رؤى

تداعيات سقوط النظام السوري.. على الأردن

منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، أصبحت الأردن من بين الدول التي تأثرت بشدة من النزاع، سواء من الناحية الإنسانية أو الأمنية أو الاقتصادية. يكفي أن نلاحظ كيف استقبل الأردن مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، الذين فروا من الصراع، وكيف تفاقمت التحديات الأمنية والاقتصادية على الحدود المشتركة مع سوريا.

ومع استمرار النزاع لسنوات عديدة؛ باتت التساؤلات حول مستقبل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد- تُلقي بظلالها على الأردن؛ خاصةً أن ذلك يشمل: إمكانية عودة اللاجئين السوريين، الفرص الاقتصادية المتاحة على الحدود، والوضع الأمني في جنوب سوريا، وتأثيره على الأردن.

ولعل هذه التداعيات المتوقعة، هي ما حملت وزير الخارجية الأردني إلى التوجه إلى دمشق.. لبحث قضايا “الاهتمام المشترك” مع أحمد الشرع (الجولاني) في “قصر الشعب”.

وهناك العديد من التداعيات المتوقعة، أو التي يمكن توقعها، جراء سقوط نظام الأسد، على الأردن.. أهمها ما يلي:

إمكانية عودة اللاجئين السوريين: يعيش في الأردن أكثر من مليون لاجئ سوري، بحسب التقديرات الرسمية وغير الرسمية. سقوط نظام بشار الأسد يمكن أن يفتح باب النقاش حول إمكانية عودة هؤلاء اللاجئين إلى بلدهم سوريا؛ إلا أن هذا السيناريو يتوقف على العديد من العوامل المعقدة.

أولا: الوضع الأمني في سوريا بعد سقوط النظام، سيحدد إلى حد كبير رغبة اللاجئين في العودة. في حال استمر الوضع الأمني غير المستقر، أو إذا استمرت الصراعات بين الجماعات المسلحة المختلفة، أو في حال حدوث فراغ سياسي- فمن غير المرجح أن يشعر اللاجئون بالأمان للعودة. كما أن الاستقرار السياسي في مرحلة ما بعد الأسد؛ سيكون عُنصرا حاسما في هذا الشأن؛ إذ قد تحتاج سوريا إلى سنوات لإعادة بناء بنيتها التحتية ومؤسساتها السياسية، ما يجعل العودة مسألة طويلة الأجل.

ثانيا: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سوريا ستكون مؤثرة في قرار العودة؛ إذ يحتاج اللاجئون لضمانات حول فرص العمل، وتأمين الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة؛ إذ فَقَدَ هؤلاء اللاجئون منازلهم وأعمالهم نتيجة الصراع؛ وبالتالي، فإن إعادة بناء هذه العناصر ستكون ضرورية لخلق بيئة جاذبة لعودتهم.

ثالثا: ينبغي أن لا نغفل عن الإرادة السياسية لدى الأردن (الدولة المستضيفة) والتي قد تكون عاملا آخر مؤثرا في عودة اللاجئين. الأردن، الذي يعاني من تحديات اقتصادية وضغوط على الموارد نتيجة لوجود اللاجئين، قد يُفضِّل تشجيع العودة الطوعية، إلا أن العودة القسرية أو غير الطوعية تظل غير واردة وفقا للقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان واللاجئين.

الفرص الاقتصادية عبر الحدود: من الناحية الاقتصادية، سقوط نظام الأسد.. قد يحمل معه فرصا للأردن، فيما يتعلق بالتجارة عبر الحدود التي كانت مغلقة أو غير مستقرة لفترات طويلة بسبب النزاع، يمكن أن تشهد انتعاشا تجاريا إذا تحقق الاستقرار في سوريا بعد رحيل النظام.

أولا: إعادة فتح المعابر التجارية؛ إذ إن إعادة فتح المعابر الحدودية بين البلدين -خاصةً معبر نصيب- ستتيح للأردن فرصة استعادة دوره بوصفه ممرا تجاريا إقليميا، يربط بين دول الخليج وتركيا وأوروبا. قبل الأزمة، كانت حركة الشاحنات بين الأردن وسوريا مزدهرة، وكانت البضائع الأردنية تجد طريقها إلى الأسواق السورية، والعكس صحيح. بعد سقوط الأسد، يمكن أن يعيد الاستقرار النسبي النشاط التجاري بين البلدين، ويخلق فُرصا اقتصاديةً جديدةً للأردن.

ثانيا: التعاون في إعادة الإعمار؛ فإلى جانب التجارة، يمكن أن يشارك الأردن أيضا في عمليات إعادة إعمار سوريا، ما يفتح الباب للشركات الأردنية العاملة في هذا المجال. وتقدر الخسائر التي أحدثها دمار الحرب في سوريا بمليارات الدولارات، وسيكون هناك طلب كبير على الخبرات والمواد والبنية التحتية. الأردن، نظرا لقربه الجغرافي والعلاقات التاريخية مع سوريا، قد يكون في موقع جيد للمساهمة في هذه الجهود؛ وبالتالي خلق فرص عمل جديدة وتعزيز الاقتصاد المحلي.

ثالثا: التحديات الاقتصادية إذ رغم الفرص المحتملة، إلا أن عددا من التحديات يمكن أن تنشأ نتيجة الأوضاع الجديدة على الساحة السورية؛ فقد يتسبب التدفق المفاجئ للبضائع السورية، إلى الأسواق الأردنية، في إغراق بعض القطاعات الاقتصادية المحلية، خصوصا إذا كانت السلع السورية أرخص.

الوضع الأمني في جنوب سوريا: فمازال الوضع في الجنوب السوري، من الناحية الأمنية، يُمثل أكثر التداعيات التي سيكون لها تأثير مباشر على الأردن.

أولا: استمرار التهديدات الأمنية؛ فمن أكثر التحديات التي قد تواجه الأردن، بعد سقوط نظام الأسد- الوضع الأمني في جنوب سوريا، خاصة في المناطق القريبة من الحدود الأردنية. جنوب سوريا شهد وجود العديد من الجماعات المسلحة، بما في ذلك تنظيمات متطرفة وإرهابية، مثل داعش وجبهة النصرة، التي استغلت الفراغ الأمني في المنطقة لزيادة نفوذها.

سقوط الأسد قد يفتح المجال أمام مزيد من الفوضى، في حال لم يُتَوَصَّل إلى حلول سياسية تضمن استقرار المنطقة، وفي حال بقيت الجماعات المسلحة ناشطة في جنوب سوريا، فإن ذلك يشكل تهديدا مباشرا على أمن الأردن، خاصة مع إمكانية تسلل عناصر متطرفة عبر الحدود.

ثانيا: تحديات إدارة الحدود المشتركة؛ إلى جانب التهديدات من الجماعات المسلحة، هناك تحديات أخرى تتعلق بتهريب الأسلحة والمخدرات عبر الحدود. مناطق الجنوب السوري كانت لفترة طويلة مركزا لنشاطات غير قانونية مرتبطة بالتهريب، سواء خلال النزاع أو قبله. سقوط نظام الأسد قد يؤدي إلى تزايد هذه النشاطات، في حال لم يسيطر النظام الجديد على الفوضى الأمنية.

ثالثا: إمكانيات التعاون الأمني: في المقابل يمكن أن يكون سقوط الأسد فرصة لتعزيز التعاون الأمني بين الأردن وسوريا. في حال تولي حكومة مستقرة في دمشق، يمكن أن يتعاون الجانبان في مكافحة الإرهاب، تأمين الحدود، والتصدي لنشاطات التهريب.

في هذا الإطار.. فإن سقوط نظام بشار الأسد سيكون له تداعيات عميقة على الأردن من جوانب متعددة. فيما يتعلق بعودة اللاجئين، فإن العودة ستكون مرتبطة بالوضع الأمني والاقتصادي في سوريا بعد رحيل النظام. أما من الناحية الاقتصادية، فإن استقرار سوريا سيتيح فرصا تجارية جديدة على الحدود، ويعزز فرص إعادة الإعمار. وأخيرا، يبقى الوضع الأمني في جنوب سوريا تحديا رئيسا للأردن.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock