رؤى

مفهوم “ٱلسَّاعَة”.. ودلالة التجهيل القرءاني لموعدها

الزمن في القرءان الكريم ليس مجرد سياقٍ أو خلفيةٍ لأحداث، بل عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي الإيماني، ومجالا للاختبار والارتقاء، وجسرا يربط الإنسان بالخالق. فالزمن الإلهي، هو زمن الخلق والتدبير والقدَر؛ والزمان الإنساني هو زمن السعي والمسئولية.. وفي تداخلهما، تتولد اللحظة القرءانية التي تدفع الإنسان إلى التساؤل، والتأمل، والعمل.

القرءان الكريم إذن يعيد صياغة إدراكنا للزمن الإلهي والزمان الإنساني، فلا يراه مجردَ حركة عقارب، بل معنىً متجددا، ورسالةً متواصلةً، وسياقا للوجود والبعث والمصير. لذا فإن كل لحظة زمنية في المنظور القرءاني ليست مهدورةً، بل محمّلةً بالمسئولية والإمكان. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين زمن يستهلكنا، وزمن نمسك بزمامه بالإيمان والعمل الصالح.

ولنا أن نُلاحظ أن كثيرا من آيات التنزيل الحكيم مرتبط بعامل الزمن و/أو الزمان؛ إذ إن صيغ الأفعال المستخدمة، من ماضٍ وحال مستقبل، وماجريات حياة الإنسان، كلها ترتبط بـ”عامل الزمان”، وتؤكد ضرورته وأهميته، إضافة بالطبع إلى المكان؛ وذلك من منظور أن أي حدث، أو مقضية، أو موضوع في الحياة الإنسانية إلا ويكون محكوما بهذين السؤالين: متى؟ وأين؟ بكل ما يحملان من معانٍ تتعلق بالزمان والمكان.

إلا أن مصطلح “الزمن” لا يَرِدُ بصيغته المباشرة في القرءان الكريم، لكن يُشار إليه من خلال تعابير متعددة مثل: الدهر، اليوم، الساعة، الأجل، الحين، العصر.. وغيرها؛ وكل مصطلح منها يحمل شحنة دلالية خاصةً، تشير إلى بعد من أبعاد الزمن، سواء في بعده الإلهي، أو الزمان في بعده الإنساني.

مفهوم “ٱلسَّاعَة”

تمثّل “الساعة” في القرءان الكريم مفهوما مركزيا يتجاوز كونه لحظةً زمنيةً أو حدثا مستقبليا، لتغدو فكرةً شاملةً تعكس غايةَ الوجود الإنساني ومنتهى مساره الأخروي. والساعة -كما يُصوّرها القرءان- ليست فقط نهاية العالم المادي؛ بل لحظة الانكشاف الكلي للحقيقة، حيث تزول الحجب ويسقط التمويه، وتُعرض الأعمال ويُفصل بين الناس بالعدل المطلق.

ورد ذكر مصطلح “الساعة” في مواضعَ كثيرةٍ من التنزيل الحكيم، متنوّعةٍ بين سياقات الإنذار والبعث والجزاء، ما يدلّ على مركزيتها في الرؤية القرءانية للعالم؛ فقد ورد لفظ “ساعة” نكرة ومعرفة في القرءان الكريم في “تسع وأربعين” موضعا، منها “سبع” مرات في صيغة النكرة، وفي “اثنتين وأربعين” مرة في صيغة المعرفة.

وفي هذه المواضع.. لم تُقدم الساعة خبرا غيبيا مجرّدا، بل حقيقةً قادمةً لا ريب فيها، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ﴾ [القمر: 1] حيث إن هذه الصيغة تُشير إلى قربها وتأكيد وقوعها، رغم استبعاد كثير من الناس لها. فالقرءان يتعامل مع إنكار الساعة بوصفه إنكارا للحكمة الإلهية والبعث والجزاء، ومن ثم يُعرض في المقابل برهان القدرة الإلهية على الإحياء بعد الموت، من خلال مشاهد الخلق الأول والآيات في الكون. وهنا، يأتي قوله سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]. أيضًا، حول قصة “أهل الكهف” يأتي قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ…﴾ [الكهف: 21].

لحظة حاسمة

لكن اللافت أنّ “الساعة” ليست فقط نهاية العالم؛ بل هي لحظة حاسمة ترتبط بالمحاسبة والعدالة. فالساعة هي النقطة التي يُفصل فيها بين المظلوم والظالم، وبين من آمن بالحق وسعى إليه، ومن أعرض عنه؛ إنها لحظة تتقوّض فيها كل السلطة البشرية، فلا وساطة، ولا قرابة، ولا سلطان إلا لمن أتى الله بقلب سليم. ولذلك، فإن حضور “الساعة” في الخطاب القرءاني ليس تخويفا فحسب، بل استنهاض للضمير الإنساني واستدعاء للمسئولية الأخلاقية.

وبالرغم من أن المتأمل في آيات التنزيل الحكيم، التي ورد فيها مصطلح “الساعة”، سوف يجد أنه في الوقت الذي ورد ليؤشر إلى “مدة من الزمان” إلا أنه -في الوقت نفسه- سيجد أنه غالبا يرد ليدل على يوم البعث.. كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ﴾ [طه: 15]؛ وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ﴾ [الحِجر: 85]؛ وكما في قوله عزَّ وجل: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [غافر: 59].

واللافت، أن “خطاب الساعة” في التنزيل الحكيم يتسم بالارتباط الوثيق بالواقع العملي للإنسان والناس؛ فهي -أي الساعة- ليست حدثا مؤجلا بلا تأثير، بل حاضرةً في ضمير المؤمن. فـ”الساعة” في القرءان الكريم تُشكل وعيا مستمرا بالآخرة، وميزانا يوميا للأفعال؛ إذ هي معيار حقيقي للجدّية في الحياة. ومن ثم، يرتبط الإيمان بالساعة بالسلوك الأخلاقي والإصلاح في الأرض، لا بالخمول أو الانفصال عن الحياة. ولعل ذلك يتبدى بوضوح في قوله عزَّ من قائل: ﴿وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [النحل: 77]. بل يتبدَّى بشكل أكثر وضوحا، عبر التحذير الإلهي منها ومن اليوم الذي يرى فيه الناس تأثيراتها، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ٭ يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ﴾ [الحج: 1-2].

يُلاحظ أيضا أن القرءان الكريم، لا يُحدّد وقت الساعة، بل ينفي علمها عن الخلق، ويجعلها من اختصاص الله وحده: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187]. وهذا “التجهيل الزماني” مقصود، ليظل الإنسان على يقظة دائمة واستعداد روحي وسلوكي مستمر، بدل الركون إلى التوقيتات؛ وذلك كما في قوله سبحانه: ﴿يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: 63].

في هذا الإطار.. يمكن القول إن مفهوم “الساعة” في القرءان الكريم لا يتعلّق بالخوف و/أو ضرورة الحذر من نهاية العالم فحسب، بل بمنظور وجوديّ وأخلاقيّ يربط الغيب بالحياة. وهنا، يأتي للدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ﴾ [لقمان: 34].

إنها لحظة الحقيقة الكبرى التي تُعرّي الزيف، وتُثبت العدالة، وتُكافئ الصادقين. فهي في جوهرها ليست فقط خاتمة، بل بوابة لبداية جديدة، لحياة خالدة في ضوء العمل والإيمان.

 

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى