رؤى

عقيدة “الوطن الأزرق”.. وأهداف تركيا في ليبيا

أجرت البحرية التركية تدريبات قبالة السواحل الليبية نهاية يونيو الماضي، وذلك “بموجب مذكرات التفاهم والاتفاقات الموقعة مع حكومة الوفاق الوطني السابقة، التي كان يرأسها فائز السراج، وحكومة الوحدة الوطنية الحالية، التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة. وكان الدبيبة، بصفته وزيرا للدفاع في حكومة غرب ليبيا، قد وقَّع مع وزير الدفاع التركي، يشار غولر، في مطلع مارس الماضي، مذكرة تفاهم تضمنت “رفع كفاءة وحدات الجيش الليبي من خلال البرامج التدريبية النوعية”.

هذه التدريبات المشتركة، وتحركات البحرية التركية قبالة السواحل الليبية، تُثير التساؤلات مُجددا عن عمق التعاون العسكري بين الطرفين، وخلفية الحضور التركي في ليبيا، وأهدافه؛ خاصة أن أنقرة تسعى إلى تفعيل اتفاقيات التنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الليبية، التي حصلت عليها بفضل اتفاقية عام 2019، والاتفاقيات التنفيذية والتكميلية في أعوام 2022، 2023، 2024 هذا رغم صدور قرارات قضائية بإبطال الاتفاقية في مناسبتين، يناير 2023، وأبريل 2024؛ على إثر طعن قدمه 5 محامين في القضاء الإداري ضد تفعيل الاتفاقية.

في سبيل اعتبارات المصالح التركية، سواء الخاصة بالنفط والغاز أو الاعتبارات الاقتصادية، تحاول أنقرة “الاستفراد” بالغرب الليبي، الذي يمثل لها أكثر من دلالة استراتيجية، بالنظر إلى فقر الموارد لديها، فضلا عن حالة التراجع الاقتصادي الذي تمر به خلال السنوات الماضية.

وفي ما يبدو، تُرتكز المحاولة التركية في “الاستفراد” بالغرب الليبي، على عدة مُقاربات سياسية.. أهمها ما يلي:

استغلال حالة الانقسام في المشهد الليبي؛ في ظل وجود حكومتين على الساحة الليبية، ومجلسين تشريعيين، في غرب ليبيا وشرقها؛ ومع استمرار حالة الاحتقان السياسي وعدم وجود أية فرص أو بناء استحقاق جديد، يمكن التعويل عليه لحلحلة الأزمة المستمرة لسنوات؛ ومع عدم وجود خط تفاوضي يمكن أن ينطلق منه الفرقاء الليبيين، للدخول على خط محاولة إجراء الانتخابات.. تستغل أنقرة هذه الانقسامات، لتفرض وجودها في الغرب الليبي، عبر توقيع عدد من الاتفاقيات مع الحكومات المنتمية إليه.

أضف إلى ذلك، تأكيد حالة الحضور التركي في المشهد الليبي؛ عبر رؤيتها في التعامل مع الأزمة الليبية من خلال مُقاربة شاملة لأطرافها المختلفين، تحاول أنقرة تأكيد الحضور التركي في المشهد؛ بل، تحاول الانفتاح على كل الأطراف؛ في ظل التنسيق التركي مع ميليشيات مسلحة في الغرب الليبي، بما يُعزز ليس فقط نفوذ تلك الميليشيات، ولكن أيضا التواجد التركي في غرب ليبيا.

من جهة أخرى، استغلال الصراع بين الأطراف الدولية للأزمة؛ حيث إن ثمة مواقف متباينة لكبرى دول الاتحاد الأوروبي في ليبيا، وهي سياسات جزئية متعارضة في ما بينها، تستخدم فيها كل دولة قدرتها لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة. ومن ثم، ستظل ليبيا المجال الحيوي لصراع الدول الأوروبية الكبرى الأربعة: إيطاليا، بريطانيا، ألمانيا.. وفرنسا، إضافة قطعا إلى الولايات المتحدة، وروسيا.

ولعل ذلك ما يساعد أنقرة في استغلال تذبذب الموقف الدولي المتأثر بالحرب الروسية في أوكرانيا، التي ألقت بظلالها على الملف الليبي في أروقة مجلس الأمن الدولي؛ حيث يبدو الانقسام بوضوح بين التكتل “الروسي  الصيني”، وبين التحالف “الأمريكي البريطاني  الفرنسي” على إدارة الأزمة، كل حسب مصالحه.

ضمن أهم اعتبارات المصالح، من وراء الإصرار التركي على “الاستفراد” بل و”التحكم” في الغرب الليبي.. تأتي المؤشرات التالية:

فهناك التموضع التركي في منطقة شرق المتوسط؛ حيث ترتبط مذكرات التفاهم التي وقعت بين حكومة الدبيبة وأنقرة، في مضمونها وسياق توقيعها، بصورة أو بأخرى، بالاتفاقية البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا، في عهد حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، التي كانت تحتاج إلى تسجيل لدى الأمم المتحدة، ولم يتم هذا الإجراء.

ومن وجهة النظر التركية، فإن هذا الاتفاق البحري يُعد ردا على تعاون مصر وقبرص واليونان وإسرائيل، لاستخراج الغاز من قاع البحر وتصديره، عبر خطوط أنابيب إلى الأسواق الأوروبية. ومن ثم، فإن التدريبات العسكرية البحرية التركية الليبية، تهدف إلى تعظيم مجال نفوذ أنقرة في شرق البحر الأبيض المتوسط. هذا، فضلا عن منع بناء خط الأنابيب من دون إذن تركيا؛ إذ إنه من دون موافقة أنقرة، لا يمكن أن يمر خط أنابيب عبر المتوسط، في جانبه الشرقي.

وهناك أيضا الطموحات التركية وعقيدة “الوطن الأزرق”؛ فالملاحظ، أن تركيا تعتبر أن من حقها التمدد على طول 600 كيلو متر من ساحل البحر المتوسط، معتبرة أن الجرف القاري الخاص بها يصل إلى ليبيا؛ وأنه يعبر بين جزيرتي كريت ورودس اليونانيتين. هذه “الحجة” التركية، جرت صياغتها، في الواقع، في ما أُطلق عليه عقيدة “الوطن الأزرق”؛ تلك التي تشير إلى أن كل شبر من البحار تمارس فيه تركيا حقوقها السيادية، هو مقدس تماما مثل كل شبر من أراضي البلاد، فهو جزء من  الوطن.

وعقيدة “الوطن الأزرق” هذه التي صاغها وطورها ضباط أتراك “كماليون قوميون متشددون”، في عام 2006، وأصبحوا بسببها شركاء أردوغان، ينبني عليها الأهداف التركية الجغراستراتيجية في شرق المتوسط، والتي أدى السير بها إلى إبرام الاتفاقية البحرية مع حكومة السراج، في نوفمبر 2019.

هذا، بالإضافة إلى محاولة تركيا جني المكاسب الاقتصادية؛ إذ إضافة إلى الجانب الهيدروكربوني، فإن ليبيا تشكل فرصة واعدة للأعمال التركية، التي تتراوح بين البناء وصناعات الطاقة والصناعات العسكرية، والتي تصل إلى حوالي 20 مليار دولار، كما يذكر جنكيز تشاندار في دراسة له (مجلة الدراسات الفلسطينية: خريف 2020)، الأمر الذي يُعوض بعض خسائرها الاقتصادية الفادحة، جراء تدخلها العسكري في شمال سوريا والعراق، ويُنعش اقتصادها الذي يُعاني من أزمة تفاقمت خلال السنوات الماضية.

في هذا السياق، يمكن القول بأن ما ينتظر ليبيا هو واقعيا أخطر بكثير من “الاستفراد”، الذي تحاول تركيا أردوغان فرضه على غرب ليبيا، عبر الاتفاقيات الموقعة بين أنقرة وحكومات السراج والدبيبة. ومن ثم، فإن مذكرات التفاهم التي تم التوقيع عليها بين حكومة الدبيبة وأنقرة، ستؤدي إلى إحياء الصراع في شرق المتوسط، باعتبار أن النزاع التركي اليوناني على المياه الاقتصادية الإقليمية (صيد السمك)، يعود إلى ما قبل عام 2011؛ لكنه تحول اليوم إلى صراع حول التنقيب عن الغاز والنفط.

وبالتالي، سوف تتدخل الدول التي تشترك مع ليبيا في شرق ساحل المتوسط، على غرار اليونان ومصر، فضلًا عن إيطاليا التي تعتبر “الجارة رقم واحد” بالنسبة إلى ليبيا، ما سيجعل ليبيا سببًا في صراع محتمل، خصوصًا في حال دخول فرنسا، التي تتنافس مع إيطاليا في ليبيا، على خط “غاز شرق المتوسط”.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى