتقنيات البحثية والكتابية الكفيلة بإعادة صياغة تفاصيل الحياة اليومية في ريف التهائم، من خلال قريته “الجيلانية” وفق سياق سردي توثيقي قلَّ نظيره، إذ تجاوز السيرة الذاتية إلى الغيرية، والفردية إلى الجمعية، ورغم نقلاته ومقاماته السردية ظل مليئاً بالمفاجآت والإدهاش، من البدء حتى الختام.

مفتتح السرديّة

“جدتي، وأنا”.. كان هذا مفتتح الرواية، والجدة في مجتمعنا اليمني خصوصا والمجتمعات العربية بشكل عام، تُعَدُّ إحدى أهم مصادر العاطفة والحكايات الأسطورية التي تفتح حياة الطفولة على فضاءات الخيال والألفة والأمان، فعاطفيا كانت جداتنا يغمرن طفولتنا بمحبة لا مثيل لدفئها، وكلما كبرنا تظل انهماراتهن علينا بالحب نفسه، لم يكن يجرؤ غير جداتنا على الوقوف أمام آبائنا وأمهاتنا في حال استحققنا العقوبة على تجاوزٍ ما، في إطار قواعد وقوانين التربية التي تحكم مجتمعاتنا وأسرنا، وها هي جدة علوان.. تُجاري كذبته التي حاكها للتهرب من حضور الدرس في المعلامة، وهي أن الفقيه أذن له وأعفاه من الحضور؛ حتى الموسم المقبل، وخبأته جدته من أبيه الذي جاء للبحث عنه لديها، فالجميع يعرف أنها وجهته المفضلة وملاذه الآمن.. لكنها أنكرت وجوده، وفي وقت المغرب أعادته إلى منزل والده، وأمَّنت له الحماية من العقاب؛ بأن ألزمته بالنوم مبكرا حتى لا يراه والده حين يعود إلى المنزل ويضربه، لكن ذلك الحال لم يدم طويلا؛ فقد باغتهم والد علوان في اليوم الرابع، قبل أن تتمكن الجدة من إخفاء المتمرد، وجرَّه بأذنه وذهب به إلى المعلامة، وفي ذلك اليوم رأى الفقيه وطلابه أول مؤشر على نبوغ المتمرد بالأمس، فقد حفظ في ذلك اليوم وخلال درس واحد حروف الهجاء كاملة، وتِباعا تخطى علوان زملاءه، رغم أنهم كانوا أكثر التزاما منه، لكن ما حدث بعدها كان مؤشرا أثار دهشة الجميع، بدءا بالفقيه ومرورا بالطلاب ووصولا إلى الأهل، فقد أصيب علوان بالملاريا، وبعد ليلة قاسية من الحُمّى.. كان علوان يستمع إلى الفقيه وهو يعيد على أحد الطلاب آيات من سورة آل عمران، لم يحفظها ذلك الطالب، وبعد ما انتهى الفقيه كان علوان قد حفظها كاملةً وتوجه إلى المعلامة التي لم تكن تبعد عن مخدع أمه سوى 100 متر؛ ليقف أمام الفقيه ويطلب منه أن يُسَمِّع له الآيات، وفوجئ الفقيه بتلك القدرة على الحفظ من مجرد سماع واحد، واحتفى به ودعا له وعرف الجميع وفرحوا، وتوالت النجاحات، لكن جدته كانت تخصُّه بمكافآت متواصلة عن كل إنجاز، أكثر من بقية الأهل.

تفاصيل سردية كثيرة حشدها الروائي الجيلاني في الفصل الأول من معلامة الجيلانية، لكن اللافت هو تقنية الإمساك بخيوط الاحداث، وتعدد الشخصيات التي تلتقي في احتفاء اجتماعي بمناسبة ختم “علوان” القرآن الكريم، والذي يعني أنه اجتاز أولى مراحل التعليم وأهمها، وخَتْمُ القرآن حدثٌ ارتبط بحياة اليمنيين في غالبية مناطق البلاد ارتباطا عاطفيا؛ له مسحة من القداسة تظهر في البهجة التي كانت تعم أسرة خاتِم القرآن بشكل خاص، وأهالي القرية بشكل عام، وعلى اختلاف طرق الاحتفال من منطقة إلى أخرى، فالدلالة واحدة والمشاعر هي نفسها كمشترك إنساني في كل مناطق اليمن.

لقد تمكن علوان الجيلاني باحترافية سردية عالية من توثيق وتصوير مشاهد طقس ختم القرآن في الجيلانية، بانسيابية آسرة، فصوَّر بدقة متناهية فرحة الجميع بحفظ الولد لكتاب الله، وما يترتب على ذلك من تكريم وإجلال للفقيه الذي علمه القرآن الكريم، والسعادة التي تغمر الناس من حوله.

مفاجآت استعادة علوان لعافيته

تحت مقام سردي منفصل عنونه بـ”أمي تشحت بي” يواصل علوان الجيلاني انتقالاته السردية المترابطة بانسيابية في هذا البناء الروائي، ولكن في الحُمّى الناتجة عن الملاريا، وكيف حولته إلى هيكل عظمي، ووضعته على شفير الهلاك في مربع استحالة الشفاء، وعند هذه النقطة يبدأ مسار الأحداث والحوارات، التي تحبس الأنفاس لانطوائها على مفاجآت استعادته لعافيته، وسط مشاعر القلق التي عمَّت الجميع، واكتفائهم بالدعاء ومحاولة رفع معنويات الأم التي كانت تعصف بها موجات الفزع؛ من أن تفقد ولدها.. ووسط هذه الحالة تقرر السيدة عائشة (أم علوان) أن تقص مخالب الموت، التي حاولت أن تنتزع الروح من ذلك الجسد، ذي السنوات الأربع، وتبدد ظلاله التي بدأت تحتشد حوله، وفي غمرة البكاء وقد انكشف لها أفق من اليقين بجدوى ما هي مقدمة على فعله، قالت حينها: “سأطلبه من الله، سأتدروش به”، هي كلمات يكثر استخدامها، لكنها هنا كانت وصْفَة الدواء، وكان لها نفعها وجدواها؛ لأن روح تلك الأم كانت حاضرة وانطوت على إيمانٍ حدَّ اليقين أنها لن تعود خائبة، حتى وإن كان الملاريا قد تحول إلى وباء وأصبح الأحياء على وشك الاختناق بعفونة الجثث؛ فستظل تتنفس حتى تنجز مهمتها، وقد كانت على وعي كامل، بأن ملاذها أكرم من أن تعود خالية الوفاض.

ما قررته أم علوان كان سلوكا وممارسة لها ارتباطاتها الإيمانية في المجتمع التهامي بشكل عام، وفي الجيلانية خصوصا، وحين قررت أيدها الجميع، وكانوا لا يقلون يقينا بأن الله لن يكسر فؤادها، وبعد عصر ذلك اليوم خرجت تلك السيدة التي يعرف الجميع حسبها ونسبها ويعرفون كذلك أنها عقيلة أحد أكبر أعيان الجيلانية، خرجت تدور في شوارع الجيلانية وتقف أمام كل بيت تستجدي الصدقات والإحسان، ولأن الجميع يعرفون الغرض من ذلك باعتباره طقسا تضرعيا الغرض منه الوقوف أمام الله في أشد الحالات الإنسانية انكسارا طلبا للرحمة والاستجابة، فقد تعاطفت جميع النساء مع الحالة كما لو كُنَّ لا يعرفن تلك السيدة العزيزة، وكانت قلوب الجميع تخفق بالدعاء والتضرع وفي الوقت نفسه كان اليقين يملأ كل تلك القلوب، فهذه خالتها (ليلى) تخرج إليها بإناء من الطعام، وتقسم لها بأن الله سيستجيب لها وسيدفع الضر عن ولدها ويكشف عنه السوء، وبما يشبه تَكَشُّفَ الحُجُب التي تخفي الواقع أمسكت الخالة (ليلى) بقُصَّتها وقالت بصوت مرتفع مخاطبة الأم: “ضامنة لك ضمانة على الله وعلى رسوله وعلى أبو أربع أعيان- في إشارة إلى الولي شمس الشموس أبو الغيث بن جميل- وجدك المعتكف جيلان”، بأنه سوف يحيا ويتعافى، وتلك الضمانات بالله والرسول والأولياء والصالحين لا يقطع فيها إلا من استند إلى يقين لا يلامسه الشك في كرم الله.. وأنهت السيدة عائشة حجها وتوسلها بزيارة ضريح جدها المعتكف الجيلان واستحضرته وناجته، ونثرت من تراب الضريح على رأس طفلها وجسده وأعطت ما جمعته لمن تجمع حولها من الأطفال الفقراء والمساكين وعادت إلى بيتها، وفي الليلة نفسها انقشعت الغمة وتجلى كرم الله ورحمته واستجابته لتلك الأم الاستثنائية وتعزز بذلك يقينها ويقين كل من شاركها الحزن والألم؛ بأن الله عند ظنهم به، فالعافية بدأت تدب في جسد علوان بالتوازي مع الكثير من الشكر لله على لسان أمه وانطواء روحها على المزيد من اليقين بعظيم رحمته، فالله قد دروشها به وتقبل حجها إليه.

مسار الزمن السردي

يتطور مسار  الزمن السردي مع تطور المراحل العمرية لـ”علوان” بوصفه (السارد) الرئيس لهذا العمل الروائي الذي تدور أحداثه في 29 مقاما يمثل كل عنوان موضوعا أو حدثا أو طقسا من طقوس الحياة، وغيرها من العناوين التي مركزها المكاني قرية “الجيلانية”، فتراه يخرج من ذاته راصدا كل ما وقع أمام سمعه وبصره، راسما تلك التفاصيل بدِقَّة تقطع احتمالية الالتباس، وفي الوقت نفسه ببساطة وألفة يرتفع معها منسوب الارتباط والحميمية مع المكان الذي يجول الكاتب بقارئيه في أزقته وفضاءاته، لنتفاعل مع وقائعه ونأتلف مع شخوصه الذين كانوا محاور تلك الأحداث، وهذه الحالة التأثرية والتفاعلية مع وقائع الرواية صنعتها جماليات السرد ومضامين الواقع، وارتقت بها أدوات الكاتب التعبيرية المستندة إلى مؤهلات فكرية وثقافية وإبداعية عالية.

الأهم في مقام مسار الزمن السردي الذي يطَّرد مع التطور العمري للسارد “علوان الجيلاني” أن الجيلانية كانت تتميز بوفرة مواردها الزراعية بحكم خصوبة تربتها وطيب منتجاتها ومحاصيلها، ما جعلها مركزا تجاريا يأتيه الناس من مختلف مناطق تهامة الواسعة، غير أنها على هذه الشهرة والرخاء والوفرة-التي جعلت أبناء المناطق المجاورة لها يطلقون عليها الكويت، نسبة لدرة الخليج دولة الكويت- كانت عرضة لأحداث قاسية.. فقد وثق الكاتب ما حدث في بداية سبعينات القرن الماضي من حريق هائل أحال غناها فقرا واندفع شبابها إلى الهجرة بحثا عن فرص العمل في الخليج.

الجيلانية (الكويت) انتهت، كان لهذه الجملة وقع استثنائي، فالكاتب لم يفتعلها لينهي هذا المقام السردي، بل وضع فيها روحه وأحالنا على ارتباط وثيق للذات مع المكان الذي قاسمها جينات النشأة والكينونة حتى ارتبط حد الاختلاط بهوائه وترابه ومائه وأصواته وألوانه وروائحه، التي تشكل في مجموعها كتلة المشاعر والأحاسيس لهذه الذات الإنسانية.

كما لم تكن الجيلانية في منأى عن كوارث الأمطار والسيول الجارفة، فتحت عنوان “دفعة امسيفاني”، سرد الكاتب قصة تعرض الجيلانية لكارثة أمطار غزيرة اجتاحت سيولها المنطقة، مدمرةً الأراضي الزراعية وجارفةً المنازل بمن فيها من البشر والدواب، وكانت الفاجعة الكبرى أن السيول غدرت بسود سيفاني الذي كان عند أحد أصدقائه ولم يكن يعلم أن توقف المطر وحده لا يكفي ليكون طريق العودة إلى المنزل آمناً، ووجده الناس جثةً بعد يومين من البحث.

عالمية الالتحام بالواقع

يمكن القول ومن باب الإنصاف: إن علوان مهدي الجيلاني بتقنياته الأسلوبية والسردية الملتقطة لأدق التفاصيل في الحياة اليومية، وضع الرواية اليمنية وللمرة الأولى على درب السرد العالمي الذي يتسم بالواقعية السحرية، التي اشتهر بها روائيو أمريكا اللاتينية بشكل خاص، لكن علوان يتميز في روايته بخصوصية ربما لم تكن لدى كُتّاب الواقعية السحرية، تتمثل في المكان الواقعي (الجيلانية)، فلم يضطر علوان إلى اختراع مكان افتراضي لإدارة أحداث روايته المنبثقة شخوصها من خيال الكاتب، كما اخترع ماركيز القرية والأحداث في “مائة عام من العزلة”، أو كما اخترع ماريو باراغاس يوسا شخصية المرشد في “حرب نهاية العالم”، بل سرد ما رأى وسمع كما رأى وسمع، بمعنى أن المكان نفسه مكتظ بسحرية الواقع، ليتمثل علوان ذلك ويجسده في هذه السردية المدهشة، فتهامة بشكل عام والجيلانية بشكل خاص بيئة خلّاقة، لها موروثها القيمي والتعاملي والتفاعلي مع الأحداث الداخلية والخارجية، لتزخر روايته بموروث لهجوي وفكري وثقافي ومعتقداتي وخرافي وأسطوري له جذوره في تاريخ المجتمعات التهامية ونزعاتها الإيمانية المطلقة بما يسمى بالكرامات، التي يمنحها الله من يشاء من عباده الصالحين، فمثلا قصة زواج فاطمة ابنة أحد أكبر وجهاء الجيلانية ممن تحب بعد يأس أطبق عليها وعلى من يحبها كل أبواب الأمل.

وعند هذه النقطة تتطور الأحداث التي يستطيع الكاتب تقديمها في سياق سردي فائق الجمال، وبتقنية عالية التناغم، حيث كان دقيقا في سياقاته النفسية والاجتماعية، وبمهارة فائقة التقط الحالة الروائية للزمن وذاكرة المكان وتفاصيل الحدث ونفسيات الشخوص، موثقا في الوقت نفسه مراسيم الزفاف وطقوسه وخصوصيته المتفردة في الجيلانية، ليضعنا أمام مشاهد دقيقة من ملبوسات النساء وأدوات الزينة التي تخص العروس، وكذلك العطور والمشاقر بأنواعها وأسمائها، معطيا لكل مقام ما تتطلبه مساحته من الكلام، وهي مهارة تخلق كل ذلك الجمال في كتابة هذه الرواية.

خلاصــــــــــــــــــة

رواية “معلامة” كانت همسةً ملحةً في وجدان علوان الجيلاني منذ زمن مبكر، كادت تضيع في صخب الحياة والانشغالات اليومية، والاشتغالات الأدبية الأخرى التي ترتكز عليها حياة علوان، إلا أنه وفي الوقت المناسب التقط تلك الهمسة من وسط الضجيج، مدفوعا بالحنين والشوق إلى الجيلانية عقب فراق وانقطاع – خارج رغبته- فاحتفى بها لتحتفي به من خلال هذه التحفة التي خصها بها وأهداها إليها.

إن رواية “معلامة” بوصفها العمل السردي الأول لعلوان الجيلاني، تُعدُّ تأشيرة عبوره إلى مجاهل هذا الفن وعوالمه الساحرة، مستندا إلى تكوينه الثقافي والأدبي الذي ظهرت نتاجه منذ بداية التسعينيات، متصدرا المشهد الشعري اليمني بوصفه واحدا من أهم معالمه، إضافة إلى أنه كان يتابع بدقة واهتمام متواصل إيقاعات المشهد وحركته، راصدا كل الأصوات الجديدة، محتفيا بها بمحبة كانت ولا تزال إحدى سماته الإنسانية، وفي الوقت نفسه لم يكن في قطيعة مع الكبار من الأجيال السابقة، فلطالما كان ارتباطه بهم وثيقا، وقد خص غالبيتهم بدراسات نقدية منصفة يستحقونها.

ومن اللافت في تميز تقنياته السردية، أن علوان الجيلاني ألزم نفسه عبر صفحات الرواية من البدء حتى الختام بأن يكون في مستوى النضوج والكمال الأدبي، ولا مبالغة في ذلك فهو لديه ما يمكنه من الإمساك بناصية اللغة وخيوط السرد القوية، فأدواته مكتملة كونه مثقفا موسوعيا وشاعرا متميزا يكتب القصيدة بكل أنواعها وبإحساس عالٍ واقتدار جعله في مصاف فرسانها، وناقدا وباحثا ومحققا أثرى الساحة بكتابات متنوعة أنصف فيها من عاصرهم من الشعراء والأدباء، ووضع آخرين في دوائر الضوء بعد أن ظلوا عقودا في الظل.

*إبراهيم القانص.. شاعر وكاتب وصحفي من اليمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock