من أبرز الحوارات التي وردت في القرءان الكريم هو الحوار الذي دار بين نبي الله إبراهيم عليه السلام مع أبيه؛ إذ إن هذا الحوار الذي ورد في آيات التنزيل الحكيم، يُعد من أبرز الحوارات التربوية التي تحمل في طياتها العديد من الدروس والدلالات الروحية والفكرية.
النبي إبراهيم عليه السلام هو من الأنبياء الذين أوتوا الحجة والبيان، وقد اختصه الله بصفات عظيمة، منها الصبر على البلاء والجدال بالحسنى في سبيل الله. كان إبراهيم موقنا بوجود خالق واحد، وداعيا إلى عبادة الله وحده، في وقت كانت فيه عبادة الأصنام متفشية في قومه. لم تقتصر دعوته على قومه فحسب، بل بدأ دعوته إلى التوحيد من أقرب الناس إليه، وهو أبيه آزر. والمُلاحظ، أن آزر لم يرد في التنزيل الحكيم سوى مرة واحدة، في قوله عزّ وجل: “وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ” [الأنعام: 74].
هنا، يمكن تناول تفاصيل هذا الحوار، ودلالاته العميقة التي جاءت في سياق دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه إلى التوحيد، والنأي عن عبادة الأصنام.
ملامح الحوار
في سورة مريم، وردت تفاصيل الحوار بين إبراهيم وأبيه؛ حيث يقول الله سبحانه وتعالى: “وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٭ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا” [مريم: 41-42]. وكما يبدو، عبر سياق الآية الكريمة، فإن نبي الله إبراهيم، في هذا الحوار، يتوجه إلى أبيه بأسلوب ودود ولطيف، مستخدما لفظ “يَٰٓأَبَتِ” الذي يعبر عن الاحترام والمودة. أضف إلى ذلك، أنه قدَّم “الموعظة” على سبيل الاستفهام “لِمَ تَعۡبُدُ…”، حتى لا يُشعر أباه بـ”النقص”.
وفي هذا الإطار، يظهر لنا أن إبراهيم لم يستخدم أسلوبا هجوميا أو عنيفا في دعوته، بل لجأ إلى الأسلوب اللين والمقنع، الذي يعتمد على المنطق في الحوار “لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا”. هذا، فضلا عن صيغة النداء “يَٰٓأَبَتِ”، التي استخدمها نبي الله إبراهيم في الحوار مع أبيه، للحرص على هدايته؛ وهو النداء الذي ورد على لسان إبراهيم في “أربع” مرات متتاليات [مريم: 42، 43، 44، 45].
ولم يكتف إبراهيم بذلك، ولكنه، فضلا عن تأكيده على الأسلوب الرقيق في الحوار، من خلال تكرار لفظ “يَٰٓأَبَتِ”، حاول أن يوضح لأبيه أن لديه علما من الله لم يصل إليه أبوه بعد، وأن اتباعه سيؤدي به إلى الصراط المستقيم؛ وهو ما يتبدى في قوله سبحانه: “يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا” [مريم: 43]. هنا، لنا أن نُلاحظ أن إبراهيم عليه السلام لم يُظهر التعالي أو الفوقية في حواره، بل اعتمد المنطق والثقة في العلم الذي جاءه من رب العالمين.
هذا الموقف، الإبراهيمي، يوضح عددا من الأُسس التي ينبني عليها الحوار بين خليل الله وأبيه.
أُسس الحوار
فمن جانب، بدأ إبراهيم الحوار بالتساؤل حول جدوى عبادة “مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ”؛ وهو التساؤل الذي يُعد حجة عقلية ضد عبادة ما لا يمتلك أي نوع من القدرة على نفع أو ضر. والأهم، أن إبراهيم لم يتوقف عند تفنيد عبادة “الأصنام” فحسب؛ بل عرض السبيل الصحيح وهو التوحيد واتباع الصراط السويّ؛ إذ دعا أبيه قائلا: “فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا”.
من جانب آخر، بعد أن قدَّم الحجة العقلية والدعوة إلى اتباع الصراط السويّ، لجأ إبراهيم إلى التحذير من اتباع الشيطان؛ كما في قوله تعالى: “يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا” [مريم: 44]. ولم يقل إبراهيم إن الشيطان عاصيا، ولكنه قال “عَصِيّٗا” للدلالة على المبالغة في العصيان؛ فالشيطان ليس عاصيا فقط، بل عصيًا بعناد. هنا، يُحذِّر إبراهيم أباه من أن عبادة الأصنام هي، في الواقع، نوع من اتباع الشيطان، وهو الذي عصى الله بعناده وأبعد الناس عن الطريق الصحيح.
ولعل هذا يوضح لماذا لم يأت نبي الله إبراهيم منذ البداية على ذِكر الشيطان، بل أخَّر ذلك إلى نهاية الحوار؛ إذ إنه حدد بشكل مباشر أن الشيطان هو الذي يُسوِّل عبادة الصنم أو الشجر أو الشمس أو القمر، فالأمر مردود إليه وهو أحد أسبابه الرئيسة. يبدو ذلك بوضوح عبر “المُفارقة” بين التساؤل الإبراهيمي في البداية “يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ…”، وبين أن الشيطان يمكن أن يسمع ويرى؛ وهي المُفارقة التي تدل على أن عبادة الأصنام هي، واقعيا، نوع من اتباع الشيطان.
إذ لما كانت العبادة هي طاعة العابد للمعبود، في أوامره ونواهيه، وسماع واستجابة المعبود للعابد في دعائه؛ لذا فإن عبادة قوم إبراهيم للأصنام ليست ذات فائدة، وهو ما يؤشر إليه قوله عزَّ من قائل: “وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ ٭ إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٭ قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٭ قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٭ أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ” [الشعراء: 69-73]. هنا، وإضافة إلى اعتراف قوم إبراهيم “نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ”، يتأكد لماذا أخَّر إبراهيم ذِكر الشيطان إلى نهاية الحوار.
من جانب أخير، لم يكتف إبراهيم بالتحذير من اتباع الشيطان، ولكنه حاول تبيان تبعات هذا الاتباع للشيطان؛ وذلك كما في قوله سبحانه: “يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا” [مريم: 45]. ومن ثم، فقد انتقل نبي الله إبراهيم من مجرد التحذير إلى التأكيد على منطلق المحبة والخوف على أبيه؛ إذ لم يرغب في أن يواجه أبوه العذاب الإلهي نتيجة لاتباع الباطل. وبالرغم من قساوة الأب في الرد على حجج إبراهيم، وتهديده إياه بـ”الرجم”، كما في قوله تعالى: “قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا” [مريم: 46]..
رغم ذلك، إلا أن إبراهيم، الذي اتخذه سبحانه وتعالى خليلا، أنهى الحوار مع أبيه باللطف والمحبة والدعاء بالسلام وطلب المغفرة له؛ كما في قوله تبارك وتعالى: “قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٭ وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا” [مريم: 47-48]. والمُثير، أن إبراهيم لم يكتف بالقول “سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ”؛ ولكنه دعا الله رب العالمين طالبا منه المغفرة لأبيه، كما ورد في قوله عزَّ وجل: “وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ” [الشعراء: 86].
في هذا الإطار.. يُمثل حوار النبي إبراهيم مع أبيه في القرءان الكريم نموذجا للدعوة بالحسنى واللين، مع استخدام الحجج العقلية والدينية. وبالرغم من رفض أبيه وتهديده له، إلا أن إبراهيم عليه السلام ظل صابرا ومتمسكا بمبادئه، داعيا لأبيه بالهداية.
وبالتالي، لنا أن نتأمل دلالات قوله سبحانه وتعالى عن نبيه إبراهيم: “وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ” [البقرة: 130].. بل لنا أن نتأمل لماذا اتخذ الله سبحانه “إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا”، كما في قوله عزَّ من قائل: “وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا” [النساء: 125]. وأخيرا، لنا أن نُلاحظ كيف كان إبراهيم عليه السلام وافيا بوعده، ومتى تبرأ من أبيه، وذلك عبر دلالات قوله تبارك وتعالى: “وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ” [التوبة: 114].
وللحديث بقية.