في خطوة مفاجئة أعادت الملف الليبي إلى الواجهة الدولية، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددا على خط الأزمة الليبية، معلنا نية بلاده تقديم “خطة للتسوية السلمية” في ليبيا. جاء هذا الإعلان في 9 يوليو 2025، خلال لقاء جمع ترامب مع رؤساء “خمس” دول أفريقية، هي: الغابون، غينيا بيساو، ليبيريا، السنغال، وموريتانيا، في البيت الأبيض؛ حيث أكد الرئيس الأمريكي التزام واشنطن بتحقيق تسوية سلمية ليس فقط في ليبيا، بل أيضا في السودان، في إطار ما وصفه بـ”نهج أمريكي جديد تجاه أفريقيا”.
ورغم أن تفاصيل الخطة الأمريكية لم تُعلن بعد، إلا أن هذا التحرك يفتح بابا واسعا للتساؤلات حول طبيعة المبادرة، ودوافع واشنطن، ومدى قدرتها الفعلية على تحريك المياه الراكدة في الملف الليبي، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة مسرحًا لتنافس إقليمي ودولي معقّد.
فهل تمثل الخطة الأمريكية المرتقبة تحولا جديا نحو حل مستدام؟ أم أنها تندرج ضمن سلسلة مبادرات لم تتجاوز حدود التصريحات والوعود؟
السياق الدولي
بداية، للتوقف عند جدية الخطة الأمريكية الجديدة، لا بد من وضعها في سياقها الجيوسياسي الأوسع. فالملف الليبي ظل -خلال السنوات الماضية- مجالا لصراع نفوذ بين قوى دولية وإقليمية عديدة، أبرزها روسيا وتركيا وفرنسا ومصر والإمارات، وكل واحدة منها تدعم طرفا من أطراف النزاع. وقد أدى هذا التداخل إلى تشظي المبادرات السياسية، وإفراغ العديد من الاتفاقات، مثل اتفاق الصخيرات (2015)، ومخرجات مؤتمر برلين (2020، و2021)، من محتواها العملي.
الولايات المتحدة الأمريكية، من جهتها، كانت قد غابت نسبيا عن المشهد الليبي خلال السنوات الأخيرة، مكتفية بدور محدود عبر دعم بعض الجهود الأممية، دون تقديم مبادرات مستقلة. لكن مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، في يناير 2025، لوحظت ملامح مقاربة أكثر حضورا في الشأن الخارجي، لا سيما تجاه الملفات التي ترتبط بالأمن الطاقي والهجرة والحركات المتطرفة والإرهابية، وهي عناصر ترتبط ارتباطا مباشرا بالوضع في ليبيا، ومنطقة جوارها الإقليمي خاصة في الساحل الأفريقي.
من هنا، يمكن قراءة التحرك الأمريكي الأخير على أنه محاولة لإعادة التموضع في شمال أفريقيا، والساحل الأفريقي، وموازنة النفوذ الروسي والتركي في ليبيا، خصوصا في ظل التوتر المتصاعد بين واشنطن وموسكو على خلفية الوضع في أوكرانيا، واهتزاز الثقة الأوروبية بالدور الأمريكي عقب الانسحاب من ملفات استراتيجية في الشرق الأوسط خلال إدارة بايدن.
ملامح محتملة
رغم غياب التفاصيل الرسمية، فإن مؤشرات عدة تسمح بـ”توقُّع” ملامح الخطة الأمريكية المرتقبة، خصوصا إذا استندنا إلى التصريحات العلنية، والتسريبات التي تناقلتها بعض الصحف الغربية.
بناءً على ذلك، من المرجح أن تقوم الخطة على العناصر التالية:
– إعادة إطلاق عملية سياسية شاملة، برعاية أمريكية مباشرة، ولكن بالتنسيق مع الأمم المتحدة، بما يمكن أن يُعيد الزخم إلى العملية الانتخابية المجمدة منذ نهاية 2021.
– إعادة هيكلة المؤسسات السيادية، على رأسها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، في محاولة لوقف الانقسام المالي والاقتصادي بين الشرق والغرب.
– خريطة طريق أمنية، تشمل نزع سلاح الميليشيات تدريجيا، ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة، بالتعاون مع دول الجوار والاتحاد الأفريقي. هذا، مع احتمال لوجود “آلية مراقبة دولية”، أمريكية بالأساس، لوقف التدخلات الخارجية، وتجميد الدعم العسكري للأطراف المحلية من قبل القوى الأجنبية.
ومن ثم، يبدو أن واشنطن تراهن، في هذه الخطة، على دعم دول أفريقية تمثل ثقلا إقليميا، كما يظهر من قائمة الدول المدعوة إلى البيت الأبيض؛ إضافة إلى سعيها لكسب تأييد أوروبي من خلال التنسيق مع باريس وبرلين وروما، لتجاوز حالة التردد الأوروبي المزمن حيال ليبيا.
تحديات بنيوية
رغم أهمية الخطوة الأمريكية، فإن نجاحها لا يبدو مضمونا؛ إذ إن ثمة مجموعة من التحديات البنيوية التي تواجه أي مبادرة دولية في ليبيا، تتعلق بطبيعة الصراع الداخلي، والفاعلين الإقليميين، والهشاشة المؤسسية، فضلا عن الإرث الثقيل للانقسامات الاجتماعية والقبلية.
من جهة الانقسام الداخلي العميق؛ ما تزال ليبيا تعاني من انقسام حاد بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وحكومة موازية في شرق البلاد، يقودها البرلمان في طبرق. ويستند كل طرف إلى ميليشيات مسلحة، وعلاقات مع قوى إقليمية متباينة، ما يجعل من الصعب فرض رؤية موحدة. حتى الآن، لم تُظهر الأطراف الليبية رغبة حقيقية في التنازل، كما أن محاولات توحيد الجيش، أو إجراء الانتخابات، اصطدمت برفض أطراف رئيسة تخشى خسارة نفوذها.
من جهة التدخلات الإقليمية والدولية؛ يبدو أنه من أكبر عوائق أي مبادرة سلام في ليبيا، أن النزاع لم يعد ليبيًا صرفا. تدخلات روسيا وتركيا وفرنسا خاصة، إلى جانب مصالح شركات الطاقة العملاقة، تجعل من الملف الليبي ساحة تجاذب دولي مستمر. وبالتالي، لكي تنجح الخطة الأمريكية، فإنها ستحتاج إلى “صفقة كبرى” مع هذه الأطراف، فضلا عن الأطراف العربية المتداخلة في الأزمة الليبية؛ وهو أمر صعب في ظل توتر العلاقات الأمريكية-الروسية، والتنافس الأمريكي-التركي على مناطق النفوذ.
من جهة هشاشة وضعية الأمم المتحدة؛ فإن تعاقب عدد كبير من المبعوثين الأمميين إلى ليبيا، دون تحقيق اختراق حقيقي، قد أظهر فشل الأمم المتحدة في فرض خارطة طريق قابلة للتنفيذ، بما يجعل من أي تعاون مع آليتها الحالية محفوفا بالمخاطر، ما لم يعاد النظر في دور البعثة، وربما إعادة هيكلتها بدعم أمريكي وأفريقي.
من جهة معضلة التمثيل والشرعية الليبية؛ فهي إحدى أعقد الإشكاليات، من حيث كيفية تحديد من يملك “الشرعية” للجلوس على طاولة المفاوضات. فالمجتمع الليبي يشهد تنوعا جغرافيا وقبليا، إضافة إلى حالة عدم ثقة شعبية تجاه كل الطبقة السياسية. أي خطة أمريكية لا تأخذ في الاعتبار الأصوات المحلية، من بلديات ومجالس اجتماعية وشبابية، ستكون معرضة للفشل أو ستولد مشوهة.
اختبار عملي
في هذا الإطار.. يمكن القول إن الخطة الأمريكية ستُختبر، لا من خلال لغتها الدبلوماسية، بل من خلال نتائجها العملية: هل ستنجح في دفع الأطراف إلى تنازلات متبادلة؟؛ وهل ستوقف تدفق السلاح والمرتزقة؟؛ والأهم، هل ستضمن مشاركة حقيقية لمكونات المجتمع الليبي في العملية السياسية؟
ومن ثم، فإن الخطة الأمريكية المرتقبة لتسوية سلمية في ليبيا تُمثل لحظة اختبار مزدوجة: اختبار لواشنطن في مدى جديتها، وإمكانية فرض مبادرة بناءة ومستقلة؛ واختبار لليبيين في قدرتهم على اغتنام فرصة ربما تكون الأخيرة قبل أن يتكرس الانقسام وتدخل البلاد في “سوريا جديدة”.








