واصل الجنيه المصري انخفاضه أمام الدولار، ليصل سعر الدولار اليوم الخميس في السوق الخارجية إلى 50.80 لأول مرة في التاريخ، منذ الإصدار الأول للأوراق النقدية للعملة المصرية في الثالث من أبريل عام 1899، وكانت قيمة الجنيه آنذاك مقدرة بـ 7.4 جراما من الذهب.
عزا بعض المتخصصين الانخفاض الأخير إلى الارتفاع الكبير في عمليات استرداد أذون الخزانة الصادرة منذ بداية العام الحالي. لكن مجموعة جولدن ساكس، توقعت ارتفاع قيمة الجنيه مع بداية العام الجديد.. مع احتمال أن يبدأ البنك المركزي المصري خفضا تدريجيا لأسعار الفائدة، بالتزامن مع إصدار سندات خزانة من كافة الآجال؛ خاصة السندات طويلة الاجل؛ ما يعني عودة المستثمرين للسوق المحلية، وهو ما سيزيد من حظوظ العملة المصرية في الارتفاع بعد التراجع المتوالي؛ منذ سمحت الحكومة المصرية في مارس الماضي بانخفاض قيمة الجنيه بنسبة 40% سدا للفجوة الهائلة بين سعري السوق الرسمية والموازية.
تلك الخطوة التي اتخذتها الحكومة واستطاعت من خلالها السيطرة على السوق- أدت إلى حدوث تجاوز كبير في سعر الصرف؛ كان من المفترض أن يتراجع فيما يعرف بـ “تصحيح السعر” لكن ذلك لم يحدث لأسباب عديدة منها تراجع المعروض من الدولار مع زيادة الطلب عليه.
يشغل سعر صرف العملة المصرية أطراف عدّة على رأسها صندوق النقد الذي اشترط مرونة سعر الصرف للمضي قُدما في إقراض مصر، ضمن برنامج المساعدة الذي وصلت قيمته الإجمالية إلى ثمانية مليار دولار.. ستحصل مصر على الشريحة الأكبر منها والمقدرة بـ 1.3 مليار دولار عقب انتهاء المراجعة الرابعة التي تجري مباحثاتها منذ الخامس من نوفمبر المنقضي.
وفي إطار الاستجابة لاشتراطات الصندوق والمتعلّقة بالحد من دور مؤسسات الدولة في الاقتصاد- أعلن رئيس الوزراء أن مصر بصدد طرح 10 شركات على الأقل خلال عام 2025، وتتنوع الطروحات بين الاستثمار المباشر والبورصة. كما أعلن مدبولي أن الشركات المطروحة من بينها 4 شركات مملوكة للجيش.. بالإضافة إلى بنكي القاهرة والإسكندرية.
وما تزال السوق المصرية تحظى بجاذبية كبيرة لدى المستثمرين، بين الأسواق الناشئة، فوفق استطلاع للآراء حيال الأسواق الناشئة أجراه بنك (HSBC) فإن مصر هي السوق “الأكثر شعبية” في الشرق الأوسط بين المستثمرين “الإيجابيين” حيث يرى المستثمرون أنها تتمتع بنظرة مستقبلية أكثر إيجابية، وفق تقرير البنك.
ورغم التعثر المتتالي للوضع الاقتصادي المصري وعدم ظهور أي ثمار لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تحمّلت تبعاته الفئات الفقيرة والمعدمة ومحدودو الدخل، وما زالت آثاره القاسية -التعبير لأحد مسئولي الصندوق في المرحلة الأولى للبرنامج- تعصف بغالبية المصريين- إلا أن المسئولين في الحكومة والقطاع المصرفي، لديهم شيء من الطمأنينة؛ بالنظر إلى خطة الإنقاذ العالمية الأوسع التي تعهدت بها أطراف عدة؛ لمصر بحوالي 57 مليار دولار، من أجل الحفاظ على استقرار القطر الأكثر أهمية في استقرار الإقليم.
ربما يحمل العام الجديد عددا من المؤشرات الإيجابية للاقتصاد المصري المتعثر منذ فترة، مع عودة الملاحة إلى طبيعتها في قناة السويس مع تراجع نطاق الصراع وبؤره في المنطقة.. وكان رئيس البلاد قد أعلن أن القناة خسرت 6 مليارات دولار خلال الأشهر الثمانية الأخيرة.
من المؤشرات الجيدة أيضا ارتفاع حصيلة مصر من تحويلات المصريين العاملين بالخارج، في الربع الثاني من العام المالي الحالي.. بنسبة قد تصل إلى 31% على أساس سنوي.. لكن النهج القديم الذي يشكل عماد السياسات الاقتصادية المصرية- مازال يحتاج إلى إعادة نظر بترتيب الأولويات، ووضع رفع المعاناة عن الطبقات الأكثر تضررا من برنامج الإصلاح موضع الاعتبار، وهو ما سيناقشه الصندوق ضمن بنود المراجعة، تحت عنوان “مدى جاهزية برامج الحماية الاجتماعية في مصر”.








