يحتل الحوار مكانة مهمة في القرءان الكريم، فهو أحد الوسائل التي استخدمها الأنبياء في دعوة أقوامهم إلى الحق، وإلى عبادة الإله الحق سبحانه وتعالى. وقد مثّل الحوار – قصص الأنبياء- ميدانا لإظهار الحجج والبراهين ودعوة الناس للتفكير والتأمل في مصيرهم.
وبدءا من هذا الحديث، سنتناول حوارات خمسة من الأنبياء مع أقوامهم كما وردت في آيات التنزيل الحكيم، وهم: نوح، ولوط، وهود، وصالح، وشعيب؛ مع التطرق إلى دلالات تلك الحوارات، والأُسس التي تنبني عليها، والعبر المستخلصة منها.
وهنا، سنبدأ من حوار نبي الله نوح مع قومه.
أسلوب الحوار
يُعد حوار النبي نوح مع قومه من أطول الحوارات التي أشار إليها القرءان الكريم؛ وقد استمر في دعوة قومه إلى عبادة الله وحده لسنوات طويلة. تميز حواره مع قومه بالصبر والاستمرار، رغم رفضهم المتكرر لدعوته. يقول سبحانه وتعالى: “إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٭ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٭ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٭ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ” [نوح: 1-4].
والواضح، أن إنذار نوح لقومه “إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ”، كان يتعلق بأمور ثلاثة: عبادة الله الواحد الأحد وتقواه وطاعة نبيه نوح عليه السلام “أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ”. وفي المقابل، فقد وعد نوح قومه بأمرين اثنين: حمايتهم من “مضار” الآخرة “يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ”، و”مضار” الدنيا بقدر الإمكان “وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ”.
وخلال فترة طويلة من الزمان، استمرت لألف سنة إلا خمسين عاما، كان نوح عليه السلام يدعو قومه بلا كلل أو ملل، مستخدما مختلف الوسائل والأساليب في إبلاغ رسالة التوحيد، رغم أن قومه كانوا يقابلون دعوته بالعناد والجحود. ولعل ذلك ما يتضح على لسان نوح في قوله سبحانه: “قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٭ فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٭ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا” [نوح: 5-7]. هنا، يظهر الحزن في كلمات نوح عندما يعترف بأن دعوته لم تزِدْ قومه إلا عنادا.
بل، لنا أن نُلاحظ التصوير القرءاني، الذي يُبيّن مدى عناد قوم نوح؛ إذ توضح هذه الآيات الكريمة أن نوح دعا قومه باستمرار، ليلا ونهارا، لكنه واجه رفضا مطلقا من قومه. وكانت ردود أفعالهم تتراوح بين الفرار والتجاهل، ليس فقط بوضع أصابعهم في آذانهم، ولكن أيضا بالتغطي بملابسهم “وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ”، حتى لا يسمعوا دعوته، إلى جانب الاستكبار والتعالي على نصيحته.
والمُثير للتأمل، أن التنزيل الحكيم يُخبرنا أن نوح عليه السلام استخدم أساليب متعددة في دعوته قومه، من بينها النصيحة العلنية والسرية، كما في قوله تعالى: “ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٭ ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا” [نوح: 8-9]. بل إن نوح لم يكتف بالنصيحة وحسب، ولكنه استخدم مسألة الترغيب والترهيب، ومحاولة إقناعهم بأن إيمانهم لا يعود بالنفع على نوح نفسه، بل هو لصالحهم. يتبدى الترغيب، في قوله تبارك وتعالى: “فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ٭ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ٭ وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا” [نوح: 10-12].. أما الترهيب، فيتضح في قوله عزَّ من قائل: “وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٭ أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ” [هود: 25-26].
وفي الوقت نفسه، كان نوح عليه السلام يُحاول إقناع قومه بأدلة منطقية، مؤكدا لهم أنه لا يطلب منهم أجرا على دعوته، وإنما هو ناصح أمين لهم، كما ورد في سورة هود، في قوله سبحانه: “وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ” [هود: 29].
دلالات الحوار
ضمن أهم دلالات الحوار بين نبي الله نوح وقومه.. تأتي الجوانب التالية:
من جانب، يؤكد نوح عليه السلام لقومه أنه لم يطلب منهم الأجر على دعوته إياهم؛ كما ورد في سورة يونس، إضافة إلى ما ورد في سورة هود [29]؛ حيث يؤكد نوح بأن أجره على الله سبحانه، وذلك في قوله تعالى: “وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ٭ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ” [يونس: 71-72]. لكن على الرغم من كل محاولاته، فإن القوم اتهموه بالضلال والجنون، واستمروا في عنادهم؛ حتى حقت عليهم العقوبة بالطوفان.
من جانب آخر، على الرغم من الرفض المتكرر واستمرار الإنكار، وعلى الرغم من محاولات القوم التقليل من قيمة دعوته، محتجين بأنهم لم يسمعوا بشيء من هذا القبيل من أسلافهم؛ إلا أن نوح بقيَّ صامدا في دعوته، وكان رده -دائما- يتميز بالهدوء والصبر، مُقدما لقومه الحجج المنطقية.
في مسألة الرفض والإنكار، يأتي قول الله سبحانه: “وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٭ فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ” [المؤمنون: 23-24]. هنا -في هذا الحوار- يتهم الملأ (أي القادة والوجهاء)، من قوم نوح النبي، بأنه ليس إلا بشرا مثلهم، بل واتهموه بالسعي إلى السيطرة عليهم بإظهار التفضل عليهم.
أما بخصوص مسألة رد نوح والحجج المنطقية التي يُقدمها لقومه، فهي تأتي في أكثر من موضع من آيات الذكر الحكيم؛ يقول الله تعالى: “قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ” [هود: 28]. وهنا، يوضح نوح لقومه أنه إن كان على بينة من ربه، أي لديه دليل واضح على صدق رسالته، وأعطاه الله رحمة في صورة الرسالة التي أرسلها إليه، فإن قومه لا يستطيعون رؤية هذه الحقيقة بسبب عمى قلوبهم؛ بما يوضح أنهم هم الذين يرفضون الحقيقة، وليس لديه وسيلة لإجبارهم على الإيمان، إن كانوا هم كارهيه.
من جانب أخير، على الرغم من سنوات الدعوة الطويلة ورفض قومه للدعوة، لم يتوقف نوح عن محاولاته لهدايتهم. كان دائما يسعى لإيجاد طرق جديدة لإقناعهم، سواء بالترغيب والترهيب أو بالمنطق والحكمة. ولكن قومه استمروا في تكذيبهم ورفضهم، بل زادوا في تحديهم بأن طلبوا منه أن يأتيهم بالعذاب الذي كان يهددهم به. يقول عزَّ وجل: “قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ” [هود: 32].
في هذا الإطار.. يأتي دعاء نبي الله نوح، بعد أن استنفذ مع قومه كل الوسائل والحجج المنطقية في الحوار، طوال فترة زمنية طويلة جدًا. يقول عزَّ من قائل: “وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ٭ إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٭ رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا” [نوح: 26-28].
وبالتالي، جاءت استجابة رب العالمين لدعاء نوح، حيث أوحى إليه “أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ” وإنقاذ المؤمنين من الطوفان الذي أنزله سبحانه بالظالمين من قوم نوح؛ وذلك كما ورد في قوله تعالى: “فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ” [المؤمنون: 27].
وللحديث بقية.