رؤى

إسرائيل.. والأهمية الاستراتيجية للسويداء السورية

شهدت محافظة السويداء السورية في الأيام الماضية، أحداثا داميةً خلَّفت وراءها حوالي “ستمِئَة” قتيل، نتيجة اشتباكات بين مكوناتها المحلية، وقوات الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع؛ ويبدو أن المحافظة السورية تعيش حالة من التوتر المتصاعد، والتفكك المجتمعي، طال المشهد السوري كله.

بيد أن هذا التوتر الذي تعيش السويداء أحداثه، لا يتعلق فقط بالتفكك المجتمعي والطائفي الداخلي؛ ولكن -إضافة إلى ذلك- يأتي نتيجة التدخلات الإسرائيلية في السويداء، وفي منطقة الجنوب السوري كله.

هذا التدخل الإسرائيلي، هو ما دفع الشرع إلى سحب ميليشياته من السويداء؛ وهو ما أعلنه بوضوح فجر الخميس الماضي، حيث برر قراره برغبته في تجنب المواجهة مع إسرائيل، وذلك بناءً على طلب أمريكي واضح، بضرورة سحب قواته من المحافظة.

فما الأهمية الاستراتيجية لمحافظة السويداء السورية؟ وما ملابسات ودوافع التوتر الحاصل هناك؟

أهمية استراتيجية

تقع محافظة السويداء في جنوب غرب سوريا، وتحدّها من الغرب هضبة الجولان المحتل الذي تسيطر عليه إسرائيل منذ عام 1967. وتضمّ محافظة السويداء أغلبية درزية (حوالي 90 %)، مع أقلية مسيحية وعدد محدود من البدو السُنَّة؛ وقد لعبت هذه التركيبة دورا محوريا في علاقاتها مع الجوار الإقليمي.

وتتبدى الأهمية الاستراتيجية للسويداء بالنسبة إلى إسرائيل، في عدد من النقاط:

من جهة، طوق حدودي وجوار مباشر للجولان؛ إذ إن محافظة السويداء تشكل خطا حدوديا مباشرا إلى الشرق من الجولان؛ وبالتالي، فإن أي استقرار أو تحركات فيها تؤثر بشكل مباشر على إسرائيل. بالنسبة إلى هذه الأخيرة، إسرائيل، تُعدّ المحافظة امتدادا استراتيجيا للغطاء الداخلي البشري الذي يجب أن تكون موالية نوعا ما، أو على الأقل محايدة. كما أن إقامة منطقة درزية مستقلة، أو شبه مستقلة، في هذه الربوع يشكل هامشا أمنيا يُمكن تهدئة التهديدات القادمة من إيران أو ميلشياتها عبر سوريا.

من جهة أخرى، علاقة السويداء بالدروز داخل إسرائيل؛ فالطائفة الدرزية داخل إسرائيل معروفة باندماجها المجتمعي وانخراطها في الأجهزة الرسمية، وتربطها علاقات أسرية وثقافية عميقة مع دروز سوريا، خصوصا في السويداء. هذا الرابط جعل إسرائيل تعتبر نفسها حامية هؤلاء، فدعمت الميليشيات المحلية والفعاليات الدينية، ونفذت ضربات جوية تحت ذريعة “حماية أخوّة الدروز”، كما حدث في أبريل ومايو 2025.

من جهة ثالثة، محاولة إسرائيل في منطقة دروز موالية؛ فقد سعت إسرائيل، خلف هذا النزاع، لتُنشئ منطقة نفوذ يمكن أن تُحصّن حدودها الجنوبية، عبر دعم تشكيلات الدروز المحلية، مثل “مجلس السويداء العسكري”، والذي أعلن عن تشكيله، في فبراير 2025، بوصفه قوة مسلحة درزية مستقلة عن الدولة المركزية؛ وتدعو الى الحكم اللامركزي والعمل داخل سياسة سوريا موحدة مع استقلالية أمنية محلية. هذه الاستقلالية العسكرية والسياسية، تسهم بإضعاف سلطة دمشق وتُعزّز أوراق النفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري.

من جهة أخيرة، منع تمدد الميليشيات الإيرانية نحو الجنوب؛ فإيران تستخدم سوريا لتمرير أسلحة لحركات المقاومة المسلحة، في لبنان وفلسطين، عبر الحدود الأردنية السورية الإسرائيلية. وجود دروز يمتنعون عن السماح بتواجد هذه القوى بالقرب من مناطقهم، يخلق ورقة ضغط ضد التمدد الإيراني. لذا ترى إسرائيل في المحافظة المملكة الأخيرة بعد الجولان لحماية حدودها والتحكم بخط تمرير الأسلحة.

توتر السويداء

كان التوتر قد اشتعل داخل السويداء، في الأسابيع الأخيرة من عام 2025، إثر خلافات محلية بين عشائر بدوية سنية وسكان دروز؛ حيث بدأ بنزاع على نقاط تفتيش أو سرقة من قبل عضوية بدويّة تجاه درزي، فتصاعدت الأمور. وما بدأ شجارا محليا، سرعان ما امتدّ إلى اشتباكات مسلحة وأعمال انتقام متبادلة، مع تسجيل قتلى واختطافات وسقوط منازل بأسلحة ثقيلة من الطرفين.

وبعد أيام من الاشتباكات، دفعت السلطات السورية التي يقودها أحمد الشرع بتعزيزات عسكرية إلى السويداء، بحجة فرض النظام والاستقرار. هذه القوات، التي تتألف من ميليشيات مرتبطة بالشرع، تصرّفت بعنف خلال تدخلها، وارتكبت انتهاكات بحق المدنيين الدروز، من ضمنها إعدام ميداني ومصادرة ممتلكات، وهو ما أثار غضب السكان المحليين، وتحول إلى مواجهة بين ميليشيات الشرع والعشائر والمدنيين الدروز المسلحين.

وهنا، تقاطع عاملان نتيجة هذا التوتر.. من جانب، تشكيل “مجلس السويداء العسكري”؛ ما أدى إلى تبلور الانقسام الدرزي. ففي فبراير 2025، أعلن عدد من قيادات الأمن المحلية والميليشيات الدروز تشكيل مجلس السويداء العسكري، الذي أُعلن أن هدفه: حماية الأهالي والدفاع عنهم ضد تدخلات الحكومة. ودعا المجلس إلى حكم مركزي يمكّن الدروز من التأقلم ضمن دولة سورية، يصون حقوقهم، ويمنع انتشار قوات أجنبيّة، بما فيها من يصفهم بـ”العملاء”، مثل عناصر جبهة تحرير الشام، أو قوات من حزب الشرع، التي اعتبرها غير موثوقة.

إلا أن قسم من القيادات الروحية الدروز رفض المجلس، معتبرينه خطوة نحو الانفصال عن الدولة؛ بينما احتضنته فئات شبابية وفصائل مثل “رِجال الكرامة”.. هذا في حين استمر البعض الآخر في الانخراط مع دمشق عبر رجال، مثل الشيخ يوسف جربوع الذي حاول التوسط والتأكيد على وحدة سوريا، مع ضمان بعض الحقوق للمجتمع الدرزي.

من جانب آخر، تدخل إسرائيل العسكري والدبلوماسي؛ حيث ردّت إسرائيل على تدخل قوات الشرع عبر قصف جوي استراتيجي، طال مواقع في دمشق والسويداء. إسرائيل أكدت أن الضربات جاءت لحماية الدروز، وردع “الجيش السوري” عن الاقتراب من الحدود. القصف كان مُركزا على مواقع عسكرية في دمشق، ومراكز قيادة يقال إنها تدير العمليات إلى السويداء.

وقد تصاعدت الأحداث حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، ووزير الدفاع كاتز، عن رفض دخول قوات نظامية جديدة إلى مناطق جنوب سوريا، وطالبوا بإنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتد من القنيطرة حتى السويداء والدرّة، مؤكّدين استعداد إسرائيل لأي رد إيراني أو سوري. في الوقت نفسه، أعلن الشرع أنه افترض وجود “إشارة أمريكية ضمنية” بدخول قواته إلى السويداء، لكنّ إسرائيل اعتبرته حسابا خاطئا فتح المجال لقصفها وردها العسكري.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن الإجراءات الإسرائيلية في دعمها للعشائر الدروز، بما في ذلك تقديم مساعدات مالية وطبية وتسهيلات عمل، تتجه نحو خلق نفوذ تدريجي. عبر دعم اقتصادي وإغراءات مالية للدروز للعمل داخل أراضي الجولان، قد تبني إسرائيل “ميكانيزما” للتبعية السياسية والاقتصادية للمجتمع الدرزي في سوريا لإسرائيل. بناءً على ذلك، تكتسب محافظة السويداء أهمية استراتيجية في المشهد السوري الإسرائيلي، لعدة أسباب: قربها من الجولان، وجود طائفة درزية تربطها روابط عميقة بالدروز في الداخل المحتل، وإمكاناتها لتكوين منطقة نفوذ ضمن سوريا الأقل موثوقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى