لم يرد لفظ “حوار” في القرءان الكريم إلا في مواضع ثلاثة؛ إذ ورد مرتين في سورة الكهف، وذلك في معرض الحديث عن قصة “صاحب الجنتين” وحواره مع صاحبه الذي لا يملك مالا كثيرا؛ أما الموضع الثالث فقد جاء في سورة المجادلة. بالإضافة إلى لفظ “يَحُور” الذي ورد في قوله سبحانه وتعالى: “إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ”[الانشقاق: 14].
إلا أن ما نود التأكيد عليه -في دراستنا عن الحوار القرءاني- أن الحوار في التنزيل الحكيم لا يمكن حصر مساحته في الآيات الكريمات، التي تتضمن مادة “حوار” فقط؛ ولكن يمكننا أن نعتبر كل المواد الحوارية الواردة في القرءان الكريم، بمثابة الشاهد على مسألة الحوار القرءاني.
الحوار الإلهي
وكنا قد تناولنا في حديث سابق أحد هذه الأمثلة، وهو الحوار الإلهي مع نبي الله إبراهيم عليه السلام.. وفي ذلك، يأتي قول الله تبارك وتعالى: “وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَ لَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ” [البقرة: 260]. وكما نلاحظ، فإن هذا الحوار الإلهي مع نبي الله إبراهيم، يؤكد على مشروعية الحوار، وأن الحوار -هنا- هو شكل من أشكال الاستدلال التوضيحي.
وفي حديث آخر، تناولنا مقدمة حول “الحوار الإلهي مع موسى عليه السلام”؛ وهنا نحاول أن نستكمل دلالات هذا الحوار بين المولى عزَّ وجل، وأحد أنبيائه عليهم السلام جميعا.
تأتي مقدمة الحوار في قوله تعالى: “فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ٭ إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ٭ وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ٭ إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ٭ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ٭ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ” [طه: 11-16]. ولنا أن نُلاحظ كيف بدأ الحوار الإلهي بالنداء، وأن النداء كان محددا باسم موسى “نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ”؛ وهو ما يؤشر إلى مدى التأثير النفسي على موسى، من حيث إن المُنادِي يعرفه تماما، ويريد طمأنته.
ليس بدء الحوار الإلهي بالنداء.. هي الملاحظة الوحيدة؛ لكن هناك عديد من الملاحظات، عبر تأمل السياق القرءاني في هذه الآيات الكريمة.
أولى هذه الملاحظات، تتعلق بـ”التعريف بالذات الإلهية”؛ إذ بدأ الحوار الإلهي مع موسى بذكر “الربوبية” في قوله سبحانه: “إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ”، أي “ربك أنت تحديدا يا موسى”؛ وهو قول فيه ذِكر للعطاء، من حيث إن مفهوم الربوبية عناية ورعاية.. وهو ما يتأكد عبر السياق القرءاني التالي لهذه الآيات الكريمة، في قوله سبحانه: “وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ” [طه: 39]؛ وأيضا، في قوله تعالى: “وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي” [طه: 41]. هذا، في حين أنه تبارك وتعالى قد ذكر “الألوهية” تاليًا لذكر الربوبية “إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠”، من حيث إن دلالة الألوهية التكليف والعبادة وتقييد الحركة من خلال “افعل ولا تفعل”.
أضف إلى ذلك، أن السياق القرءاني في قوله تعالى: “إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ”، في الوقت الذي يؤكد على الأوامر الإلهية “فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ” فإنه -في الوقت نفسه- يؤكد على أن عبادته سبحانه إنما لزمت لألوهيته وأحاديته، من حيث كونه سبحانه هو المُستحَق، والمُستحِق، لهذه العبادة.
أيضا، لنا أن نُلاحظ كيف يأتي الخطاب الإلهي، مختلفًا في الحديث عن “الذات” عنه في الحديث عن “الأفعال”. إذ إن الله تبارك وتعالى حينما يتحدث عن ذاته يتحدث بضمير “المفرد”، كما في قوله سبحانه: “إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ”، وقوله تعالى: “إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ”؛ وذلك لأن “الأحادية” لابد لها من الإفراد في التعريف: “قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٭ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٭ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٭ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ” [الإخلاص: 1-4].. ولكن، عند الحديث عن أفعاله يتحدث بضمير “الجمع”، كما في قوله سبحانه: “إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ” [القدر: 1]، وقوله تعالى: “إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ” [الحِجر: 9]، وقوله عزَّ من قائل: “إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ” [مريم: 40]؛ وذلك، لأن كل فعل من هذه الأفعال يحتاج إلى إرادة تريده، وقدرة على تنفيذه، وعلم به وأسبابه ومساراته المحتملة، وحكمة من وجوده؛ بما يعني أن هذه الأفعال تحتاج “صفات” متعددة وإمكانات شتى، لابد من تكاتفها جميعا لتنفيذ كل فعل من هذه الأفعال.
تأهيل موسى
ملاحظة أخرى، تختص بالتأهيل النفسي الإلهي لنبيه موسى.. إنه التأهيل النفسي الذي يرد كمقدمة لما سيأتي من تكليف إلهي بمهمة موسى (الذهاب إلى فرعون). وهنا، يبدأ التأهيل بقوله عزَّ وجل: “فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ”، إظهارا للمهابة ولقداسة المكان والخضوع لما سوف يسمعه من كلام ربه؛ أي إنه أمر إلهي له عِلة وسبب “إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى” [طه: 12].
وسواء كان معنى “طُوٗى” هو اسم الوادي كما قال البعض من المفسرين القدماء، أو كان معناه مرتين نحو مُثنى أي قدس الوادي مرتين كما قال بعض آخر من المفسرين، أو كان يحمل دلالة الـ”طيِّ”، أي بالوادي المقدس الذي طويته طيًّا، كما نقول نحن اعتمادا على التدبر القرءاني للفظ “طيِّ”، كما في قوله تعالى: “وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ” [الزمر: 67].. سواء كان هذا، أو ذاك، أو ما قبلهما، فإن العبارة القرءانية “إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى” تأتي للتعليل، على الأمر الإلهي لموسى عليه السلام في بداية الحوار “فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ”.
ولم يتوقف التأهيل الإلهي لنبيه موسى عليه السلام عند حدود التأهيل النفسي؛ ولكنه امتد إلى الاستجابة الإلهية لما طلبه موسى من رب العالمين، لكي يتمكن من مهمته (الذهاب إلى فرعون) إذ ما إن سمع موسى التكليف الإلهي: “ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ” [طه: 24]، حتى سأل المولى سبحانه وتعالى في “ثمانية” مطالب، كما وردت في قوله تبارك وتعالى: “قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٭ وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٭ وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٭ يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٭ وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٭ هَٰرُونَ أَخِي ٭ ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٭ وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٭ كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٭ وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٭ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا” [طه: 25-35].
وكان الرد الإلهي على سؤال موسى أن “أتاه الله ما طلب”، كما يدل على ذلك قوله عزَّ وجل: “قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ” [طه: 36]؛ بما يؤكد على قدرته سبحانه في الاستجابة لما طلبه موسى عليه السلام.. فإذا سأل الإنسان، أي إنسان، الله سبحانه وتعالى فأعطاه دلَّ ذلك على قدرته تعالى في إجابة الطلب؛ أما إذا أعطاه الله تعالى بدون سؤال دلَّ ذلك على المحبة الإلهية له.
وهذا نفسه ما تحقق مع نبي الله موسى عليه السلام، تأهيلا إلهيا له، للنهوض بما سيُكلف به من مهمة الذهاب إلى فرعون.
وللحديث بقية.








