في خضم المعركة التي أسمتها الجمهورية الإيرانية بالوعد الصادق3 خرج بعض “المحللين” العرب بنظرية جديدة، بشأن تلك المواجهة التي دامت اثنى عشر يوما.
كان ملخص تلك “النظرية” هي أن تلك المعركة، التي خاضتها طهران ضد دولة الاحتلال الصهيوني، لا تصب في صالح قطاع غزة، الذي يتعرض لحرب إبادة صهيونية مستمرة ومتواصلة منذ أكتوبر 2023.
وذلك لأن المعركة -وفقا لمنطقهم- وفَّرت إلهاءً إعلاميا -ولو بشكل مؤقت- عما يحدث في قطاع غزة، وإنها أيضا أعطت للحكومة الصهيونية إمكانية لعب دور الضحية، خاصةً أمام كاميرات القنوات الأجنبية مع تساقط قتلى في الجانب الصهيوني، نتاج القصف الصاروخي الإيراني.
يكفي لدحض هذا المنطق أن يذكّر المرء بالبديهيات، وفي مقدمتها أن فتح أي جبهة إضافية لإشغال العدو في هذا الصراع هو – بالضرورة- سحب من قدرته على مواصلة حرب الإبادة في غزة.
وهو ما حدث بالفعل مع أول أيام المواجهة المذكورة أعلاه (13 يونيو 2025) حيث اضطر جيش الاحتلال لسحب قسم من قواته المتمركزة في غزة، وإعادة نشرها على حدود كل من لبنان والأردن؛ خوفا من تنفيذ المقاومة اللبنانية عمليات على الجبهة الأولى أو حدوث عمليات تسلل لمسلحين على الجبهة الثانية.
ثانيا: أن استنزاف قدرات العدو، المادية والبشرية على حد سواء، يخفف الضغط -ولو بشكل جزئي- على القطاع المحاصر.
وهذا تحديدا ما كشفت عنه صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، حيث أوضحت أن قادة المنظومة الأمنية الصهيونية، طالبوا المستوى السياسي بمبلغ 60 مليار شيكل لتمويل الحرب ضد إيران، وعملية عربات جدعون في قطاع غزة – وهما عمليتان عسكريتان حربيتان لم تكونا ضمن التخطيط لميزانية عام 2025.
وأكدت أن سبب طلب هذا المبلغ، هو تجديد المخزونات وشراء كميات عاجلة، من صواريخ “حيتس” الدفاعية التي أوشكت على النفاد، بسبب القصف الصاروخي الإيراني، وحتى مئات السترات الواقية، خاصةً للمقاتلين في القطاع.
وأضافت الصحيفة أن “إيران بصناعتها المتقدمة بدأت بالفعل -أثناء الحرب- بالعمل على مرحلة ما بعد الحرب، من خلال إنتاج صواريخ أكثر تطورا من أجل اختراق منظومة الدفاع الجوي”.
كما أن الزعم بتأثير المعركة السلبي على المقاومة في غزة، يفنّده استمرار تلك المقاومة في تنفيذ عمليات شديدة الجرأة ضد قوات الاحتلال.
وهي عمليات أسفرت -باعتراف صحيفة “هارتس” العبرية- عن مقتل 19 جنديا من الجيش في معارك غزة منذ بداية الشهر الجاري، من بينهم 7 جنود قتلوا في ذات الكمين في خان يونس جنوب القطاع.
ولعل هذه الخسائر هي السبب الرئيس، لتعالي أصوات عدة تطالب في الداخل الصهيوني، بوقف المعركة في قطاع غزة.
ففي مقالة ذات عنوان شديد الدلالة هو “مقاتلون مُنهكون، وضباط يستقيلون، ووهم الانتصار يتبدد” كتب المحلل العسكري آفي أشكنازي في صحيفة معاريف، أن الجيش يدرك أن جنوده يعانون من إنهاك مروّع.
وأضاف أن هناك “تآكل في الأسلحة وفي الدبابات وناقلات الجند والطائرات” وأكد أن ما يعرف باسم عملية “عربات جدعون” في قطاع غزة لا تزال بعيدة عن تحقيق أهدافها.
وخلص أشكنازي إلى القول “فعليا، أنهينا كل المهام العسكرية في غزة، الرغبة في الاستمرار وإطالة العملية أمر غير ضروري، ويعرض الجنود للخطر – وهو أمر مؤسف”.
من ناحيته، دعا اللواء احتياط كوبي ماروم، عبر تصريحات أدلى بها للقناة 12 العبرية الى “إيقاف الحرب الدامية في غزة”.
وقال ماروم إن التحدي الذي تمثله غزة “لم يسبق للجيش أن واجهه” خاصةً وأن المعركة هناك “امتدت عاما وثمانية أشهر وهو عبء ثقيل جدا”.
وهو ما أكده أيضا عضو الكنيست عميت هليفي (من حزب الليكود) حيث صرح قائلا: “أعتقد أن عملية “عربات جدعون” لم تحقق شيئا من أهدافها”.
وذلك لأن المقاومة الفلسطينية في غزة “لا تزال تسيطر بشكل كامل على معظم الأراضي، والموارد، والسكان”.
الخلاصة هي أن أي فعل مقاوم، على أي جبهة كانت، هو سحب من رصيد المحتل، وإضافة إلى رصيد صاحب الأرض، فالمقاومة على عكس ما يتصور “المحللون” المذكورون في بداية هذا المقال، لا تخضع لا لحدود الجغرافيا ولا للمذهبية الضيقة.








