تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا مرحلة جديدة من التقارب، والتي ظهرت آخر مؤشراتها في الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، والذي امتد لأكثر من ساعة ونصف الساعة، في 18 مارس 2025. يأتي هذا التقارب في وقت تتسارع فيه التطورات على الساحة الدولية، لا سيما في ملف الحرب في أوكرانيا.
وعلى الرغم من الصراع الحاد بين البلدين حول هذا الملف في السنوات السابقة، إلا أن التقارب الجديد قد يشير إلى بدء حقبة من التفاهم حول بعض القضايا المشتركة. ومن ثم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هو: هل يمكن أن يؤدي هذا التقارب إلى توسيع روسيا لنفوذها في أفريقيا؟.
روسيا وأفريقيا
يعكس التقارب الحالي بين الولايات المتحدة وروسيا حاجة كلا البلدين إلى إيجاد حلول دبلوماسية للنزاع في أوكرانيا، الذي استنزف موارد كلا الجانبين وأثّر على استقرار أوروبا الشرقية. يبدو أن الولايات المتحدة تسعى- في ظل إدارة ترامب- إلى تجنب تصعيد الصراع العسكري في أوكرانيا، والبحث عن حلول توافقية قد تشمل تقليص التواجد العسكري الروسي، مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو. من جانبها، ترى روسيا في هذا التقارب فرصة لاستعادة بعض النفوذ الدولي، وإعادة بناء العلاقات مع الغرب بطريقة تحافظ على مكانتها كقوة عظمى.
في هذا الإطار، من المؤكد أن تنظر روسيا إلى أفريقيا كمنطقة بديلة لتعزيز نفوذها الدولي. فمع تصاعد الاهتمام العالمي بالقارة الأفريقية بسبب مواردها الطبيعية الضخمة وتزايد أهميتها الجيوسياسية، قد تسعى موسكو إلى الاستفادة من هذا التقارب لتعزيز نفوذها في دول أفريقية معينة، خاصة تلك التي تتبنى سياسات مستقلة أو معارضة للنفوذ الغربي التقليدي، وفي مقدمتها دول الساحل الأفريقي.
خلال العقدين الماضيين، شهدت أفريقيا توسعا في النفوذ الروسي؛ حيث أبرمت موسكو العديد من الاتفاقيات مع دول أفريقية لتزويدها بالأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، بالإضافة إلى الاستثمار في قطاعي الطاقة والبنية التحتية. ومن خلال الشركات الروسية الكبيرة، مثل مجموعة “فاغنر” العسكرية الخاصة، تمكنت روسيا من تعزيز نفوذها في بعض الدول التي تشهد صراعات داخلية، مثل ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والسودان.
ساحة تنافس
وقد أصبحت أفريقيا ساحةً جديدةً للتنافس بين القوى العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة، الصين، روسيا، والاتحاد الأوروبي. ومن ثم.. يمكن لروسيا أن ترى في أفريقيا فرصة لتعزيز مكانتها في النظام الدولي، خاصة إذا ما استمر التقارب مع الولايات المتحدة حول الحرب في أوكرانيا. فعلى الرغم من التنافس الحاد بين القوى العالمية على النفوذ في أفريقيا، إلا أن هذا التقارب قد يسمح لروسيا بتحقيق بعض المكاسب دون مواجهة مع الولايات المتحدة.
إذ، يمكن لروسيا أن تستغل هذا التقارب لتوسيع نفوذها في أفريقيا دون مواجهة مباشرة مع المصالح الأمريكية. فإذا ما توصّل الطرفان إلى اتفاقات حول مناطق النفوذ في أوكرانيا وأوروبا الشرقية، قد تجد روسيا أن أفريقيا تمثل منطقة جديدة للاستثمار في قوتها الجيوسياسية والاقتصادية.
واللافت، أن روسيا تعتمد في توسيع نفوذها في أفريقيا على بناء شراكات مع الدول الأفريقية، استنادا إلى المصالح المشتركة. فبالنسبة للعديد من الدول الأفريقية، يمكن أن تمثل روسيا شريكا بديلا عن الغرب، خاصة فيما يتعلق بالتعاون العسكري والتكنولوجيا الدفاعية. ويبدو أن روسيا تتمتع بنهج عملي قائم على تقديم الدعم العسكري واللوجستي مقابل الوصول إلى الموارد الطبيعية والفرص الاستثمارية.
من الأمثلة البارزة على هذا التعاون، هو العلاقة الوثيقة بين روسيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، الدولة المسكوت عنها إعلاميا رغم أهميتها؛ حيث تلعب الشركات الروسية الخاصة دورا رئيسا في تدريب القوات المسلحة المحلية، وتأمين المواقع الاستراتيجية. وفي المقابل، تحصل روسيا على امتيازات اقتصادية مهمة في مجالات التعدين واستغلال الموارد الطبيعية.
سيناريوهات مستقبلية
في ضوء التقارب الروسي الأمريكي، يمكن رسم عدة سيناريوهات لمستقبل النفوذ الروسي في أفريقيا. أحد هذه السيناريوهات يتمثل في زيادة التدخل الروسي في النزاعات الداخلية، في الدول الأفريقية التي تعاني من ضعف المؤسسات والاضطرابات الداخلية. ومن خلال تقديم الدعم العسكري والاستراتيجي، يمكن لروسيا أن تعزز مكانتها بوصفها شريكا رئيسا لتلك الدول، ما يسمح لها ببناء علاقات طويلة الأمد تؤدي إلى توسيع نفوذها.
كما يمكن لروسيا أن تركز على تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية، من خلال الاستثمار في البنية التحتية والطاقة؛ خاصة أن هذا النوع من التعاون يعتبر أقل حساسية من الناحية السياسية، ويمكن أن يسهم في تعزيز النفوذ الروسي بطريقة تدريجية ومستدامة. علاوة على ذلك، يمكن لروسيا أن تلعب دورا في الوساطة في بعض الصراعات الإقليمية الأفريقية، ما يعزز من صورتها بوصفها قوةً قادرةً على تحقيق الاستقرار.
لكن.. على الرغم من التقارب الحالي بين الولايات المتحدة وروسيا، إلا أن حدود هذا التقارب قد تصبح واضحة عندما يتعلق الأمر بأفريقيا. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على نفوذها في القارة الأفريقية، خاصة في ظل التوسع الصيني والروسي، قد لا تقبل واشنطن بسهولة توسع روسيا في مناطق نفوذ جديدة دون مقابل. وبالتالي، قد نرى تنافسا مستمرا بين القوتين في أفريقيا رغم التقارب الحاصل في ملف أوكرانيا.
علاوة على ذلك، قد تكون هناك تحفظات أمريكية على تزايد النفوذ الروسي في أفريقيا، خاصة في الدول التي تمثل أهمية استراتيجية للولايات المتحدة. وهذا قد يدفع واشنطن إلى تبني سياسات تهدف إلى احتواء النفوذ الروسي في القارة، من خلال تعزيز التعاون مع الدول الأفريقية، وزيادة الاستثمارات الأمريكية في مجالات التنمية والاقتصاد.
في هذا الإطار..
يبدو أن التقارب الروسي الأمريكي، بخصوص الحرب في أوكرانيا، قد يفتح الباب أمام روسيا لتوسيع نفوذها في أفريقيا. ومع ذلك، فإن هذا التوسع لا يخلو من التحديات والمخاطر، خاصةً في ظل التنافس الحاد بين القوى العالمية على النفوذ في القارة. أفريقيا تمثل ساحةً جديدةً للفرص والمخاطر، وروسيا تسعى إلى استغلال هذه الفرص لتعزيز مكانتها الدولية.
ولكن في النهاية، يبدو أن المسألة تتوجه نحو صفقة أمريكية روسية، لتقاسم مناطق النفوذ؛ صفقة تضمن صرف النظر الأمريكي عن النفوذ الروسي في ليبيا والساحل الأفريقي، في مقابل صرف النظر الروسي عن التصعيد الأمريكي في مواجهة إيران وتوابعها في الشرق الأوسط.