يُحكى أن مجموعة من البط كانت تسبح في بركة صغيرة، وفجأة هبَّت عاصفة قوية جرفت معظم البط بعيدا، ولم يبقَ في البركة إلا بطة واحدة لم تجد السباحة، ومنعتها صخرة من الانجراف مع رفيقاتها.. بعد أن هدأت العاصفة.. كانت البركة قد جفت تماما.. اعتلت البطة صخرتها المنجية، وأخذت تصيح: “لقد انتصرت! أنا الملكة الوحيدة هنا! البركة لي وحدي!” ولم يكن أحد هناك وقتئذ ليسمع خطاب النصر أو يصفق له.
قصة أخرى.. رزق أب بتوءم.. لكنه فوجئ عندما شبّا عن الطوق باختلاف مسلكهما الشديد، إذ كان أحدهما متشائما جدا، والآخر يغمره التفاؤل طوال الوقت.. في عيد ميلادهما فكر الأب في تجربةٍ، ربما تغير هذا الواقع قليلا، وضع الأب هدايا كثيرة في غرفة المتشائم، بينما وضع كومة من الروث في غرفة المتفائل. دخل المتشائم غرفته ونظر إلى عُلب الهدايا، وملأه الشك فيما تحوي، وما لبث أن سيطر عليه الحزن، فجلس يبكي. أما المتفائل، فدخل غرفته وما إن رأى الروث، حتى انكب عليه يحفر فيه وهو يردد: في وجود كل هذا الروث؛ لا بد أن حصانا هنا في مكان ما!
غادر نتنياهو أمس الأرض المحتلة، في طريقه إلى واشنطن.. وأثناء وجوده في مطار اللد، أدلى بعدد من التصريحات جاءت كما يلي: نعمل على توسيع دائرة السلام في المنطقة. عازمون على إعادة جميع المختطفين والنصر والقضاء على قدرات حماس العسكرية. حققنا إنجازات عظيمة في غزة وأمامنا إنجازات أخرى لنكملها بإعادة جميع “الرهائن”. لقد غيّرنا بالفعل منطقة الشرق الأوسط، ولدينا فرصة لتوسيع اتفاقيات السلام. نريد تحقيق الصفقة وفق الشروط التي كنا وافقنا عليها، ولدى الوفد الإسرائيلي المفاوض توجيهات واضحة بذلك. اللقاء مع ترامب قد يساهم في تحقيق اتفاق.
لا يختلف موقف رئيس وزراء الكيان المؤقت كثيرا، عن موقف تلك البطة، التي أعلنت انتصارها، لمجرد أنها ما زالت باقية في موقعها، بعد أن عم الخراب المكان تماما.. لكن ذلك ليس مُهمًا.. طالما أنه نجا إلى الآن من المقاصل التي نُصبت له، بدءا من مثوله أمام المحاكم في تُهمٍ تتعلق بالفساد، وقائع إدانته فيها قوية ولا يمكن التغافل عنها، وليس انتهاء بطلبه للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، بسبب اتهامه بارتكاب جرائم حرب في حق الشعب الفلسطيني.

تظهر تصريحات نتنياهو تعاميه عن الحقائق الواضحة في الواقع داخليا حيث يشهد المجتمع الصهيوني عدة مظاهر بالغة الخطورة، بدءا من الانقسام الحاد حول الحرب في غزة ووسائل استعادة الرهائن، مرورا بالخلاف المستحكم بشأن تجنيد طلاب المدارس الدينية “الحريديم” والهجرة العكسية التي ارتفعت مؤشراتها في الآونة الأخيرة على نحو غير مسبوق، مع انهيار الاقتصاد وتكدس النازحين من مغتصبات غلاف غزة، بالإضافة إلى الدمار الكبير الذي خلَّفته الحرب مع إيران، والذي طال عدة مدن في الداخل المحتل، و كان نصيب تل أبيب فادحا إذ دُمرت ثلث مبانيها على أقل تقدير. أما إقليميا فلا يُعبّر الواقع الراهن عن تفاؤل كبير بشأن اتفاقات إبراهام، حتى مع مجاهرة البعض بدعم الكيان المؤقت.. فالمنطقة كلها في ضوء نتائج الحرب الدائرة منذ السابع من أكتوبر2023، وإلى الآن.. وخاصةً بعد “حرب الاثني عشر يوما” بين دولة الاحتلال وإيران- أصبحت فوق صفيح ساخن، ومكتسبات الكيان من تلك الاتفاقات، صارت في سبيلها إلى التناقص أكثر من فرصها في النمو.. ناهيك عن تصاعد الغضب في نفوس الشعوب العربية.. رغم محاولات القمع المستمرة من قبل الأنظمة المتواطئة.
دوليا.. لم يمر الكيان المؤقت بمثل هذا الوضع المتردي منذ نشأته، بعد تغيُّر موقف معظم الشعوب الأوروبية إلى دعم القضية الفلسطينية، وإعلان العداء للدولة العبرية للدرجة التي شاهدنا معها في مهرجان “جلاستونبيري” البريطاني السنوي المقام أواخر يونيو المنقضي- حفلا لمغني الراب البريطاني الشهير بوب فيلان، هتف فيه على الهواء مباشرة “الموت للجيش الإسرائيلي والحرية لفلسطين” وردد خلفه الحضور المقدر عددهم بعشرات الآلاف، ما أثار ردود فعل واسعة، أدت إلى انتشار هذا الهتاف في صورة Trendعالمي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث طُبع على الملابس وكتب على جدران مدن غربية.. ناهيك عن أكبر موقف طلابي معادٍ للكيان المؤقت وداعم لفلسطين في تاريخ الجامعات الأمريكية والأوروبية فيما يعرف بجامعات النخبة.
أيضا.. رصدت مواقع التواصل الاجتماعي العديد من المواقف التي تكشف عن رفض أشخاص عديدين في كافة أنحاء العالم التعامل مع منتمين لدولة الاحتلال.. ووصل الأمر إلى الطرد من المطاعم والمحال التجارية.. والاستفزاز بتعمد الاستماع إلى أغنية “بوم بوم تل أبيب” الشهيرة التي تحتفل بالدمار الذي عم المدينة بسبب القصف الصاروخي الإيراني، ناهيك عن الملاحقة القانونية لمجرمي الحرب الصهاينة في عدد من دول العالم.
تحدث نتنياهو عن استعادة الرهائن، وهو الأمر الذي فشل فيه فشلا مطلقا على مدى 638 يوما، ما يجعل الأمر مستحيلا.. لكنه قرن بين ذلك والنصر على حماس، وسلبها قدراتها العسكرية.. وهو أمر يكذّبه اليوم جنرال سابق في جيش الاحتلال على صفحات معاريف، حيث أشار إلى أن حماس استعادت زمام المبادرة، وأن لديها 40 ألف مقاتل متمركزون في الأنفاق، يصنعون جحيما في كافة أنحاء القطاع، يصطلي به جيش الاحتلال هناك. يرى نتنياهو -رغم ذلك كله- أن استعادة الرهائن سيكون تتويجا لإنجازه الكبير في غزة.. الذي غيّر الشرق الأوسط وفتح الباب واسعا أمام اتفاقيات السلام!
كالصبي المتفائل حد العته.. دخل نتنياهو برأسه في كومة الروث بحثا عن حصان النصر المزعوم؛ لكنه لن يجد إلا حقائق الهزيمة وعواقب الإجرام والإبادة الجماعية.. التي ستطارده إلى آخر يوم في عمره.








